أمين مفتاح كنيسة القيامة: القدس تختنق بصمت.. و6 سنوات من الانتظار لم تُنهِ المعاناة
الإثنين 12/أكتوبر/2026 - 08:41 ص
طباعة
روبيرالفارس
حذّر أديب جودة الحسيني، أمين مفتاح كنيسة القيامة في القدس، من تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها المدينة المقدسة، في ظل تراجع حركة الحجاج والسياح، وانعكاس ذلك على الكنائس والعاملين فيها وأصحاب المحال التجارية والعائلات المقدسية، مؤكدًا أن الأزمة لم تعد مجرد تراجع في النشاط التجاري، بل تحولت إلى معاناة إنسانية تمس سبل العيش الكريم وتهدد استقرار كثير من الأسر.
وقال الحسيني إن القدس تعيش منذ جائحة كورونا عام 2020 حالة ممتدة من الانتظار والأزمة، وسط آمال لم تتحقق بعد بعودة الحياة إلى شوارع البلدة القديمة وأسواقها، واستعادة كنيسة القيامة زخم استقبال الحجاج والزوار، مشيرًا إلى أن السنوات الست الماضية شهدت تحولات قاسية في واقع المدينة الاقتصادي، بينما لا تلوح في الأفق مؤشرات كافية على انفراجة قريبة.
وأضاف أن كنيسة القيامة المقدسة وغيرها من كنائس الأراضي المقدسة اضطرت، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، إلى الاستغناء عن عدد من العاملين بها، رغم سنوات خدمتهم الطويلة في هذه المؤسسات الدينية، وهو ما ترك آثارًا مباشرة على أسرهم ومصادر رزقهم. وأوضح أن هؤلاء العاملين وجدوا أنفسهم أمام مستقبل غامض بعد فقدان وظائفهم، واضطروا إلى مواجهة أعباء المعيشة والالتزامات العائلية من دون مصدر دخل ثابت.
وأشار الحسيني إلى أن تداعيات فقدان العمل لا تتوقف عند العامل نفسه، بل تمتد إلى أسر كاملة تضم أطفالًا لهم احتياجات يومية، ومصروفات تعليمية، وإيجارات سكن، والتزامات مالية لا تتوقف بتوقف الدخل، متسائلًا عن قدرة رب الأسرة على الوفاء بكل هذه الأعباء في ظل غياب فرص العمل وتراجع النشاط الاقتصادي.
وتوقف أمين مفتاح كنيسة القيامة عند التغير الكبير الذي شهدته أسواق البلدة القديمة، موضحًا أن أشهر الصيف كانت، قبل جائحة كورونا، تمثل ذروة الزيارات والحج إلى القدس، حيث كانت المدينة تستقبل أعدادًا كبيرة من الزوار، تصل إلى أكثر من مليون زائر خلال بعض المواسم، بحسب تقديره.
وكان هؤلاء الزوار يتوافدون على كنيسة القيامة، ويتجولون في أزقة البلدة القديمة، ويشترون من المتاجر المحلية، بما يسهم في تنشيط الحركة التجارية وتوفير مصادر دخل للعائلات التي تعتمد على السياحة والحج الديني. لكن المشهد، بحسب الحسيني، تغير بصورة واضحة، إذ تراجعت أعداد الزوار الأجانب مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2020، وانخفضت حركة الشراء، وأصبحت متاجر كثيرة مغلقة، فيما يعرض أصحاب محال أخرى عقاراتهم للإيجار بحثًا عن مستأجرين.
ووصف الحسيني هذا التحول بأنه مفارقة مؤلمة، فبعد أن كان أصحاب المحال يتنافسون على استئجار الأماكن التجارية في البلدة القديمة، أصبح بعضهم عاجزًا عن الاستمرار في نشاطه، تحت ضغط الديون وتراكم الالتزامات المالية، وسط مخاوف من التعرض لملاحقات قانونية نتيجة عدم القدرة على السداد.
وأكد أن الأزمة لا تقتصر على أصحاب المتاجر والعاملين في قطاع السياحة، بل تمتد إلى مختلف جوانب الحياة اليومية للمقدسيين، في ظل التزامات تشمل القروض المصرفية، ومستحقات البلدية والضرائب، وفواتير المياه والكهرباء، وأقساط المدارس والجامعات، إلى جانب إيجارات المنازل واحتياجات المعيشة الأساسية.
وأوضح أن كثيرًا من العائلات باتت مضطرة إلى ترتيب أولوياتها بصورة يومية، بين سداد الديون وتوفير الطعام ودفع الإيجار وتأمين احتياجات الأبناء، مشيرًا إلى أن السؤال الذي يشغل بعض المقدسيين لم يعد كيفية توسيع أعمالهم أو تحسين أوضاعهم الاقتصادية، بل كيفية تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، والحفاظ على ما تبقى من الاستقرار والكرامة.
وشدد الحسيني على أن ما تشهده القدس لا يمكن اختزاله في أزمة تجارية عابرة أو تراجع مؤقت في حركة السياحة، بل يمثل أزمة اقتصادية واجتماعية ذات أبعاد إنسانية، تطال العاملين في المؤسسات الكنسية، والتجار، وأصحاب المهن، والعائلات التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تدفق الحجاج والزوار إلى المدينة.
وأضاف أن القدس، بما تحمله من مكانة دينية وتاريخية، وبما تضمه من مواقع مقدسة، وفي مقدمتها كنيسة القيامة والمسجد الأقصى المبارك، لا ينبغي أن يُترك أبناؤها وحدهم في مواجهة هذه الظروف، داعيًا إلى تحرك جاد لمساندة السكان، ومساعدة المتضررين على استعادة مصادر دخلهم، والعمل على تنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية بما ينعكس على حياة المجتمع المقدسي.
وقال إن المطالب لا تتعلق بامتيازات استثنائية، وإنما بعودة الحياة إلى المدينة، وإتاحة فرص العمل أمام من فقدوا وظائفهم، واستعادة المتاجر لزبائنها، وعودة الحجاج والزوار إلى كنيسة القيامة، بما يسمح لأهل القدس بمواصلة حياتهم في مدينتهم بكرامة وأمان.
وتساءل الحسيني عن الجهات التي يمكنها الاستجابة لمعاناة المقدسيين، ومد يد العون إلى عمال الكنائس والتجار والأسر التي تواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة، مؤكدًا أن استمرار تراجع النشاط الاقتصادي يضع مستقبل كثير من الأنشطة التجارية ومصادر الرزق أمام تحديات صعبة.
ومع اقتراب نهاية عام 2026 واستقبال عام 2027، عبّر الحسيني عن مخاوفه من استمرار حالة الاختناق الاقتصادي والاجتماعي، في ظل سنوات طويلة من الانتظار لاستعادة المدينة عافيتها، متمنيًا أن يحمل العام الجديد بداية حقيقية لانفراجة تعيد إلى القدس حيويتها، وإلى أسواقها الحركة، وإلى عائلاتها الشعور بالأمان والاستقرار.
واختتم أمين مفتاح كنيسة القيامة حديثه بالتعبير عن حنينه إلى الأيام التي كانت فيها الكنيسة تعج بالحجاج، والأزقة تنبض بالحياة، وأبواب المتاجر تُفتح على أمل الرزق والعمل، مؤكدًا أن القدس لا تعاني فقط من غياب زوارها، بل من الأعباء التي تثقل كاهل أهلها أيضًا.
وحذّر الحسيني من أن استمرار هذا الواقع يطرح سؤالًا ملحًا حول مستقبل الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة المقدسة، ومن سيتحرك لحماية ما تبقى من مقومات الصمود فيها، وإنهاء معاناة عمالها وتجارها وعائلاتها.
فبالنسبة إليه، لا يكفي أن تستعيد القدس مكانتها على خرائط الحج والسياحة، بل يجب أن يستعيد أهلها القدرة على العيش فيها بكرامة، وأن تتحول الدعوات إلى التضامن مع المدينة إلى خطوات عملية تعيد الأمل إلى شوارعها وبيوتها وأسواقها.
