إغلاق ممتلكات سريانية وهدم مبنى يفتح ملف حماية الوجود السرياني في تركيا
الإثنين 12/أكتوبر/2026 - 08:36 ص
طباعة
روبير الفارس
تشهد بلدة بيث زبداي، المعروفة باسم آزخ أو إيدل، في منطقة طورعبدين جنوب شرقي تركيا، تصعيدًا جديدًا على خلفية إجراءات بلدية طالت عددًا من ممتلكات المواطنين السريان، في تطور يعيد إلى الواجهة المخاوف المتعلقة بمستقبل الوجود السرياني وحقوق الملكية والحفاظ على المعالم الدينية والتاريخية في المنطقة.
وبحسب ما نشرته صحيفة «صابرو» السريانية، ثم أكدته مصادر سريانية أخرى، أقدمت بلدية إيدل خلال الأيام الأخيرة على إغلاق أربعة منازل لعائلات سريانية، إلى جانب دار الضيافة التابعة لكنيسة السيدة العذراء السريانية الأرثوذكسية، فيما هُدم مبنى ومحل تجاري يعودان إلى أحد أبناء البلدة في نحو الخامسة من فجر 6 أكتوبر الجاري.
وتعود الممتلكات التي جرى إغلاقها، وفق بيان نشرته المحامية ملكه كاراغول، وكيلة مؤسسة كنيسة السيدة العذراء في إيدل، إلى سليمان كاراغول، وإبراهيم كونوتغان، وشمعون غوستريش، وفيليز توكوش، بينما تعود ملكية المبنى والمحل اللذين هُدما إلى ألييت كاراغول. كما شملت الإجراءات دار الضيافة التابعة للكنيسة السريانية الأرثوذكسية.
وتقول المؤسسة السريانية إن العقارات التي استهدفتها الإجراءات لا تزال بعض ملفاتها القانونية قيد المتابعة، وإن اللجوء إلى الإغلاق والهدم قبل انتهاء المسارات القانونية يثير تساؤلات حول مدى احترام الإجراءات لمبدأ سيادة القانون. واعتبرت المؤسسة أن التدابير الأخيرة تسببت في حالة من القلق والشعور بالضغط داخل المجتمع السرياني.
وأكدت المؤسسة أنها لا تعارض تطبيق قوانين التنظيم العمراني من حيث المبدأ، لكنها تطالب بتطبيقها بصورة متساوية على الجميع، مشددة على أنها ستدافع عن حقوق السريان «ضمن حدود القانون ومن خلال الوسائل الديمقراطية».
وتأتي التطورات الأخيرة بعد أشهر قليلة من إغلاق كنيسة السيدة العذراء التاريخية في بيث زبداي، وهي واحدة من أبرز المعالم السريانية في طورعبدين، في يونيو الماضي.
وكانت مديرية التنظيم والتخطيط العمراني في بلدية إيدل قد وضعت إخطارًا على باب الكنيسة، مستندة إلى ما وصفته بوجود مخالفات في أعمال ترميم أُجريت قبل نحو 18 عامًا. ووفق صحيفة «صابرو»، كانت أعمال الترميم قد تمت عام 2008 بعد موافقة الجهات المعنية بالآثار، بينما قالت البلدية إن هناك مخالفات تتعلق بقوانين التنظيم العمراني.
وبعد تعثر المباحثات بين البلدية ومؤسسة الكنيسة، أصدرت البلدية قرارًا بفرض غرامة إدارية بلغت 1,170,743.24 ليرة تركية على وقف كنيسة السريان الأرثوذكس القديمة، استنادًا إلى المادة 42 من قانون التنظيم العمراني التركي رقم 3194، بدعوى وجود إنشاءات مخالفة لقواعد التخطيط العمراني. كما تضمن الإخطار تحذيرًا من اتخاذ إجراءات إدارية إضافية إذا لم تتم إزالة المخالفات.
واعترضت مؤسسة الكنيسة على الغرامة، واعتبرت القرار غير مبرر، فيما أعلن رئيس المؤسسة روبرت توطوش أن الوقف يعتزم اللجوء إلى المحكمة الإدارية للطعن في القرار، إلى جانب بحث إجراءات قانونية أخرى. وقال توطوش إن المؤسسة ترى أن تطبيق الإجراءات على منشآتها دون غيرها يثير مسألة المساواة أمام القانون، خاصة مع وجود مبانٍ أخرى في إيدل تواجه، بحسب المؤسسة، أوضاعًا عمرانية مشابهة
وتكتسب قضية كنيسة السيدة العذراء أهمية تتجاوز الخلاف الإداري حول مخالفات البناء، إذ تُعد الكنيسة من أقدم المعالم المسيحية في المنطقة، وترتبط بتاريخ بيث زبداي وذاكرة المجتمع السرياني في طورعبدين. وتصف مصادر سريانية الكنيسة بأنها من أقدم الكنائس في العالم، فيما تربط الروايات المحلية تاريخها بالمراحل الأولى من انتشار المسيحية في المنطقة.
أما دار الضيافة التي أغلقتها البلدية مؤخرًا، فتقول المؤسسة السريانية إنها لم تكن مجرد مبنى خدمي، بل أُنشئت بهدف مساعدة السريان المقيمين في بلدان الاغتراب على العودة إلى بلدتهم وإعادة بناء الصلة بمكانهم التاريخي. ومن ثم ترى المؤسسة أن المساس بهذه المنشآت له أثر يتجاوز الجانب العقاري إلى الذاكرة الاجتماعية والثقافية للمجتمع السرياني.
وتشير المعطيات المنشورة على الموقع الرسمي لبلدية إيدل إلى أن البلدية تنفذ خلال العام الحالي إجراءات تنظيم عمراني بموجب المادة 18 من قانون التنظيم العمراني رقم 3194، وشملت هذه الإجراءات مناطق من أحياء يني محله، وأشاغي محله، ويوكاري محله، مع نشر خرائط وبيانات تتعلق بإعادة تنظيم قطع الأراضي.
كما يظهر الموقع الرسمي أن توركان كاير تشغل منصب رئيسة بلدية إيدل، فيما لم يظهر في المصادر الرسمية التي أمكن الوصول إليها بيان تفصيلي يرد على اتهامات مؤسسة كنيسة السيدة العذراء بشأن إغلاق المنازل ودار الضيافة والهدم الذي جرى في 6 أكتوبر.
وتكتسب التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى السريان في طورعبدين، وهي منطقة تاريخية ارتبط اسمها بالوجود السرياني والكنائس والأديرة القديمة، وشهدت خلال العقود الماضية هجرة واسعة للسكان السريان إلى أوروبا وأميركا وغيرها، قبل أن تبدأ في السنوات الأخيرة محاولات من جانب بعض أبناء المنطقة في المهجر لإعادة ترميم المنازل والكنائس واستعادة الصلة بالبلدات التاريخية.
وبالنسبة إلى مؤسسة كنيسة السيدة العذراء، فإن القضية لم تعد تقتصر على غرامة مالية أو نزاع حول مخالفات عمرانية، وإنما باتت مرتبطة، من وجهة نظرها، بمسألة أوسع تتعلق بالمساواة في تطبيق القانون وحماية ممتلكات السريان ومواقعهم الدينية والثقافية.
وفي المقابل، فإن الحسم في مشروعية كل إجراء يظل مرتبطًا بالملفات الإدارية والقضائية الخاصة بكل عقار، وبالأساس القانوني الذي استندت إليه البلدية في كل حالة. ولذلك فإن استمرار الطعون أمام القضاء، وصدور قرارات قضائية نهائية بشأن العقارات والكنيسة، سيكون العامل الأهم في تحديد الوضع القانوني لهذه الممتلكات.
ومع انتقال القضية من إغلاق كنيسة تاريخية وفرض غرامة مالية عليها في يونيو، إلى إغلاق منازل ودار ضيافة وهدم مبنى ومحل تجاري في أكتوبر، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه الإجراءات القانونية التي أعلنت المؤسسة السريانية عزمها اتخاذها، وما إذا كانت التطورات ستبقى في إطار نزاع عمراني وإداري، أم تتحول إلى قضية أوسع حول حماية الوجود السرياني وذاكرته التاريخية في طورعبدين.
