من "الكشكول الجديد" إلى "ماتصدقش".. التاريخ الممتد للواجهات الإخوانية المضللة
الثلاثاء 13/أكتوبر/2026 - 11:52 ص
طباعة
حسام الحداد
تعتبر حادثة عام 1945، والتي تمثلت في الاستقالة الصورية لمحمود عساف وأمين إسماعيل وتأسيس مجلة "الكشكول الجديد"، نموذجاً تاريخياً مبكراً وشاهداً مفصلياً على ما يمكن تسميته باستراتيجية "التخفي التنظيمي والامتداد الوظيفي". تلك الاستراتيجية التي طورتها جماعة الإخوان المسلمين مبكراً للتكيف مع التحديات السياسية ولتجاوز الضربات الأمنية والرفض الشعبي متزايد العزلة، عبر صناعة واجهات بديلة تمارس ذات أدوار الجماعة وتحقق ذات غاياتها ولكن تحت مسميات ولافتات مدنية أو إعلامية بكر.
وفي دراسة التحولات الهيكلية والتكتيكية للجماعات المتطرفة، يتبين أن التنظيم يدرك تماماً أن العمل تحت "الراية الصريحة" المباشرة قد يستنزف مقدراته أو يُحرق سياسياً وشعبياً أمام الشارع والمؤسسات الرسمية. ومن هذا المنطلق البراجماتي، تبلورت عقيدة "الواجهات المدنية المضللة"، والتي خضعت لعمليات تحديث وتطوير مستمرة لتتماشى مع العصر الرقمي الحديث، فتجسدت في صور متعددة كمنصات رقمية مستقلة، أو شبكات حقوقية وإعلامية، أو حركات فكرية ومراكز أبحاث يديرها عناصر يمتلكون جذوراً إخوانية عميقة، مع الحرص الدائم على إعلان براءة تنظيمية شكلية من الجماعة.
وترتكز هذه الديناميكية الماكرة على فكرة إعادة التدوير الحركي والفكري، حيث يُعاد تقديم الكوادر والأفكار بصياغات عصرية براقة تستغل مساحات الحرية أو العمل المستقل للحد من كشف ارتهانها لغرف عمليات التنظيم. ومن هنا تشكل هذه الواجهات خط دفاع وهجوم موازٍ يتيح للجماعة الاستمرار في توجيه الشارع وتفكيك شرعية الدولة الوطنية والتشكيك في مؤسساتها، دون تحمل التكلفة السياسية أو القانونية المباشرة للانتماء التنظيمي الصريح.
استراتيجية "الاستقالة التنظيمية وبقاء الارتباط"
تعتمد جماعة الإخوان المسلمين في إدارة صراعاتها الممتدة مع الدولة والمجتمع على مناورة هيكلية مركبة تقوم على الفصل التكتيكي بين "الولاية التنظيمية الضيقة" و"الولاء الاستراتيجي الأوسع". يهدف هذا المفهوم إلى تفكيك الارتباط الشكلي المباشر بين العضو والتنظيم الأم، مع الإبقاء على انتمائه الفكري والتزامه بتحقيق ذات الغايات العليا، مما يوفر للهياكل الموازية مرونة حركية عالية وقدرة على المناورة داخل البيئات السياسية والإعلامية المختلفة دون الاستهداف المباشر من الجهات الأمنية أو التحفظ المجتمعي.
وتتجسد الآلية الأولى لهذا التكتيك في عملية "التمويه الحركي"، والتي تعني التخلي الطوعي أو الظاهري عن العضوية التنظيمية المعلنة لإسقاط صفة التبعية الحزبية أو المباشرة عن الفرد أو الكيان. وتتيح هذه الاستقالة الصورية للعناصر المنسحبة التحرك بحرية أكبر في الفضاء العام، وتقديم أنفسهم بصفتهم مستقلين أو حزبيين سابقين أو نشطاء محايدين، مما يسهل عليهم اختراق الأوساط النخبية والإعلامية والحقوقية التي قد ترفض التعامل الصريح والعلني مع الكوادر الإخوانية المصنفة.
أما الآلية الثانية فترتكز على مبدأ "وحدة الأهداف والهدف البديل"، حيث تُوجه هذه الواجهات المستقلة ظاهرياً نحو تحركات مدروسة تسعى إلى تفكيك شرعية الدولة الوطنية والتشكيك المستمر في مؤسساتها السياسية والأمنية والقضائية. ويتم ذلك عبر إدارة معايير الرأي العام وتوجيهه بطرق غير مباشرة، من خلال قنوات إعلامية ومنصات بحثية تبدو للوهلة الأولى منفتحة ومتمتعة بالمهنية والحياد، بينما تستهدف في جوهرها تقويض ثقة الشارع في هيئات الدولة وإبقاء حالة الدفع والتحريض قائمة.
وتتكامل هذه المنظومة من خلال الآلية الثالثة المتمثلة في "التمويل الموجه والشبكي"، الذي يضمن استدامة عمل هذه الكيانات والواجهات البديلة بغض النظر عن شكلها القانوني أو مسماها المعلن. يظل خط الإمداد المالي والفكري مرتبطاً بصورة خفية بغرف عمليات التنظيم العابرة للحدود، والتي تحرص على توفير الرعاية اللوجستية والغطاء الإعلامي لهذه الواجهات، لضمان اتساق نتاجها اليومي مع الأهداف الكبرى للتنظيم، دون الحاجة للظهور المباشر في المشهد المالي لهذه المؤسسات.
وتسمح هذه الاستراتيجية المزدوجة للجماعة بإنشاء خط دفاعي هجين يجمع بين "العمل السري الداعم" و"الواجهة المدنية البراقة"، مما يُصعّب على المتابعين وغير المتخصصين الربط السريع بين الأنشطة الظاهرية والأجندة التنظيمية الموجهة. فالاستقالة الإجرائية تصبح بمثابة تصريح مرور جديد لإعادة تدوير الأدبيات الإخوانية بصياغات عصرية تتماشى مع متطلبات المرحلة، كاستخدام شعارات "تدقيق المعلومات" أو "الدفاع عن الحريات" أو "البحث التاريخي المستقل".
وبذلك تكتمل دائرة الارتباط الوظيفي التي تجعل من فكرة "الانفصال التنظيمي" مجرد غطاء شكلي لخدمة الأهداف الفكرية والسياسية للجماعة بطرق أكثر فاعلية. إن بقاء المنهج والغايات يثبت أن الجماعة لا تُقاس بمدى الاتصال التنظيمي المباشر أو الالتزام بالتسلسل القيادي التقليدي، بل بمطابقة الخطاب والعمل للبوصلة الاستراتيجية التي استقرت عليها أدبيات التنظيم منذ تأسيسه، والتي تضع تفكيك الدولة وإعادة إنتاج السلطة في مقدمة أولوياتها.
محمد الهامي، يحيى موسى، وحركة "ميدان"
يمثل ظهور حركة "ميدان" في يونيو 2025 خلال مؤتمر أُقيم خارج البلاد امتداداً جلياً وتطوراً حركياً لشبكات التحريض والعنف التقليدية التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين. وقد أتاح هذا الكيان الجديد مساحة تجمع أطرها قيادات بارزة هاربة من الصفين الثاني والثالث للتنظيم، إلى جانب عناصر ارتبطت سابقاً بالمجموعات النوعية والمسلحة مثل حركة "حسم"، مما عكس رغبة حثيثة في إعادة تجميع الشتات الحركي تحت لافتة جديدة تتجاوز الأزمات التنظيمية الهيكلية التي يعاني منها التنظيم الأم.
ويأتي في صدارة هذا التشكيل القيادي المتورط في أعمال عنف وإرهاب "يحيى موسى"، إلى جانب الباحث والمؤرخ المنتمي فكرياً وتنظيمياً للجماعة "محمد إلهامي"، المعروف بأطروحاته وتأصيلاته التي تسعى لتكييف التاريخ الإسلامي والسياسي وفق أدبيات التكفير والعداء الصريح للدولة الوطنية ومؤسساتها. ويرتكز هذا التحالف بين الفاعل الحركي والفاعل الفكري على توزيع أدوار متكامل، يضمن إمداد النشاط السياسي والحركي بخلفية تنظيرية تبدو مسبوكة في قالب أكاديمي أو تاريخي.
وتعتمد حركة "ميدان" في استراتيجيتها الإستراتيجية والإعلامية على آلية فك الارتباط الشكلي عن هيكل الجماعة المباشر، متجنبة تقديم نفسها كفرع تنظيمي تقليدي للإخوان المسلمين. وبدلاً من ذلك، تتدثر الحركة بثوب "مؤسسة فكرية بحثية أو مبادرة حركية عامة"، ترفع شعارات جامعة تستهدف استقطاب النخب الشبابية والمستقلين عبر سرديات معارضة ظاهرها نقد السياسات العامة وباطنها تسويق المنهج الراديكالي بأسلوب معاصر.
وتتضح آليات هذا الارتباط والارتهان الأيديولوجي في خطابي الكيانين من خلال استغلال الواجهة الأكاديمية والبحثية لتمرير الطروحات المتطرفة وإعادة إنتاجها. إذ ينشط محمد إلهامي في تقديم قراءات تاريخية موجهة تُنزع فيها الشرعية عن الدولة الوطنية، بينما يتولى يحيى موسى استثمار هذه القراءات في صياغة توجيهات حركية وسياسية تستهدف إرباك المشهد وتأليب الشباب ضد المؤسسات الوطنية، مما يحول المادة التاريخية إلى أداة للتعبئة الشديدة.
وتظهر الشهادات والمواقف الموثقة هذا التناغم العملياتي والفراغي بصورة جلية في العديد من الظهورات الإعلامية المشتركة، كما هو الحال في حوارات بودكاست "مع منتصر" وغيره من المنصات. ففي هذه اللقاءات، يتماهى الخطاب التاريخي لإلهامي مع الإستراتيجية الحركية لموسى، حيث تُستغل المقابلات الإعلامية للتشكيك في الثوابت الوطنية التاريخية والعسكرية، مثل إعادة التشكيك في محطات مفصلية كـ "نصر أكتوبر المجيد" وتاريخ المؤسسة العسكرية المصرية.
إن هذا التلاقي الممنهج بين التنظير الفكري والتحريك الميداني تحت مظلة حركة "ميدان" يؤكد أن الهدف الجوهري للكيان ليس تقديم إسهام بحثي أو استعادة لمساحة عمل مدني، بل إعادة تدوير الفكر الإخواني المتطرف بصياغات براجماتية عصرية. وتسمح هذه التكتيكات المتطورة بعبور الخطوط الحمر دون إثارة الشبهات التنظيمية المباشرة، لتظل الحركة خادمة للذات والأجندة الهدامة التي قام عليها مشروع الجماعة منذ نشأته.
عبد الرحمن منصور ومنصة "ماتصدقش"
برزت منصة "ماتصدقش" كإحدى الأشكال الحديثة للواجهات الإعلامية الرقمية التي تدّعي التخصص في مجال تدقيق الأخبار والتحقق من المضمون الصحفي والمعلومات الشائعة. وقد ترأس هذه المنصة الصحفي عبد الرحمن منصور، الذي اقترن اسمه تاريخياً بروابط مع حركات واحتجاجات سياسية سابقة، إلى جانب تقاطعات وتواصل مستمر مع شبكات ومنصات إعلامية ورقمية مقربة من تنظيم الإخوان المسلمين.
ومع تتابع التحقيقات الرسمية والقضائية، والتي كان أبرزها ما كشفت عنه النيابة العامة المصرية مؤخراً في أكتوبر 2026، بدأت تتشكل الخيوط الدقيقة التي تربط بين هذا الكيان وشبكات التنظيم. إذ أظهرت المعطيات وجود تبعية تنظيمية وتمويلية وتشغيلية تدار بعناية بين عناصر المنصة وخلايا تابعة للجماعة تعمل داخل البلاد وخارجها، على الرغم من حرص القائمين عليها الدائم على نفي أي صلة حركية وتصدير شعارات "المهنية الصحفية المستقلة".
وتُظهر هذه الاستراتيجية تشابهاً هيكلياً وبنيوياً مع التكتيكات التاريخية للجماعة، حيث يمثل إنكار الانتماء التنظيمي المباشر لعبد الرحمن منصور أو منصته إعادة إنتاج دقيقة لسيناريو "الاستقالات الصورية" الذي شهده عام 1945 مع محمود عساف وأمين إسماعيل. فالمقصد الأساسي من هذا الفصل الظاهري هو منح المادة الصحفية والمعلوماتية المعروضة غطاءً من "الحياد المصنوع"، مما يجعلها أكثر قدرة على النفاذ والتأثير في وعي المتلقي الذي ينفر عادة من الخطاب الحزبي الإخواني المباشر والصريح.
ويتيح هذا التستر المنهجي للمنصة ممارسة دور وظيفي يخدم الأجندة الإستراتيجية للتنظيم تحت ستار التدقيق والتفنيد الشكلي. حيث ترتكز آليات العمل على استغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والظروف الاستثنائية للتركيز على ملفات حساسة، وإعادة صياغتها عبر التقاط أجزاء من الحقيقة ودمجها بسياقات موجهة، متبعة تكتيك "بث السم في العسل" لتقويض السرديات الرسمية وإرباك الرأي العام.
كما تعتمد هذه الشبكات الإعلامية على مزج الحقائق الثابتة بتأويلات مجتزأة أو شائعات مسبوكة بعناية، بهدف إنتاج حالة دائمة من الشك وتآكل الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته. وتصبح عملية "تدقيق الحقائق" المزعومة أداتية بالكامل؛ إذ تُمارس بانتقائية شديدة تخدم الأهداف السياسية للتنظيم، حيث تُسلط الأضواء على استهداف مؤسسات الدولة بينما يُغض الطرف عن الشائعات المتداولة في قنوات الجماعة وحلفائها.
إن نموذج منصة "ماتصدقش" والقائمين عليها يبرهن على أن آليات الخداع الإعلامي والسياسي للتنظيم تطورت من الصحافة الورقية الساخرة في الأربعينيات إلى شبكات التدقيق الرقمي في العصر الحالي، دون أن تتغير الأهداف الجوهرية. فتحقيق الاستقلالية الشكلية ظل دائماً بمثابة مظلة حماية ومناورة إعلامية، تُستخدم لتثبيت النفوذ الفكري وتأمين التمويل وتوجيه الرأي العام نحو ذات الغايات الهدامة التي تسعى إليها الجماعة منذ تأسيسها.
واخيرا نجد ان جماعة الإخوان المسلمين لا تُدار بمنطق الولاء التنظيمي التقليدي القائم على الهياكل الصلبة والبيعة المعلنة فحسب، بل بمنطق "الشبكات الوظيفية المرنة". فكلما ضاقت حلقات التنظيم الصريح وشُدد عليها الخناق الأمني والسياسي، لجأت الجماعة إلى تفريخ واجهات بديلة وأذرع موازية يتصدرها أفراد ومنصات وحركات يرتدون قبعات "المستقلين" أو "الباحثين الأحرار" أو "المصداقية الرقمية"، بينما تظل خيوط الإدارة الفكرية وشرايين التمويل والأهداف الإستراتيجية العلياء مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بغرفة عمليات تنظيمية واحدة تستهدف تقويض الدولة الوطنية من الداخل وتزييف الوعي الجمعي.
