إيران تدرس ضرب قواعد أمريكية في أوروبا وسط مخاوف من تجدد الحرب

الجمعة 21/أغسطس/2026 - 01:21 م
طباعة إيران تدرس ضرب قواعد فاطمة عبدالغني
 
في ظل تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة وتعثر الجهود الرامية إلى احتواء المواجهة، بدأت طهران تدرس خيارات قد تنقل الصراع إلى ما هو أبعد من ساحات الشرق الأوسط، فمع تزايد احتمالات تجدد الحرب، تبرز مخاوف من توسع دائرة الاستهداف لتشمل مواقع عسكرية أمريكية في أوروبا، إلى جانب تهديدات محتملة للبنية التحتية البحرية في مضيق هرمز، بما قد يفتح جبهة جديدة ذات تداعيات أمنية وسياسية أوسع.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، نقلًا عن مصادر مطلعة على مداولات داخل النظام الإيراني، تدرس طهران إمكانية استهداف أصول عسكرية أمريكية في دول جنوب وجنوب شرق أوروبا إذا قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصعيد المواجهة مجددًا، وتأتي هذه التقديرات في وقت توقفت فيه المفاوضات بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، بينما تتزايد داخل إيران المخاوف من أن عودة القتال أصبحت مسألة وقت.

وتشير هذه التطورات إلى أن حسابات طهران في أي مواجهة مقبلة قد لا تقتصر على استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، وإنما قد تمتد إلى مواقع أبعد جغرافيًا، في محاولة لرفع تكلفة أي تصعيد أمريكي ودفع واشنطن إلى إعادة حساباتها قبل اتخاذ خطوات عسكرية جديدة.

أهداف أمريكية في أوروبا ضمن خيارات الرد الإيراني

قال مصدران مطلعان على النظام الإيراني لـ"فايننشال تايمز" إن القوات الإيرانية درست إمكانية استهداف أصول عسكرية أمريكية في دول جنوب وجنوب شرق أوروبا، ومن بينها بلغاريا، التي وافقت الشهر الماضي على استخدام قاعدة بيزمر الجوية لتزويد الطائرات الأمريكية بالوقود.

كما أُدرجت قبرص ضمن الأهداف المحتملة في حال تجدد الهجمات الأمريكية، خاصة بعد تعرض قاعدة جوية بريطانية هناك لهجوم بطائرة مسيرة في مارس الماضي.

وبالتوازي مع ذلك، درست القوات الإيرانية إمكانية استهداف كابلات الألياف الضوئية الممتدة تحت سطح البحر في مضيق هرمز إذا اتجه الصراع إلى مزيد من التصعيد.

وتعكس هذه الخيارات حالة التوتر المتزايدة داخل طهران، خصوصاً مع تعثر المفاوضات المتعلقة بإعادة فتح مضيق هرمز، كما شهدت المؤسسة الأمنية والعسكرية الإيرانية تغييرات أخيراً، مع ترقية شخصيات متشددة إلى مناصب عليا، في وقت أعلن فيه ترامب أنه لا توجد محادثات أو حوارات جارية أو مقررة مع إيران.

طهران تهدد بتوسيع نطاق الحرب خارج الشرق الأوسط

حذرت قيادات في الحرس الثوري والجيش الإيراني من أن أي مواجهة جديدة قد تدفع طهران إلى تجاوز استراتيجية استهداف القواعد الأمريكية والمنشآت العسكرية والبنية التحتية في الشرق الأوسط.

وكان الحرس الثوري قد هدد المملكة المتحدة الشهر الماضي بسبب سماحها باستخدام قواعد عسكرية بريطانية من جانب القوات الأمريكية، مؤكداً أن أي قاعدة تُستخدم لتنفيذ هجوم على الأراضي الإيرانية ستكون هدفاً مشروعاً.

ويرى سيدهارث كوشال، الباحث في معهد الخدمات الملكية المتحدة في لندن، أن التهديد الإيراني باستخدام الصواريخ ضد أهداف في أوروبا وأماكن أخرى حقيقي، لكنه يظل محدوداً. 
وأوضح أن إيران تمتلك صواريخ باليستية متوسطة المدى يمكن استخدامها ضد أهداف أمريكية في جنوب وجنوب شرق أوروبا، إلا أن قدرتها على إحداث أضرار كبيرة تتراجع مع زيادة المسافة.

وبحسب المصادر التي تحدثت إليها "فايننشال تايمز"، فإن طبيعة الرد الإيراني ستتوقف على حجم الخطوات التي ستقدم عليها واشنطن، وقال أحدهم إن إيران تعد خطة لتوسيع نطاق المواجهة إذا نفذ ترامب تهديداته السابقة باستهداف البنية التحتية الإيرانية.

كما أكد مصدر آخر أن طهران لن تضع حدوداً لردها إذا تعرضت لهجوم أمريكي، مشيراً إلى أن إيران ستدافع عن نفسها حتى لو امتد الرد إلى خارج المنطقة ووصل إلى أوروبا.

صواريخ إيران بعيدة المدى تثير مخاوف غربية

سبق أن أظهرت إيران استعداداً لاستهداف مواقع بعيدة عن أراضيها، ففي الأسابيع التي أعقبت اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية في فبراير، اتهمت واشنطن طهران بإطلاق عدة صواريخ باتجاه قاعدة دييغو غارسيا الأمريكية البريطانية المشتركة في المحيط الهندي، على بعد نحو 4 آلاف كيلومتر، رغم أن الصواريخ لم تصل إلى أهدافها.

وفي مارس، أعلنت تركيا أن دفاعات جوية تابعة لحلف الناتو اعترضت عدة صواريخ باليستية أطلقت من إيران، بينما تعرضت قاعدة أكروتيري الجوية البريطانية في قبرص لهجوم بطائرة مسيرة، وقال مسؤولون غربيون حينها إنهم يشتبهون في أن الطائرة كانت إيرانية، لكنها أُطلقت بواسطة قوات إقليمية حليفة لطهران وليس مباشرة من الأراضي الإيرانية.

كما اعتبر مصدر مطلع أن الهجوم الإيراني على قاعدة أمريكية في الأردن الشهر الماضي، والذي أدى إلى مقتل ثلاثة عسكريين أمريكيين، كان من أكثر الهجمات الإيرانية بعيدة المدى دقة، ويرى أنه أظهر قدرة طهران على الوصول إلى أهداف على مسافات بعيدة.

وقال المصدر إن الرسالة الموجهة إلى أوروبا تتمثل في قدرتها على استقبال الصواريخ الإيرانية، محذراً من أن استهداف البنية التحتية الإيرانية قد يدفع الصراع إلى تجاوز حدود الشرق الأوسط.

في المقابل، يرى كوشال أن إيران يمكنها استخدام صواريخ أثقل، لكن زيادة المدى ستفرض تقليص الحمولة التي تحملها، ما قد يحد من حجم الأضرار، واقترح أن يكون الاعتماد على حلفاء إيران المسلحين أكثر فاعلية، ومن بينهم الميليشيات الشيعية في العراق وحزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن.

أما دوغلاس باري، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، فأشار إلى أن المحاولات الإيرانية لاستهداف دييغو غارسيا تظهر امتلاك طهران أسلحة يتجاوز مداها 2000 كيلومتر، لكنه تساءل عن حجم الترسانة المتاحة فعلياً، ومدى استعداد إيران لاستخدام هذه الصواريخ في هجمات بعيدة المدى، كما حذر من أن زيادة مدى الصاروخ تجعل تحقيق الدقة أكثر صعوبة، وهو ما يرفع احتمالات فشله أو اعتراضه.

تعثر التفاهم مع واشنطن وصعود المتشددين

تأتي هذه التطورات بعد انهيار مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران في يونيو، عقب هجمات إيرانية على سفن في مضيق هرمز وتبادل الاتهامات بين الطرفين بشأن خرق الاتفاق المؤقت، وتبع ذلك تصعيد عسكري وفرض الولايات المتحدة حصاراً جديداً على الموانئ الإيرانية.

وعلى الرغم من أسابيع من التحركات الدبلوماسية، لم تتمكن الجهود من تحقيق تقدم في إعادة فتح المضيق أو استئناف المفاوضات بشأن اتفاق أوسع ينهي الحرب، وهو ما زاد من إحباط الإدارة الأمريكية.

وفي الداخل الإيراني، يعتقد بعض المتشددين أن طهران قدمت تنازلات سابقة دون الحصول على ضمانات كافية، وأن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها لتنفيذ أي اتفاق، ويرى هؤلاء أن إيران بحاجة إلى إلحاق خسائر أكبر بواشنطن لضمان التزامها بأي تسوية مستقبلية.

ويأتي ضمن هذا السياق تعيين محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري، في منصب أمني رفيع، في خطوة فسّرها محللون إيرانيون باعتبارها مؤشراً على تراجع موقع شخصيات أخرى، من بينها محمد باقر قاليباف، الذي ارتبط بدور تفاوضي مع الولايات المتحدة.

وبحسب أحد المصادر، فإن الرسالة التي تحملها هذه التغييرات هي أن فشل التوصل إلى اتفاق عبر المسار التفاوضي يعني انتقال الملف إلى شخصيات أكثر تشدداً، في إشارة إلى رضائي.
ويرى المراقبون أن التهديدات الإيرانية بتوسيع نطاق الاستهداف إلى مواقع أمريكية في أوروبا تعكس انتقال طهران من سياسة احتواء الصراع داخل الشرق الأوسط إلى التلويح بخيارات أبعد جغرافياً، بهدف رفع كلفة أي تصعيد أمريكي محتمل، لكن القدرة على تنفيذ هجمات بعيدة المدى بدقة وفاعلية تظل عاملاً حاسماً، في ظل صعوبة استهداف مواقع بعيدة واحتمال اعتراض الصواريخ.

وفي الوقت نفسه، فإن استمرار تعثر المفاوضات بشأن مضيق هرمز وصعود الأصوات المتشددة داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية قد يزيدان من مخاطر عودة المواجهة، خصوصاً إذا قررت واشنطن تنفيذ تهديداتها السابقة ضد البنية التحتية الإيرانية.

شارك