هجوم السقيلبية في سوريا يشعل مخاوف المسيحيين من جديد
الإثنين 05/أكتوبر/2026 - 10:39 ص
طباعة
روبير الفارس
عادت المخاوف بشأن أمن المسيحيين والأقليات الدينية في سوريا إلى الواجهة، عقب أحداث عنف شهدتها مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة الغربي، بعدما تحولت مشاجرة بين شبان من المدينة وآخرين من بلدة قلعة المضيق المجاورة إلى مواجهات وأعمال تخريب وإطلاق نار، أسفرت عن إصابة سيدة وأضرار طالت محال تجارية وممتلكات خاصة، وسط روايات متباينة بشأن ملابسات الحادثة وطبيعة التدخل الأمني.
وأثارت الأحداث موجة من القلق والاستنكار بين أبناء المدينة، لا سيما مع تداول تقارير محلية عن دخول مجموعات مسلحة إلى السقيلبية، ووقوع اعتداءات على ممتلكات مدنية، أعقبها تنفيذ حملة اعتقالات طالت عددًا من شبان المدينة، وهو ما فتح باب التساؤلات بشأن مدى قدرة السلطات على حماية المدنيين، وضمان عدم تحول الخلافات المحلية إلى مواجهات ذات أبعاد طائفية.
من مشاجرة إلى اعتداءات مسلحة
وبحسب ما أورده المرصد السوري لحقوق الإنسان ومصادر إعلامية محلية، بدأت الأحداث بدخول شبان من بلدة قلعة المضيق إلى السقيلبية، حيث وقعت مشادة بعد تحرش لفظي، وفق رواية المرصد، بفتاتين من أبناء المدينة في منطقة شارع المشوار، ما دفع شبانًا محليين إلى التدخل، قبل أن تتطور الواقعة إلى مشاجرة انتهت بخروج المجموعة الأولى من المدينة.
لكن التطورات لم تتوقف عند هذا الحد، إذ وصلت مجموعات أخرى من خارج السقيلبية، في ما وصفته تقارير محلية بأنه تحرك بدافع التضامن مع الشبان الذين غادروا المدينة، لتتصاعد المواجهات ويتحول الخلاف إلى أعمال عنف شملت إطلاق نار وتكسير محال تجارية وممتلكات خاصة، وسط حالة من الخوف بين السكان.
وأفادت تقارير بأن مسلحين أطلقوا النار باتجاه عدد من المحال والمنازل، فيما أصيبت سيدة بجروح في منطقة طريق المشوار، ونُقلت إلى المستشفى لتلقي العلاج. وأشار المرصد السوري إلى أن المدينة شهدت حالة من التوتر والاستنفار، مع محاولات مجموعات مسلحة الدخول إليها.
وتكتسب الحادثة خطورتها من انتقال خلاف بين أفراد إلى اعتداءات أوسع طالت ممتلكات مدنيين، في مدينة ذات خصوصية دينية واجتماعية، الأمر الذي يستدعي التحقيق في طبيعة الاعتداءات ودوافعها، وعدم الاكتفاء بوصف ما جرى بأنه مجرد مشاجرة عابرة.
اعتقالات تثير الجدل حول التدخل الأمني
وفي تطور زاد من حالة الاحتقان، تحدثت تقارير محلية عن اعتقال عدد من شبان السقيلبية عقب تجمعهم احتجاجًا على الاعتداءات، فيما أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى اعتقال ثلاثة شبان من أبناء المدينة.
وأثارت هذه المعلومات تساؤلات بين الأهالي حول طبيعة الإجراءات الأمنية، وما إذا كانت الاعتقالات قد شملت المهاجمين والمتسببين في أعمال التخريب بصورة متوازنة، أم أن الاحتجاجات المحلية أصبحت بدورها سببًا لملاحقة أبناء المدينة التي تعرضت للاعتداء.
وفي المقابل، أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا»، نقلًا عن قوى الأمن الداخلي، توقيف عدد من المتورطين في الأحداث من قلعة المضيق والسقيلبية، مؤكدة عودة الهدوء إلى المدينة. وقال مدير منطقة الغاب، محمد العتال، إن قوى الأمن تدخلت لاحتواء الموقف، وإن معالجة الحادثة تتم وفق الإجراءات القانونية، من دون تعميم المسؤولية أو إثارة التوتر بين سكان المنطقة.
ويكشف التباين بين روايات الأهالي والتقارير الحقوقية من جهة، والتوصيف الرسمي للحادثة باعتبارها مشاجرة من جهة أخرى، عن ضرورة إجراء تحقيق شفاف يحدد تسلسل الأحداث، والمسؤولين عن إطلاق النار والتخريب، ومدى التزام العناصر الأمنية بواجبها في حماية المدنيين، فضلًا عن الكشف عن أسباب الاعتقالات وأوضاع الموقوفين.
الكنيسة تحذر من الفوضى
وفي مواجهة تصاعد التوتر، وجّه الأب فادي سنكري، رئيس مجلس الرعية في السقيلبية، نداءً إلى أبناء المدينة دعاهم فيه إلى التماسك والتضامن، وحماية بعضهم بعضًا، مع إيلاء اهتمام خاص بالنساء والأطفال وكبار السن، محذرًا من الانجرار إلى العنف أو الانتقام.
وأكد سنكري رفضه لما شهدته المدينة، مشددًا على أن دخول المنازل وتهديد السكان والاعتداء على كرامتهم أمور مرفوضة، وأن مسؤولية حماية المواطنين تقع على عاتق الجهات الأمنية والحكومية.
ووجّه الكاهن رسالة واضحة إلى المسؤولين، مفادها أن واجب السلطات هو حماية الناس، وليس الوقوف متفرجة أمام الاعتداءات والخوف، مؤكدًا أن السلاح المنفلت لا يمكن أن يكون بديلًا عن دولة القانون.
كما دعا إلى تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين بعيدًا عن منطق الثأر، في موقف يعكس مخاوف الكنيسة من أن تتحول الحادثة إلى شرارة لمواجهات جديدة، لا سيما في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية والاجتماعية التي تشهدها مناطق سورية عدة.
وتحمل دعوة الأب سنكري أهمية تتجاوز حدود السقيلبية، إذ تضع قضية حماية المجتمعات المسيحية وغيرها من المكونات الدينية في صلب مسؤوليات الدولة، وتطرح تساؤلات بشأن الضمانات العملية التي تحول دون تكرار الاعتداءات، وتكفل حق المواطنين في الأمن والمساواة أمام القانون.
تضامن مسيحي في دمشق
وامتدت أصداء الحادثة إلى العاصمة دمشق، حيث شهد محيط كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة تجمعًا لشبان مسيحيين للتعبير عن تضامنهم مع أهالي السقيلبية، واستنكار الاعتداءات التي شهدتها المدينة
وبحسب تقارير إعلامية محلية، تحرك موكب من السيارات في إطار التعبير عن التضامن والمطالبة بوقف الاعتداءات، فيما أوقفت دورية أمنية عددًا من الشبان واستجوبتهم ميدانيًا بشأن التجمع، مع التنبيه إلى ضرورة الحصول على ترخيص مسبق للتجمعات.
ويعكس هذا التحرك انتقال تداعيات الحادثة من نطاقها المحلي إلى أوساط مسيحية أوسع، في ظل شعور متزايد بالقلق إزاء سلامة المجتمعات المسيحية، ومدى قدرة المؤسسات الأمنية على التعامل مع الاعتداءات التي قد تحمل أبعادًا طائفية.
لكن من المهم التمييز بين التضامن الشعبي والاحتجاج السلمي من جهة، وأي محاولات لتأجيج الانقسام الطائفي من جهة أخرى، فالمطلوب هو ضمان حق المواطنين في التعبير السلمي، مع توفير الحماية للجميع، وعدم تحويل الحوادث الأمنية إلى ذريعة لتوسيع دائرة المواجهة.
السقيلبية وذاكرة التوترات المتكررة
ولا تأتي أحداث اول أكتوبر الجاري بمعزل عن سياق سابق من التوترات في المنطقة. فقد شهدت السقيلبية في مارس الماضي مواجهات وخلافات بين شبان من المدينة وبلدة قلعة المضيق، تطورت إلى أعمال شغب وتكسير طالت محال تجارية وسيارات، قبل أن تتدخل الجهات المعنية ووجهاء محليون ورجال دين لاحتواء الأزمة.
وتشير هذه الوقائع المتكررة إلى وجود مشكلات تتجاوز الخلافات الفردية، وتتصل بمدى انتشار السلاح، وضعف آليات منع التصعيد، والحاجة إلى بناء الثقة بين المجتمعات المحلية والأجهزة الأمنية.
وتزيد الخلفية التاريخية للمنطقة من حساسية الوضع؛ فقد شهد سهل الغاب ومحيط السقيلبية وقلعة المضيق سنوات طويلة من المواجهات خلال الحرب السورية، ما ترك آثارًا اجتماعية وأمنية لا يمكن تجاهلها عند قراءة التوترات الحالية.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح من الضروري التعامل مع الحوادث بحذر، وتجنب تحميل سكان أي بلدة أو جماعة دينية مسؤولية جماعية عن تصرفات أفراد، مع عدم التقليل في الوقت نفسه من خطورة الاعتداءات التي تطال المدنيين وممتلكاتهم.
اختبار جديد لالتزامات السلطات السورية
تضع أحداث السقيلبية السلطات السورية أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على فرض القانون وحماية التنوع الديني والاجتماعي، في مرحلة انتقالية تتطلب بناء مؤسسات أمنية تحظى بثقة المواطنين، بعيدًا عن الاعتبارات الطائفية أو المناطقية.
فالمسيحيون في سوريا، الذين يشكلون جزءًا أصيلًا من تاريخ البلاد وتراثها الاجتماعي والثقافي، يواجهون تحديات متراكمة بفعل سنوات الحرب والهجرة وتراجع أعدادهم في مناطق عديدة. ولذلك، فإن أي اعتداء يستهدف مناطق ذات غالبية مسيحية يثير مخاوف تتجاوز الأضرار المباشرة، ويفتح باب التساؤلات حول مستقبل الوجود المسيحي وضمانات حمايته.
غير أن المسؤولية لا تقتصر على حماية المسيحيين وحدهم، بل تشمل جميع المواطنين السوريين، من مختلف الطوائف والقوميات، باعتبار أن أمن الأقليات جزء لا يتجزأ من أمن المجتمع بأكمله، وأن حماية التنوع لا تتحقق بالتصريحات السياسية وحدها، وإنما بمؤسسات قضائية وأمنية مستقلة وفاعلة.
ومن هنا، تبرز أهمية الكشف عن نتائج التحقيقات في أحداث السقيلبية، وتحديد هوية المعتدين، ومحاسبة كل من شارك في إطلاق النار أو تخريب الممتلكات، والتحقق من الشكاوى المتعلقة بسلوك بعض العناصر الأمنية، وضمان عدم استخدام الاعتقالات لمعاقبة المحتجين أو ترهيب السكان.
كما تفرض الحادثة ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية تمنع تكرار المواجهات بين السقيلبية وقلعة المضيق، وتعزز دور القيادات المحلية والدينية والوجهاء في تسوية الخلافات، من دون أن تحل المصالحات العرفية محل المساءلة القانونية.
وفي نهاية المطاف، لا تكمن خطورة ما شهدته السقيلبية في ليلة من إطلاق النار والتخريب فحسب، بل في احتمال أن تتحول الحوادث المحلية إلى مصدر دائم للخوف وانعدام الثقة بين المكونات السورية. وبين الرواية الرسمية وشهادات الأهالي والتقارير الحقوقية، تبقى الحقيقة الكاملة مرهونة بتحقيق مستقل وشفاف، يضمن العدالة للضحايا، ويعيد إلى السكان شعورهم بالأمان.
فالسؤال الذي تطرحه أحداث السقيلبية لا يتعلق فقط بمن أطلق النار أو من حطم المحال والمنازل، بل أيضًا بقدرة الدولة السورية على حماية مواطنيها جميعًا، ومنع تحول الاختلافات الاجتماعية والدينية إلى تهديد دائم للسلم الأهلي ومستقبل التعددية في البلاد.
