قتل المسيحيين في نيجيريا .. هل يرقى العنف في «الحزام الأوسط» إلى جريمة إبادة جماعية؟
الإثنين 12/أكتوبر/2026 - 08:38 ص
طباعة
روبيرالفارس
تتجدد المخاوف بشأن أوضاع المسيحيين في نيجيريا، مع تصاعد الهجمات المسلحة التي تستهدف قرى ومجتمعات ريفية في ولايات تقع ضمن ما يُعرف بـ«الحزام الأوسط»، حيث تتداخل الصراعات على الأراضي والموارد مع التوترات العرقية والدينية، وتتعرض تجمعات سكانية لعمليات قتل وتهجير وتدمير للمنازل وسبل العيش. وفي خضم هذه الأزمة، وصف القس الدكتور سيلفستر داتشومو، نائب الأمين العام لكنيسة المسيح في الأمم، ما يتعرض له مسيحيون في مناطق من البلاد بأنه «إبادة منهجية»، محذرًا من اختزال الهجمات في مجرد نزاعات بين المزارعين ورعاة الماشية.
لكن السؤال الذي يتجاوز التوصيفات السياسية والكنسية هو: هل ما يحدث في نيجيريا يمثل بالفعل إبادة جماعية للمسيحيين، وفق التعريف القانوني الدولي، أم أننا أمام موجة واسعة من العنف الطائفي والجرائم الجماعية التي لم يُحسم توصيفها القانوني بعد؟
الإجابة تتطلب التمييز بين ثلاثة أمور: حجم الجرائم المرتكبة، وهوية الضحايا ودوافع استهدافهم، والأدلة التي تثبت توافر القصد الخاص اللازم لإثبات جريمة الإبادة الجماعية. فخطورة الجرائم لا تقلل منها الحاجة إلى توصيف قانوني دقيق، كما أن غياب حكم قضائي نهائي لا يعني أن الجرائم غير موجودة أو أن معاناة الضحايا ينبغي التقليل منها.
أرقام تكشف حجم الكارثة الإنسانية
تقدم بيانات منظمة العفو الدولية صورة موثقة عن اتساع نطاق العنف. ففي تقرير نشرته المنظمة في 29 مايو 2025، أفادت بمقتل ما لا يقل عن 10,217 شخصًا في هجمات شنها مسلحون في سبع ولايات نيجيرية خلال العامين الأولين من حكم الرئيس بولا أحمد تينوبو، الممتدين من مايو 2023 إلى مايو 2025. وسجلت ولاية بينو العدد الأكبر من القتلى، بواقع 6,896 شخصًا، تلتها ولاية بلاتو التي شهدت مقتل 2,630 شخصًا.
وفي ولاية بلاتو وحدها، وثقت المنظمة تعرض 167 مجتمعًا ريفيًا لهجمات خلال الفترة نفسها، إلى جانب 38 هجومًا نسبت إلى رعاة مسلحين، بينما بلغ عدد النازحين داخليًا نحو 65 ألف شخص. كما أشارت إلى وقوع هجمات منسقة على خمس قرى في منطقة بوكوس بين 27 مارس و2 أبريل 2025، وإلى أن بعض المجتمعات تعرضت للنزوح المتكرر، حتى بعد استهداف أماكن لجأ إليها السكان الفارون من العنف.
هذه الأرقام لا تعني أن جميع القتلى مسيحيون، ولا أنها تثبت وحدها وجود خطة لإبادة جماعة دينية بعينها. لكنها تكشف عن أزمة أمنية شديدة، وعن إخفاقات خطيرة في حماية المدنيين، وتفرض تساؤلات بشأن أسباب استهداف بعض المجتمعات الريفية، ومدى ارتباط الهجمات بهوية السكان الدينية أو العرقية.
وتتجاوز تداعيات العنف عدد القتلى؛ فحين يُجبر المزارعون على ترك أراضيهم، وتُدمر مخازن الحبوب والمدارس والعيادات ودور العبادة، تصبح الهجمات تهديدًا لاستمرار المجتمعات نفسها، وليس لحياة أفرادها فقط. وتقول منظمة العفو الدولية إن الناجين في مناطق متضررة يواجهون فقدان مصادر الرزق، والاعتماد على المساعدات أو التسول لتلبية الاحتياجات اليومية.
لماذا يتركز العنف في «الحزام الأوسط»؟
يشير مصطلح «الحزام الأوسط» إلى نطاق جغرافي واجتماعي في وسط نيجيريا، يضم ولايات ومجتمعات تتسم بتنوع عرقي وديني، وتشهد في بعض مناطقها نزاعات متكررة بين جماعات زراعية مستقرة ورعاة ماشية، إلى جانب نشاط جماعات مسلحة وشبكات إجرامية.
ولا يمكن تفسير العنف بعامل واحد. فالتنافس على الأراضي ومصادر المياه، والتغيرات المناخية التي تؤثر في مسارات الرعي، والنمو السكاني، وضعف مؤسسات إنفاذ القانون، والإفلات من العقاب، كلها عوامل تسهم في تفاقم النزاعات. وقد تتداخل هذه العوامل مع الانتماءات الدينية والعرقية، بحيث تتحول المواجهات المحلية إلى هجمات واسعة على قرى بأكملها.
لكن تفسير السياق لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير للجرائم. فحتى عندما يبدأ النزاع حول الأرض أو الموارد، فإن قتل المدنيين عمدًا، وإحراق منازلهم، وتهجيرهم قسرًا، واستهدافهم بسبب انتمائهم الديني، تظل أفعالًا تستوجب التحقيق والمحاسبة.
ويحذر قادة مسيحيون ومنظمات معنية بحرية الدين من أن وصف الهجمات بأنها مجرد صراع بين المزارعين والرعاة قد يحجب حقيقة استهداف تجمعات مسيحية بعينها، خصوصًا عندما تتكرر الهجمات على مناطق محددة وتتعرض دور العبادة والممتلكات المدنية للتدمير.
في المقابل، تتسم الأزمة الأمنية النيجيرية باتساع أكبر من حدود الصراع الديني وحده؛ إذ تستهدف الجماعات المسلحة واللصوص مجتمعات مختلفة، ويقع مسلمون أيضًا ضحايا للقتل والخطف والعنف. ولذلك، فإن إثبات وجود استهداف ديني منظم يتطلب فحص كل واقعة على حدة، وربط نمط الهجمات بالأدلة المتعلقة بدوافع مرتكبيها وأهدافهم.
«إبادة منهجية».. ماذا يقصد القادة المسيحيون؟
عندما يستخدم القس الدكتور سيلفستر داتشومو تعبير «الإبادة المنهجية»، فإنه يعبّر عن تقدير خطورة ما تتعرض له المجتمعات المسيحية، وعن مخاوف من أن يؤدي تكرار القتل والتهجير وتدمير الممتلكات إلى تقويض وجود هذه المجتمعات في مناطقها التاريخية.
ويكتسب هذا التحذير أهمية خاصة إذا ثبت أن الهجمات لا تستهدف أفرادًا بصورة عشوائية، بل تتجه بصورة متكررة إلى جماعات محددة بسبب دينها، وأن تدمير القرى وسبل العيش يهدف إلى منع سكانها من العودة أو إلى إزالة وجودهم من المنطقة.
غير أن تعبير «الإبادة المنهجية» في الخطاب الكنسي أو الحقوقي لا يساوي تلقائيًا إثبات جريمة الإبادة الجماعية بمفهومها القانوني. فقد تكون الجرائم منظمة ومتكررة وواسعة النطاق، ومع ذلك يحتاج توصيفها بالإبادة إلى إثبات عنصر إضافي بالغ الأهمية، هو القصد إلى تدمير جماعة محمية، كليًا أو جزئيًا، بصفتها تلك.
وهنا تكمن نقطة الخلاف الأساسية: ليس السؤال فقط كم شخصًا قُتل، أو كم قرية دُمرت، بل لماذا اختير هؤلاء الضحايا، وما الهدف الذي سعى المهاجمون إلى تحقيقه من وراء أفعالهم.
ماذا يقول القانون الدولي عن الإبادة الجماعية؟
تحدد اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 خمسة أفعال يمكن أن تشكل الجريمة، إذا ارتُكبت بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كليًا أو جزئيًا، بصفتها تلك. وتشمل قتل أفراد الجماعة، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تستهدف تدميرهم المادي، واتخاذ تدابير لمنع الإنجاب داخل الجماعة، والنقل القسري لأطفالها إلى جماعة أخرى.
ويعني ذلك أن استهداف المسيحيين بسبب هويتهم الدينية يمكن، من حيث المبدأ، أن يندرج ضمن جريمة الإبادة الجماعية، لكن إثبات ذلك يتطلب أدلة على نية تدمير الجماعة، كليًا أو جزئيًا، وليس مجرد إثبات وقوع عمليات قتل واسعة أو اضطهاد ديني.
كيف نميز بين التوصيفات القانونية؟
الإبادة الجماعية
تتطلب إثبات أفعال تدخل ضمن التعريف القانوني، إلى جانب القصد الخاص لتدمير جماعة محمية كليًا أو جزئيًا.
الجرائم ضد الإنسانية
تشمل أفعالًا مثل القتل والاضطهاد والترحيل القسري وغيرها، عندما تُرتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين، مع توافر الشروط القانونية الخاصة بالجريمة.
الاضطهاد الديني
قد يشكل جريمة ضد الإنسانية إذا توافرت عناصرها القانونية، وقد يكون دليلًا مهمًا عند تقييم احتمال وجود قصد للإبادة، لكنه لا يثبت الإبادة تلقائيًا.
التطهير العرقي أو الديني
يُستخدم لوصف محاولات إزالة جماعة من منطقة جغرافية بالقوة أو الترهيب. وليس في ذاته جريمة مستقلة محددة في اتفاقية الإبادة، وإن كانت الأفعال المرتكبة لتحقيقه قد تشكل جرائم دولية خطيرة.
وتوضح الأمم المتحدة أن القصد الخاص هو أصعب عناصر الإثبات في جريمة الإبادة؛ إذ لا يكفي إثبات الرغبة في تشتيت جماعة أو إجبارها على مغادرة منطقة، ما لم تتوافر الأدلة اللازمة على قصد تدميرها ماديًا، كليًا أو جزئيًا.
هل توجد أدلة على جرائم دولية في نيجيريا؟
ثمة أساس موثق للقلق من ارتكاب جرائم دولية في نيجيريا، وإن كان ذلك لا يحسم وحده مسألة الإبادة الجماعية للمسيحيين.
فقد أعلن مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في ديسمبر 2020 انتهاء الفحص الأولي للوضع في نيجيريا، بعد التوصل إلى وجود أساس معقول للاعتقاد بأن جماعة بوكو حرام وفصائل منشقة عنها ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، شملت القتل والاضطهاد على أسس دينية وجنسية، إلى جانب جرائم أخرى
لكن من المهم عدم الخلط بين هذا التقييم وبين حكم قضائي يثبت الإبادة الجماعية للمسيحيين. فالبيان المشار إليه تناول جرائم منسوبة إلى بوكو حرام وفصائلها، ولا يمثل حكمًا نهائيًا بإدانة جميع الأطراف المتورطة في عنف الحزام الأوسط أو إثبات وجود مشروع شامل لإبادة المسيحيين في البلاد.
وتظل التحقيقات المستقلة ضرورية لتحديد المسؤولية عن الهجمات المتكررة، والكشف عن هوية المنفذين والجهات التي تمولهم أو تدعمهم إن وجدت، وفحص ما إذا كان استهداف المجتمعات المسيحية يعكس نمطًا متعمدًا يستهدف وجودها الديني والاجتماعي.
الحكومة النيجيرية ترفض وصف ما يحدث بالإبادة
في المقابل، رفضت الحكومة النيجيرية اتهامات وجود حملة إبادة منهجية ضد المسيحيين. ففي بيان نشرته وزارة الإعلام والتوجيه الوطني في 28 سبتمبر 2025، قالت الحكومة إن تصوير الأزمة الأمنية باعتبارها حملة تستهدف جماعة دينية واحدة يشوه طبيعة الصراع، مؤكدة أن البلاد تواجه تحديات أمنية متعددة الأبعاد.
كما نقلت رويترز في نوفمبر 2025 عن رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف رفضه توصيف العنف في نيجيريا بأنه إبادة جماعية للمسيحيين، مشيرًا إلى تعقيد المشهد الأمني وإلى أن المسلمين أيضًا من ضحايا الجماعات المتطرفة
ولا يحسم رفض الحكومة الاتهامات صحتها من عدمها، كما لا تكفي تصريحات القادة المسيحيين وحدها لإثباتها قانونيًا. الفيصل هو الأدلة المستقلة، والتحقيقات الميدانية، وتحليل أنماط الهجمات، والبحث في نوايا مرتكبيها.
والأهم أن الإقرار بتعرض مسيحيين لهجمات ذات دوافع دينية لا يتطلب إنكار تعرض مسلمين للقتل بدورهم. فلكل ضحية حق في الحماية والعدالة، ولا ينبغي أن تتحول معاناة جماعة إلى وسيلة لتجاهل معاناة جماعة أخرى.
ما الأدلة المطلوبة لإثبات الإبادة الجماعية؟
إذا تم الانتقال من التحذير الكنسي والحقوقي إلى توصيف قانوني راسخ، فإن التحقيقات تحتاج إلى الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الأساسية:
هل اختيرت القرى والضحايا بسبب هويتهم المسيحية، أم أن دوافع الهجمات كانت مختلفة أو متداخلة؟
هل توجد تصريحات أو أوامر أو مراسلات تكشف نية تدمير جماعة دينية، كليًا أو جزئيًا؟
هل تتكرر الهجمات على مجتمعات محددة بنمط يكشف عن خطة أو هدف مشترك؟
هل يقتصر الهدف على السيطرة على الأراضي أو تهجير السكان، أم توجد أدلة على نية تدمير الجماعة ماديًا؟ هل جرى توثيق تدمير مصادر الغذاء والسكن والموارد الضرورية للحياة بقصد إحداث التدمير المادي للجماعة؟هل توجد أدلة تربط المنفذين بقيادات أو شبكات منظمة، وما مدى علم السلطات بالهجمات وقدرتها على منعها ومحاسبة المسؤولين عنها؟
ولا يشترط القانون الدولي وجود وثيقة مكتوبة تعلن خطة الإبادة؛ إذ يمكن استنتاج القصد من مجموعة الأدلة والظروف المحيطة، لكن هذا الاستنتاج يجب أن يستوفي المعايير القانونية الصارمة. كما أن إثبات مسؤولية أفراد أو جماعات مسلحة عن الإبادة لا يعني تلقائيًا ثبوت مسؤولية الدولة أو الحكومة عنها.
واخيرا هل يجوز أن نطلق على ما يحدث في نيجيريا إبادة جماعية؟
نعم، يجوز طرح احتمال الإبادة الجماعية بوصفه اتهامًا أو فرضية تستحق التحقيق، لكن لا يصح تقديمه باعتباره حقيقة قانونية محسومة استنادًا إلى الأرقام المتاحة وحدها.
المعلومات الموثقة عن القتل الجماعي، والهجمات المتكررة على القرى، والتهجير الواسع، وتدمير الممتلكات، تبرر التحذير من خطورة ما يجري وتستوجب تحقيقات مستقلة وشفافة. وإذا أثبتت الأدلة أن جماعات مسلحة تستهدف المسيحيين بقصد تدميرهم كليًا أو جزئيًا بصفتهم جماعة دينية، فقد تتوافر عناصر جريمة الإبادة الجماعية.
أما إذا أثبتت التحقيقات وجود قتل واسع واضطهاد وتهجير قسري من دون إثبات القصد الخاص اللازم للإبادة، فقد تندرج الأفعال تحت جرائم دولية أخرى خطيرة، بحسب الوقائع والأدلة.
