بعد انسحاب التحالف الدولي هل "كوردستان" ملاذ آمن للمسيحيين في العراق ؟

الإثنين 05/أكتوبر/2026 - 10:36 ص
طباعة بعد انسحاب التحالف روبيرالفارس
 
 
 

أثارت تصريحات المطران مار نيقوديموس داود متي شرف، رئيس طائفة السريان الأرثوذكس في إقليم كوردستان والموصل وكركوك، عقب لقائه رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني، نقاشًا مهمًا حول واقع المسيحيين في العراق، وحدود الدور الذي يمكن أن يلعبه إقليم كوردستان في حماية ما تبقى من الوجود المسيحي، وكذلك الشروط اللازمة لعودة النازحين إلى مناطقهم التاريخية في سهل نينوى والموصل.
وتكتسب التصريحات أهمية إضافية لأنها جاءت في توقيت حساس؛ إذ انتهت في 30 سبتمبر 2026 المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش في العراق، وانتقلت مسؤولية الأمن بصورة أكبر إلى القوات العراقية وقوات البيشمركة، مع استمرار التعاون الثنائي في مجالات التدريب وتبادل المعلومات. وقد أعلنت حكومة إقليم كوردستان أن مرحلة ما بعد التحالف تتطلب استمرار التنسيق بين بغداد وأربيل لمنع عودة تنظيم داعش ومواجهة التهديدات الأمنية.
وكان رئيس حكومة إقليم كوردستان قد استقبل المطران شرف في أربيل في الأول من أكتوبر، وأكد الجانبان خلال اللقاء أهمية ترسيخ ثقافة التعايش السلمي بين مختلف المكونات

كوردستان.. ملاذ آمن بالفعل؟

وصف المطران شرف إقليم كوردستان بأنه «ملاذ آمن» للمسيحيين. وإذا كان التعبير يحمل بعدًا سياسيًا أو كنسيًا، فإن له أساسًا واقعيًا إلى حد كبير عند مقارنته بالظروف التي عاشها المسيحيون في مناطق أخرى من العراق خلال العقدين الماضيين.
فبعد هجوم تنظيم داعش على الموصل وسهل نينوى في 2014، فر نحو 138 ألف مسيحي من سهل نينوى إلى إقليم كوردستان، حيث وجد كثير منهم ملاذًا مؤقتًا في أربيل ودهوك ومناطق أخرى. وتقول حكومة الإقليم إن أعدادًا كبيرة من المسيحيين الذين نزحوا من مناطقهم عاشوا في الإقليم خلال سنوات النزوح، وإن نحو 350 ألف مسيحي يعيشون حاليًا في كوردستان وكركوك والموصل وفق تقديراتها. 
كما أن وجود المؤسسات والكنائس المسيحية في الإقليم ليس هامشيًا. وتحصي حكومة كوردستان 273 كنيسة وديرًا وموقعًا دينيًا مسيحيًا، فيما تقول إن نحو 70% من الكنائس والمواقع الدينية القائمة جرى ترميمها، وإن نحو 20 كنيسة جديدة شُيدت منذ 2005. وهذه الأرقام صادرة عن حكومة الإقليم نفسها، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها بيانات رسمية كوردية وليست تقييمًا مستقلاً. 
ويؤكد مسار السنوات الأخيرة وجود دعم رسمي لمؤسسات مسيحية في الإقليم. ففي أكتوبر 2025، افتُتحت كاتدرائية «أم النور» السريانية الأرثوذكسية في عنكاوا بحضور المطران شرف ورئيس الحكومة مسرور بارزاني والبطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني والبطريرك الكاردينال لويس ساكو، وقال المطران شرف حينها إن المسيحيين النازحين وجدوا في الإقليم «الأمان والكرامة»، كما أشاد بدعم حكومة الإقليم لبناء الكاتدرائية واحتضان العائلات المسيحية النازحة من الموصل.
لكن وصف كوردستان بأنها «ملاذ آمن» لا يعني أن الإقليم يمثل حلًا نهائيًا لمشكلة المسيحيين العراقيين. فجزء كبير من المسيحيين الذين لجأوا إليه لم يعد إلى مناطقهم الأصلية، وتحول الإقليم بالنسبة إلى بعضهم من محطة نزوح مؤقتة إلى مكان إقامة دائم.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: نجاح كوردستان في توفير الأمن للمسيحيين لا يعني بالضرورة نجاح العراق في إعادة المسيحيين إلى الموصل وسهل نينوى.

لماذا لا يعود المسيحيون؟

في هذه النقطة تبدو تصريحات المطران شرف أكثر ارتباطًا بالواقع الميداني. فالأمن يمثل بالفعل أحد الأسباب الرئيسية التي تعوق عودة المسيحيين إلى مناطقهم الأصلية، إلى جانب الاقتصاد والخدمات والوظائف والممتلكات والفساد وتعدد القوى المسلحة.
وكانت تقارير دولية قد وثقت أن المسيحيين في سهل نينوى واجهوا مخاوف مرتبطة بوجود جماعات مسلحة مختلفة، وأن بعض العائلات رفضت العودة بسبب عدم الشعور بالأمان. كما أشارت تقارير حديثة إلى استمرار سيطرة جماعات مسلحة متعددة على أجزاء من سهل نينوى، وهو ما يخلق فجوة بين انتهاء العمليات العسكرية ضد داعش وبين استعادة سلطة مدنية وأمنية موحدة. 
وفي هذا السياق، فإن مطلب المطران شرف بـ«حصر السلاح بيد الدولة» لا يبدو مجرد شعار سياسي، بل يرتبط مباشرة بمشكلة تعدد القوى الأمنية والعسكرية في مناطق الأقليات.
وقد وثقت تقارير وزارة الخارجية الأميركية في سنوات سابقة شكاوى مسيحيين في سهل نينوى من مضايقات واعتقالات غير قانونية وابتزاز وتدخلات في العقارات والتجارة من جانب بعض الفصائل المسلحة، بما فيها فصائل مرتبطة بالحشد الشعبي. كما سجلت تقارير رفض بعض النازحين المسيحيين العودة إلى مناطق معينة بسبب مخاوف من وجود فصائل مسلحة.
لكن من المهم عدم اختزال المشكلة في وجود السلاح وحده. فحتى لو جرى توحيد القوة الأمنية، فإن العودة لن تصبح تلقائية ما لم تتوافر المنازل والخدمات والمدارس وفرص العمل وضمانات الملكية والتعويض وإعادة بناء البنية التحتية.
الإعمار تحقق جزئيًا.. لكنه لم يحل أزمة العودة
شهدت مناطق مسيحية عديدة في سهل نينوى عملية إعادة إعمار واسعة منذ هزيمة داعش، وجرى ترميم عدد كبير من الكنائس والمنازل والمنشآت بدعم من الكنائس والمنظمات الدولية والحكومات والجهات المحلية.
لكن إعادة بناء المبنى لا تعني بالضرورة إعادة بناء المجتمع.
فالعودة تحتاج إلى اقتصاد محلي قادر على استيعاب السكان، وأمن مستقر، وخدمات صحية وتعليمية، وفرص عمل، وضمانات بشأن الأراضي والعقارات، إضافة إلى شعور السكان بأنهم يستطيعون العيش كمواطنين متساوين وليس كجماعة تحتاج إلى حماية استثنائية.
وقد خلصت بعثة الأمم المتحدة للتحقيق في جرائم داعش إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن تنظيم داعش ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق المسيحيين في الموصل وسهل نينوى، بينها التهجير القسري ونهب وتدمير الممتلكات الدينية والثقافية.
وهذا يوضح أن مشكلة العودة ليست مجرد أزمة إسكان، وإنما نتيجة لتدمير اجتماعي وديموغرافي امتد لسنوات.

هل تراجع عدد المسيحيين من 1.5 مليون إلى 300 ألف؟

هذه واحدة من أهم النقاط التي تحتاج إلى تدقيق.
قال المطران شرف إن عدد المسيحيين في العراق تراجع من نحو مليون ونصف المليون إلى قرابة 300 ألف. والرقم الأول، أي نحو 1.5 مليون قبل 2003، يتكرر بالفعل في عدد من التقارير الدولية والمصادر البحثية.
أما الرقم الحالي، فلا توجد إحصائية عراقية حديثة موحدة تسمح بالقول إن عدد المسيحيين هو تحديدًا 300 ألف.
وتختلف التقديرات بصورة كبيرة. فبعض المصادر الدولية تقدر عدد المسيحيين في العراق بأقل من 200 ألف، بينما تتحدث مصادر أخرى عن نحو 250 ألفًا أو أقل من 300 ألف. وتورد مذكرة حكومية بريطانية جمعت مصادر متعددة تقديرات تراوحت بين أقل من 150 ألفًا وأقل من 300 ألف، بحسب الجهة وسنة التقدير والمنهج المستخدم.
لذلك فإن صياغة الرقم باعتباره «تقدير المطران»  وليس باعتباره تعدادًا سكانيًا رسميًا.
والثابت، بغض النظر عن الرقم الدقيق، هو أن الانخفاض كان هائلًا. فالمصادر الدولية تتفق على أن المجتمع المسيحي العراقي تقلص بشدة منذ 2003، وتسارع الانخفاض بعد هجمات داعش عام 2014

هل الفساد سبب مباشر في عدم العودة؟

هنا أيضًا تبدو تصريحات المطران منطقية، لكن ينبغي عدم تقديمها باعتبارها العامل الوحيد.
يحتل العراق مرتبة متأخرة في مؤشرات الفساد. ففي مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 حصل العراق على 28 نقطة من 100، وجاء في المرتبة 136 من أصل 182 دولة. وتقول منظمة الشفافية الدولية إن العراق لا يزال يواجه عوائق مؤسسية كبيرة أمام تحسين مكافحة الفساد. 
كما أن تقارير سابقة عن المسيحيين في سهل نينوى ربطت قرار الهجرة أو عدم العودة بمجموعة من العوامل، بينها البطالة والفساد الإداري والمالي وانعدام الأمن والنشاط المسلح والتمييز.
ومن ثم فإن مكافحة الفساد ليست قضية منفصلة عن عودة المسيحيين؛ فإعادة الإعمار والتعويضات وتوزيع الأراضي والخدمات وإعادة الممتلكات كلها ملفات يمكن أن تتأثر بالفساد وضعف المؤسسات.
لكن القول إن القضاء على الفساد وحده سيعيد المسيحيين سيكون مبالغة. فالعوامل الأمنية والديموغرافية والاقتصادية والهجرة الخارجية تلعب أدوارًا متداخلة.

ما بعد انسحاب التحالف.. هل عاد خطر داعش؟

تأتي مخاوف المطران شرف في لحظة دقيقة فعلًا.

ففي 30 سبتمبر 2026 انتهت رسميًا المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق. وأعلنت بغداد أن القوات العراقية باتت تتولى المسؤولية الأمنية، بينما قالت بريطانيا إن انتهاء المهمة لا يعني انتهاء التعاون الأمني، وإنما الانتقال إلى مرحلة جديدة من الشراكة الثنائية. 
في المقابل، أعربت حكومة إقليم كوردستان عن استمرار القلق من التهديدات الأمنية، مؤكدة أن بغداد وأربيل ستواصلان التنسيق لمنع عودة داعش. 
ومن هنا فإن سؤال المطران: هل انتهى التهديد الإرهابي بصورة كاملة؟ لا يمكن الإجابة عنه بـ«نعم» أو «لا» بصورة مطلقة.
فالتنظيم لم يعد يسيطر على مدن وأراضٍ شاسعة كما كان الحال عام 2014، لكن بقاء خلايا وقدرات تمردية لا يعني أن الخطر اختفى تمامًا. وفي المقابل، لا توجد أيضًا مؤشرات تبرر التعامل مع الوضع الحالي باعتباره تكرارًا لسيناريو 2014.
المسألة الأساسية بعد انسحاب التحالف ستكون قدرة المؤسسات العراقية والبيشمركة على الحفاظ على التعاون الاستخباراتي والأمني ومنع الفراغات الأمنية، خصوصًا في المناطق المتنازع عليها والمناطق الريفية.

المفارقة بين كوردستان وسهل نينوى

تكشف تصريحات المطران شرف عن مفارقة أساسية في مستقبل المسيحيين العراقيين.
فالمسيحيون وجدوا في كوردستان منطقة أكثر استقرارًا خلال موجات العنف التي اجتاحت العراق، لكن هذا الاستقرار نفسه أصبح أحد أسباب تمركز جزء من المسيحيين النازحين هناك بدل عودتهم إلى مدنهم التاريخية.
وبعبارة أخرى، هناك نجاح أمني لكوردستان، لكنه في الوقت نفسه يكشف فشلًا أوسع في إعادة إنتاج الظروف التي تسمح للمسيحيين بالعيش بأمان في الموصل وسهل نينوى.
ولهذا فإن «عودة المسيحيين» لا يمكن أن تكون مجرد قرار إداري أو دعوة حكومية.
إنها عملية تحتاج إلى أربعة شروط متزامنة: سلطة أمنية واحدة، وإعادة إعمار حقيقية، وضمانات للملكية والمواطنة، واقتصاد محلي يسمح للعائلات بالبقاء إذن فإن 
تصريحات المطران مار نيقوديموس داود متي شرف تحمل قدرًا كبيرًا من الواقعية، لكن بعضها ينتمي إلى مساحة التقدير السياسي والكنسي أكثر من كونه حقائق قابلة للقياس.
ففكرة أن كوردستان وفرت للمسيحيين درجة أعلى من الأمان مقارنة بمناطق عراقية أخرى تجد دعمًا في تجربة نزوح المسيحيين منذ 2014، وفي استمرار بناء وترميم المؤسسات والكنائس المسيحية في الإقليم. 
كما أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل أحد الشروط المهمة لاستعادة الثقة في سهل نينوى، لكنّه ليس الشرط الوحيد. فالعودة تحتاج أيضًا إلى الخدمات والوظائف وإعادة الممتلكات والتعويضات ومواجهة الفساد.
أما رقم تراجع المسيحيين من 1.5 مليون إلى 300 ألف، فهو قريب من نطاق بعض التقديرات المتداولة، لكنه ليس رقمًا إحصائيًا رسميًا حديثًا، ولذلك ينبغي نسبته إلى المطران أو إلى مصادر التقديرات السكانية المختلفة.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان المسيحيون يستطيعون الاحتماء في كوردستان، بل ما إذا كان العراق قادرًا على توفير الظروف التي تجعل المسيحي قادرًا على العودة إلى الموصل وسهل نينوى من دون أن يحتاج إلى البحث عن «ملاذ» داخل بلده.
فحماية المسيحيين لا تقاس بعدد الكنائس التي أعيد بناؤها فقط، وإنما بقدرة العائلة المسيحية على العودة إلى بيتها، وفتح متجرها، وإرسال أطفالها إلى المدرسة، والصلاة في كنيستها، وهي مطمئنة إلى أن القانون والسلاح والسلطة جميعها تعمل لمصلحتها كمواطن عراقي كامل الحقوق.

شارك