الخزانة الأمريكية تضرب شبكة تمويل لحماس: جمعيات خيرية واجهة وعملات رقمية في الخلفية

الأحد 04/أكتوبر/2026 - 01:19 م
طباعة الخزانة الأمريكية حسام الحداد
 
عقوبات تطال قيادياً في كتائب القسام ومحسوبَين على الحركة في فرنسا، وتكشف مساراً تمويلياً جمع أكثر من مليوني دولار خلال ست سنوات
أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، يوم 2 أكتوبر 2026، فرض عقوبات على خمسة أطراف قالت إنها تشكل حلقات في شبكة لتمويل حركة حماس. ويضم هؤلاء عنصراً في الجناح العسكري للحركة، وشخصين مقيمين في فرنسا، وكيانين مرتبطين بهما. وبحسب البيان، نقلت هذه الشبكة أكثر من مليوني دولار إلى الحركة عبر واجهات خيرية زائفة وقنوات العملات المشفّرة.

قيادي في القسام يدير القناة المالية
يتصدر القائمة سليم عبد الله سليم الزق، الذي تصفه الوزارة بأنه نائب قائد كتيبة في كتائب القسام ومقيم في قطاع غزة. وتقول إنه يشرف على شبكة مالية تستعين بشركات تحويل الأموال ومحافظ العملات الرقمية لإيصال مبالغ كبيرة إلى الكتائب. ويضيف البيان أن الزق عمل أيضاً مصوراً في المكتب الإعلامي للحركة، وحضر فعاليات رسمية أتاحت له الاقتراب من قيادات بارزة، وهو ما تعدّه واشنطن دليلاً على مكانته الموثوقة داخل التنظيم.

جمعيتان فرنسيتان في قلب المخطط
في فرنسا، حددت الخزانة فوزي بريكة (Faouzi Barika) وأمل وليد (Amel Oualid) بوصفهما مديرين لجمعيتين تعلنان هدفاً إنسانياً هو إغاثة المدنيين في غزة. وتقول واشنطن إن الأموال المجموعة كانت تذهب فعلياً إلى الزق، ومنه إلى حماس. أسس بريكة جمعية Association Baraka بالاشتراك مع الزق، بينما أسست وليد جمعية Ensemble C Mieux، وتستخدمهما الوزارة دليلاً على آلية تعتمد على التبرعات العامة وتنتهي بتمويل الجناح المسلح.

ذروة التبرعات بعد 7 أكتوبر
بين عامي 2020 و2026، جمع الزق وبريكة ووليد أكثر من مليوني دولار لصالح حماس، بحسب الوزارة، نحو 1.5 مليون دولار منها بعد هجوم 7 أكتوبر 2023. وأرسل بريكة ووليد مئات الآلاف من الدولارات بالعملات المشفّرة إلى الزق، الذي روّج بدوره لحسابات التبرع الخاصة بهما عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي.

الأساس القانوني وتبعات العقوبات
صدرت العقوبات استناداً إلى الأمر التنفيذي 13224 المعدّل بالأمر 13886، وهو الإطار الأساسي لعقوبات مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة. وكانت وزارة الخارجية قد صنّفت حماس بموجبه في 31 أكتوبر 2001، كما أن الحركة مدرجة منظمةً إرهابية أجنبية بموجب المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية.
وبموجب القرار، تُجمَّد الأصول الخاصة بالمشمولين متى كانت داخل الولايات المتحدة أو تحت سيطرة أشخاص أمريكيين، ويُحظر على هؤلاء التعامل معهم. ويمتد التجميد إلى أي كيان تملكه هذه الأطراف بنسبة 50% أو أكثر. ولا يقتصر الأثر على الأمريكيين، إذ تحذر الخزانة المؤسسات المالية الأجنبية من خطر عقوبات ثانوية إذا أجرت معاملات جوهرية لصالح المشمولين. وجاء الإعلان ضمن عملية متعددة الولايات القضائية يقودها مكتب التحقيقات الفيدرالي، بمشاركة شرطة نيويورك، لتفكيك أنشطة جمع تبرعات لحماس، بعضها داخل الولايات المتحدة نفسها.

من التمويل المركزي إلى الشبكات المرنة
يعكس الملف تحولاً في بنية تمويل الحركات الإسلامية المسلحة، من قنوات كبيرة ومركزية إلى شبكات صغيرة متفرقة تعتمد على التبرعات الفردية والحسابات الرقمية والمحافظ المشفّرة. وهذا النمط أصعب رصداً وأسرع تبدلاً، وهو ما يفسر تركيز البيان على قدرة الحركة على التكيف وتجنب الكشف.
وتوظيف العمل الخيري في خدمة تنظيمات من هذا النوع ليس جديداً. فقد عرفت الولايات المتحدة قضية "مؤسسة الأرض المقدسة" (Holy Land Foundation) التي أُدرجت على قوائم الإرهاب عام 2001 وأُدين مسؤولوها عام 2008 بدعم حماس. لكن الجديد في هذا الملف أمران: انتقال ثقل الشبكة إلى أوروبا عبر كيانات في فرنسا، والتداخل بين الدعاية والتمويل، إذ يظهر الزق ناشطاً إعلامياً ومشرفاً مالياً في آن واحد، يروّج عبر منصاته لحسابات التبرع.
كما أن توقيت أغلب الأموال المجموعة تزامن مع ذروة التعاطف العالمي مع الأزمة الإنسانية في غزة. وهنا يكمن الخطر المزدوج: استغلال معاناة حقيقية لتمويل نشاط عسكري، وتضرر الجمعيات الإغاثية الجادة التي تواجه تشدداً مصرفياً ورقابياً متزايداً بسبب ما تُسمّيه واشنطن واجهات خيرية زائفة. ولذلك يتزايد الحرص على التمييز بين العمل الإغاثي الحقيقي وواجهاته الصورية.
وعلى مستوى أوسع، تذكّر القضية بأن حماس نشأت عام 1987 امتداداً لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، وجمعت منذ البداية بين جناح سياسي ودعوي اجتماعي وجناح عسكري. وهي بنية تفسر كيف يمكن لشبكات اجتماعية وخيرية، تُعدّ في أدبيات هذه الحركات أدوات للنفوذ الشعبي، أن تتحول إلى قنوات لوجستية لدعم الجناح المسلح. غير أن من الإنصاف المهني عدم تعميم هذا الاستنتاج على العمل الخيري الإسلامي عموماً، فالبيان يتهم أفراداً وكيانات بعينها.

شارك