«أبلسة الآخر» .. قراءة تحليلية في كلمة الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط
الإثنين 12/أكتوبر/2026 - 08:40 ص
طباعة
روبير الفارس
تطرح كلمة البروفسور ميشال عبس، الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط، في افتتاح المؤتمر الإقليمي «مواجهة خطاب الكراهية من أجل تعزيز الكرامة الإنسانية والحياة معًا»، رؤية تتجاوز الإدانة الأخلاقية للكراهية إلى محاولة تفكيك آليات نشأتها، والكشف عن دور الدين والسياسة والإعلام والتعليم في تغذيتها أو مواجهتها. وتكمن أهمية الكلمة في أنها لا تتعامل مع الكراهية باعتبارها مجرد ألفاظ جارحة أو مواقف متطرفة، بل باعتبارها عملية متدرجة تبدأ بتشكيل صورة ذهنية سلبية عن الآخر، وتنتهي أحيانًا بتبرير إقصائه أو الاعتداء عليه.
أولًا: «أبلسة الآخر».. المفهوم المحوري في الكلمة
يقدم عبس مفهوم «الأبلسة» باعتباره المفتاح الأساسي لفهم خطاب الكراهية، ويعرّفه بعبارة مكثفة: «أن أنزع عن الآخر صفة الإنسان، وأن ألبسه صفة الشيطان».
وهنا تتجاوز الكلمة المعنى التقليدي للتعصب؛ فالمشكلة لا تعود مجرد رفض شخص بسبب دينه أو طائفته أو قوميته أو موقفه السياسي، وإنما تتحول إلى تجريده من إنسانيته، وتصويره باعتباره شرًا مطلقًا لا يستحق الحوار أو التعايش.
وتكمن خطورة هذا التحول في أنه يهيئ المناخ النفسي والأخلاقي للعنف. فعندما يصبح الآخر في الوعي الجمعي خطرًا وجوديًا أو عدوًا مطلقًا، يتراجع الشعور بالمسؤولية تجاهه، وقد يُنظر إلى الاعتداء عليه باعتباره دفاعًا عن الدين أو الوطن أو الجماعة.
ومن هنا تأتي قوة العبارة التي يميز بها عبس بين خطاب الكراهية والأبلسة: الأول يقول «أنا لا أقبلك»، بينما تقول الثانية: «أنت لست إنسانًا».
و تكمن أهمية هذا المفهوم في أنه ينقل النقاش من مراقبة الكلمات المسيئة وحدها إلى فحص الثقافة التي تنتجها. فالكراهية لا تبدأ بالضرورة بالدعوة المباشرة إلى العنف، وإنما قد تبدأ بنكتة مهينة، أو تعميم طائفي، أو اتهام جماعي، أو خطاب يصنف البشر إلى أخيار وأشرار. ومع تكرار هذه الصور، يصبح التمييز مقبولًا، وقد يتحول العنف إلى نتيجة تبدو للبعض مبررة.
ثانيًا: المسؤولية الجماعية.. لسنا ضحايا فقط
من أكثر جوانب الكلمة جرأة أن الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط لا يضع المسؤولية كاملة على عاتق طرف خارجي، بل يقر بأن المجتمعات قد تشارك، عن وعي أو دون وعي، في إنتاج خطاب الكراهية وإعادة تداوله.
ويشير إلى أن تربية الأطفال على الخوف من المختلف أو رفضه، سواء في المنزل أو المدرسة، تسهم في صناعة الأبلسة. كما يدعو إلى ما يسميه «توبة جماعية»، في إشارة إلى ضرورة مراجعة الخطابات والممارسات التي تزرع العداء داخل المجتمع.
و هنا تنتقل الكلمة من إدانة الظاهرة إلى مساءلة الذات. وهي نقطة مهمة خصوصًا في المجتمعات التي تتعرض فيها الأقليات الدينية أو العرقية للتمييز؛ إذ لا ينبغي أن يؤدي الدفاع المشروع عن المظلومين إلى تعميم الاتهام على جماعات كاملة. وفي الوقت نفسه، لا تعني المسؤولية المشتركة مساواة المعتدي بالضحية، أو تجاهل الفوارق في القوة والنفوذ والمسؤولية القانونية. فالاعتراف بمساهمة المجتمع في إنتاج التعصب يجب أن يتكامل مع تحديد المسؤوليات الفعلية ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
ثالثًا: السياسة وصناعة العدو
يولي عبس اهتمامًا خاصًا بالتوظيف السياسي للكراهية، معتبرًا أن بعض القوى تلجأ إلى صناعة العدو لتوحيد جمهورها وتعبئته، خصوصًا عندما تعجز عن معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وفي هذا السياق، يتحول المختلف إلى كبش فداء تُلقى عليه مسؤولية الإخفاقات، ويصبح وجود «خصم شيطاني» وسيلة لتماسك الجماعة أو استمرار التعبئة السياسية.
وتكتسب هذه الفكرة أهميتها في الشرق الأوسط، حيث تتداخل الانقسامات الدينية والطائفية والقومية مع الصراعات السياسية والنزاعات المسلحة. وقد يؤدي تحويل الخلاف السياسي إلى صراع أخلاقي مطلق إلى نزع الشرعية عن الخصم، ثم الانتقال من رفض أفكاره إلى استهداف وجوده.
وبذلك تضع الكلمة يدها على إحدى الآليات الأساسية لتصاعد النزاعات: استبدال مناقشة المشكلات الحقيقية بتوجيه الغضب نحو جماعة بعينها. لكن هذه الرؤية تفتح أيضًا سؤالًا عمليًا: كيف يمكن منع توظيف الانتماء الديني والطائفي في الصراع السياسي؟ لا يكفي هنا الوعظ بالتسامح؛ بل يلزم ترسيخ المواطنة المتساوية، وضمان استقلال المؤسسات، وتطبيق القانون على الجميع، ومواجهة التحريض الصادر عن أصحاب النفوذ بقدر يتناسب مع أثره.
رابعًا: الإعلام بين المعرفة والتحريض
يخصص عبس جانبًا مهمًا من كلمته لدور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في توسيع نطاق خطاب الكراهية. فالكلمات التي كانت تبقى محصورة في نطاق عائلي أو اجتماعي ضيق، باتت قادرة على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات.
ويلفت إلى أن الإعلام الذي يفترض أن يكون مدرسة للمعرفة والتعدد والحوار قد يتحول إلى مكبر للكراهية، وأن الغضب قد يصبح سلعة إعلامية تحقق الانتشار والتفاعل على حساب الحقيقة والتماسك الاجتماعي.
كما يربط بين الجهل وقابلية تصديق الصور النمطية، موضحًا أن الجهل لا يعني فقط نقص المعلومات، بل يشمل العجز عن التمييز بين الخبر والرأي، وبين تصرف الفرد والجماعة التي ينتمي إليها، وبين الاختلاف والعداء.
و تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في عصر الخوارزميات والمحتوى سريع الانتشار، حيث قد تحظى المواد المثيرة للغضب بانتشار واسع، بينما تحتاج المعلومات الدقيقة إلى وقت وجهد للتحقق منها. ومن ثم، فإن مواجهة الكراهية تتطلب مسؤولية مهنية من المؤسسات الإعلامية، وثقافة رقمية لدى الجمهور، وآليات لمكافحة التضليل والتحريض، من دون تحويل هذه المواجهة إلى ذريعة لمنع النقد أو إسكات الآراء المخالفة.
خامسًا: الأديان.. من الاختلاف إلى الكرامة
لا يكتفي عبس بتشخيص أسباب الكراهية، بل يستند إلى مرجعيات دينية متعددة لإبراز إمكانات التعاون في مواجهتها. ويستشهد بوصية السيد المسيح: «أحبوا أعداءكم وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم»، وبالحديث النبوي: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وبمقولة الإمام علي: «إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»، إلى جانب معنى وارد في التعاليم البوذية يرفض مواجهة الكراهية بمزيد من الكراهية.
وتتجمع هذه الاستشهادات حول فكرة مركزية: لا ينبغي أن يؤدي الاختلاف الديني إلى إهدار كرامة الإنسان أو تحويله إلى عدو بسبب هويته.
ويستعين عبس كذلك بمثل السامري الصالح، ليقلب الصورة النمطية التي تنزع الإنسانية عن المختلف، ويجعل الشخص الذي جرى النظر إليه باعتباره منبوذًا نموذجًا للرحمة.
و تتمثل قوة هذا الطرح في أنه لا يطالب المؤمنين بالتخلي عن عقائدهم، بل يدعو إلى الفصل بين الثبات على الإيمان ورفض الاعتداء على المختلف. وهذا تمييز بالغ الأهمية في المجتمعات متعددة الأديان؛ إذ إن التعايش لا يشترط محو الاختلافات العقائدية، وإنما يتطلب الاتفاق على قواعد تحمي الإنسان وحقوقه وكرامته.
لكن نجاح هذا الخطاب يتوقف على انتقاله من الاستشهاد بالنصوص الدينية إلى مراجعة الممارسات الفعلية، بما فيها اللغة المستخدمة في بعض المنابر الدينية، وطريقة تقديم الجماعات الأخرى في المناهج والخطب والبرامج الإعلامية.
سادسًا: دور المجلس
يربط عبس بين تاريخ مجلس كنائس الشرق الأوسط في الحوار وبين دوره الإغاثي والتنموي، معتبرًا أن العمل المشترك لتلبية الاحتياجات الاجتماعية يمكن أن يقرب الناس ويوحدهم حول قضايا تتجاوز الانتماءات الدينية.
ويحدد ثلاثة مسارات أساسية لعمل المجلس في هذا المجال هي اولا إبراز المساحات الدينية والثقافية المشتركة بين شعوب المنطقة.
ثانيا مواجهة الأبلسة وخطاب الكراهية، ويضع المؤتمر الإقليمي ضمن هذا المسار.
ثالثا تعزيز الأخوة الإنسانية والتماسك الاجتماعي من خلال برامج ومبادرات مشتركة.
وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من أنها لا تحصر الحوار بين القيادات الدينية أو داخل قاعات المؤتمرات، بل تربطه بالعمل الميداني والتنمية والتضامن الاجتماعي.
ويظل الحوار أكثر قدرة على التأثير عندما يتحول إلى تجربة ملموسة في حياة المواطنين، خصوصًا في مجالات التعليم والصحة والإغاثة والتنمية المحلية. فالعمل المشترك يتيح للأفراد التعرف إلى بعضهم بعيدًا عن الصور النمطية، ويكشف أن الاحتياجات الإنسانية تتجاوز حدود الدين والطائفة.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا الدور يحتاج إلى مؤشرات واضحة لقياس أثر المبادرات، ومدى وصولها إلى المجتمعات الأكثر تعرضًا للتمييز، وقدرتها على معالجة أسباب التوتر لا الاكتفاء بتخفيف آثاره.
سابعًا: من التشخيص إلى خطة لمواجهة الكراهية
تتجاوز الكلمة الإطار الأخلاقي إلى اقتراح مجموعة من الإجراءات العملية، من بينها إدخال التربية على التنوع والحوار والتفكير النقدي في المناهج، وتطوير برامج التربية الإعلامية والرقمية، وإنشاء مرصد وطني مستقل لخطاب الكراهية، ووضع ميثاق أخلاقي للإعلام.
كما تدعو إلى مراجعة الخطاب الديني، وامتناع القيادات السياسية عن استثمار الانقسام، وإشراك الجامعات ومراكز البحث والمجتمع المدني، وتطوير إطار قانوني يميز بين حرية التعبير والتحريض المباشر على العنف أو التمييز.
وتلفت الكلمة، في هذا السياق، إلى ضرورة ألا تتحول مكافحة خطاب الكراهية إلى وسيلة لقمع النقد أو المعارضة.
و يمثل هذا الجانب إحدى أهم نقاط القوة في الكلمة؛ لأنه ينقل القضية من مستوى الدعوات العامة إلى تصور متعدد الأطراف للمواجهة. غير أن هذه المقترحات تحتاج إلى تحديد الجهة المسؤولة عن تنفيذ كل منها، وآليات التمويل والمتابعة، ومعايير قياس النتائج، وضمانات استقلال المرصد المقترح.
كما أن إنشاء مرصد لخطاب الكراهية يقتضي تعريفًا دقيقًا لما يرصدُه، وشفافية في منهجية جمع البيانات وتصنيفها، وضمانات تمنع استخدامه بصورة انتقائية ضد فئة أو تيار بعينه. فالمواجهة الفعالة للكراهية يجب أن تحمي المجتمع من التحريض، وتحمي في الوقت نفسه حرية التعبير المشروعة.
ثامنًا: الرأسمال الاجتماعي..
من المفاهيم المهمة التي ترد في الكلمة «الرأسمال الاجتماعي»، الذي يرتبط بالثقة المتبادلة وشبكات التعاون والقيم المشتركة التي تساعد المجتمع على مواجهة الأزمات.
فعندما تسود الكراهية، تتآكل الثقة بين المواطنين، ويتحول الاختلاف إلى مصدر للشك والعداء، وتضعف قدرة المؤسسات والمجتمعات المحلية على العمل المشترك. أما حين تتعزز الثقة، يصبح من الممكن إدارة الخلافات من دون الانزلاق إلى العنف.
ومن هنا تأتي الإشارة إلى «إعادة تأهيل الرأسمال الاجتماعي» بوصفها جزءًا من مشروع أوسع لصيانة الكرامة الإنسانية.
و هذا المفهوم يمنح الكلمة بعدًا تنمويًا ومجتمعيًا يتجاوز العلاقات بين الأديان. فالمجتمع المتماسك ليس المجتمع الذي يخلو من الخلاف، بل الذي يمتلك مؤسسات وقواعد وثقافة تسمح بإدارة الخلاف من دون أن تتحول الاختلافات إلى خطوط فاصلة بين مواطن وآخر. ولا يمكن بناء هذه الثقة بالخطاب وحده؛ بل تحتاج إلى العدالة وتكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون ومشاركة المواطنين في الشأن العام.
