الحوثيون وباب المندب.. شبكات تهريب جديدة وامتداد استراتيجي نحو القرن الأفريقي
الجمعة 16/أكتوبر/2026 - 01:31 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
لا تقتصر التداعيات الاستراتيجية لسيطرة الحوثيين على باب المندب على تهديد حركة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية، بل تمتد إلى ما قد تتيحه هذه السيطرة من فرص لتوسيع شبكات التهريب والإمداد، وتعزيز الروابط مع الجماعات المسلحة في القرن الأفريقي، وتطوير القدرات العسكرية داخل اليمن.
ووفق تحليل نشرته منصة Homeland Security Today (HSToday)، فإن التحول الأهم لا يتمثل في امتلاك الحوثيين قدرة إضافية على استهداف السفن، وإنما في اكتساب عمق جغرافي ولوجستي وإقليمي قد يوسع خياراتهم العسكرية خلال السنوات المقبلة.
ويشير التحليل إلى أن الجماعة كانت تمتلك بالفعل القدرة على تهديد الملاحة انطلاقاً من المناطق الساحلية الخاضعة لسيطرتها، ولا سيما الحديدة وحجة، لكن السيطرة على قطاع أوسع من الساحل تمنحها مجالاً أكبر للحركة والوصول إلى البحر، وتعيد تشكيل مسارات التهريب والإمداد، فضلاً عن فتح فرص أوسع لبناء علاقات مع الجانب الأفريقي، خصوصاً الصومال ومنطقة القرن الأفريقي.
وتزداد أهمية هذا التطور مع توجه الحوثيين نحو تعزيز قدراتهم على تصنيع الأسلحة وتجميعها محلياً، بدلاً من الاعتماد حصرياً على استيراد المعدات العسكرية الجاهزة، وبذلك تصبح المكونات الصناعية ومعدات الإنتاج ومسارات نقلها جزءاً من معادلة بناء القوة العسكرية للجماعة، فيما تتجاوز الأهمية الاستراتيجية لباب المندب مسألة إغلاق الممر أو استهداف السفن العابرة منه، لتشمل ما يمكن أن تبنيه الجماعة حوله من شبكات وموارد وعلاقات إقليمية.
الصومال والقرن الأفريقي.. توسيع النفوذ خارج اليمن
يمثل القرب الجغرافي من الساحل الأفريقي أحد أبرز المكاسب طويلة الأمد التي يمكن أن تحققها سيطرة الحوثيين على منطقة باب المندب، خصوصاً مع تزايد التقارير التي توثق التعاون بين الجماعة وحركة الشباب الصومالية في مجالات الأسلحة والتدريب والخدمات اللوجستية.
وبحسب ما أورده التحليل، نُقلت مجموعات من الصوماليين إلى مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن لتلقي تدريبات عسكرية وأيديولوجية، شملت التكنولوجيا العسكرية والزوارق المفخخة، كما أفادت التقارير بانتقال عناصر حوثية إلى الصومال لتقديم التدريب والخبرات.
ولا تقتصر أهمية تجنيد عناصر صومالية على الاستفادة من المقاتلين الذين يتلقون التدريب داخل اليمن، بل تمتد إلى احتمال بناء شبكات محلية تدعم الأنشطة العسكرية واللوجستية للحوثيين، وتسهل عمليات التهريب والتواصل مع الجهات المحلية، ويشير التحليل أيضاً إلى إمكانية الاستعانة بوسطاء صوماليين لبيع الذخائر التي تصنعها الجماعة في السوق السوداء الأفريقية.
ومن هذا المنطلق، قد تمنح السيطرة على باب المندب الحوثيين فرصة لتعزيز حضورهم على جانبي الممر البحري، وتحويل الصومال من منطقة مقابلة للساحل اليمني إلى امتداد إقليمي لشبكاتهم عبر البحر الأحمر وخليج عدن.
ولا يتطلب الاستفادة من هذه البيئة إقامة وجود عسكري رسمي في كل منطقة، إذ يمكن تحقيق ذلك من خلال الوسطاء والشبكات التجارية ومسارات النقل والعلاقات مع الجماعات المحلية، إلى جانب القدرة على نقل الأفراد والأموال والمواد، وإذا تطورت هذه الروابط، فقد توفر للحوثيين مجالاً أوسع لممارسة النفوذ والضغط وتوسيع نطاق قدراتهم العملياتية خارج اليمن.
ومع ذلك، يظل استخدام الساحل الأفريقي مستقبلاً للوصول إلى أهداف بعيدة في المنطقة احتمالاً يستدعي المتابعة، في ظل ما قد ينطوي عليه من مخاطر استراتيجية.
شبكات التهريب والتصنيع العسكري.. ما الذي تغير بعد السيطرة على باب المندب؟
يعد تغيير معادلات التهريب والإمداد من أبرز المكاسب المحتملة لسيطرة الحوثيين على باب المندب، فقد واجهت عمليات التهريب تحديات تتعلق بتعدد نقاط العبور، ومستويات المراقبة، واحتمالات اعتراض الشحنات، وصعوبة نقلها من مواقع التفريغ إلى المناطق الداخلية الخاضعة لسيطرة الجماعة.
لكن السيطرة على مساحة ساحلية أوسع تقلص المسافة اللوجستية بين البحر والمناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، وتوفر خيارات إضافية للحركة والتفريغ والنقل.
وفي هذا السياق، تكتسب مناطق مثل الصليف ورأس عيسى أهمية تتجاوز قيمتها الاقتصادية والجغرافية المباشرة، باعتبارها مواقع يمكن أن تدخل ضمن شبكة أوسع للإمداد والتحرك.
ويشير تحليل منصة HSToday إلى وجود شبكات تجارية يمنية تتعامل مع الحوثيين وتنشط في الصين، وتضم تجاراً ووسطاء تربطهم علاقات بالمصانع والموردين، وتتيح هذه الشبكات للجماعة الحصول على معدات ومكونات ذات استخدامات مزدوجة، مدنية وعسكرية، وإيصالها إليها عبر جيبوتي.
ومع تعدد نقاط الوصول إلى البحر، تصبح مراقبة تدفق المعدات والمكونات أكثر تعقيداً، خصوصاً أن شبكات التهريب لا تعتمد بالضرورة على مسار واحد، وإنما تستفيد من تعدد الموردين والوسطاء وطرق النقل.
غير أن التحول الأبرز يتعلق بتطور طبيعة الاحتياجات العسكرية للحوثيين، فبعد أن انصب التركيز في مراحل سابقة على الحصول على أسلحة ومعدات جاهزة من الخارج، ولا سيما من إيران، باتت الجماعة تسعى إلى تطوير قدرتها على إعادة إنتاج بعض هذه القدرات وتعويض خسائرها من خلال التصنيع والتجميع داخل اليمن.
وبالتالي، لم يعد التهريب مقتصراً على نقل الأسلحة الجاهزة، بل أصبح يشمل أيضاً معدات التصنيع وخطوط الإنتاج والمكونات اللازمة لتشغيلها، ومن هنا، تبرز الأهمية الاستراتيجية لباب المندب باعتباره جزءاً من منظومة قد تساعد الحوثيين على توسيع عمقهم اللوجستي والبحري، وتعزيز شبكاتهم مع الجماعات المسلحة والجهات غير الحكومية العابرة للحدود.
تطمينات الحوثيين.. تكتيك لتجنب المواجهة الشاملة
يرى التحليل أن التطمينات التي يرسلها الحوثيون بشأن تحركاتهم في باب المندب لا ينبغي التعامل معها باعتبارها ضمانة لاحتواء التهديد، بل يمكن فهمها في إطار استراتيجية تقوم على التصعيد التدريجي، ثم الدخول في اشتباكات عسكرية محدودة، يليها تقديم رسائل مطمئنة لتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.
ويشبه هذا التقدير نمطاً من السلوك والتكتيكات التي ينسبها التحليل إلى إيران والحرس الثوري الإيراني في إدارة المفاوضات، حيث يجري استثمار المكاسب الميدانية ومحاولة تثبيتها، بالتوازي مع تجنب ردود فعل عسكرية واسعة قد تهدد تلك المكاسب.
وفي حالة باب المندب، يشير التحليل إلى أن الحوثيين يسعون إلى استيعاب المكسب الذي حققوه وتثبيت سيطرتهم، وهو ما يفسر، وفق هذا التقدير، محاولاتهم إرسال رسائل إلى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي تفيد بأن تحركاتهم ستقتصر على اعتراض السفن السعودية ومنعها من المرور.
لكن التحليل يشدد على عدم الوثوق بهذه التطمينات، في ظل احتمال أن تكون جزءاً من مسعى لتجنب رد سريع ومنح الجماعة فرصة لترسيخ مواقعها وتوسيع قدراتها.
كيف يمكن ردع الحوثيين وتعزيز قدرة الحكومة اليمنية؟
يضع التحليل مسؤولية مواجهة التهديد الحوثي في إطار يتجاوز تعزيز القدرات البحرية، ويربط معالجة مخاطر البحر الأحمر بقدرة الحكومة اليمنية على استعادة زمام المبادرة على الأرض.
ووفق هذا التقدير، لا تكمن المشكلة الأساسية في نقص المعدات العسكرية أو الأفراد، بل في كيفية تنظيم الموارد المتاحة وتوحيدها وتحويلها إلى قوة متماسكة وفعالة.
كما يشير التحليل إلى إمكانية البناء على القاعدة الشعبية والاجتماعية للحكومة اليمنية، في ظل اتساع نطاق الرفض المجتمعي للحوثيين، ويتطلب ذلك دعماً دولياً وإقليمياً يركز على إصلاح منظومة القيادة والتنسيق وتعزيز القدرات الاستخباراتية والعملياتية، بدلاً من الاكتفاء بتقديم الموارد العسكرية.
وتشمل الإجراءات المقترحة إعادة تقييم القيادات العسكرية في وزارة الدفاع اليمنية وهيئة الأركان العامة، وتمكين الكفاءات القادرة على توحيد القيادة والسيطرة وإصدار الأوامر استناداً إلى خرائط موحدة وتقديرات عملياتية مشتركة، كما يدعو التحليل إلى تعزيز التكامل بين التشكيلات العسكرية وتوحيد إجراءات الاتصال والتنسيق والإمداد.
وفي الجانب الاستخباراتي، يوصي التحليل بأن تعزز الولايات المتحدة قدرات الحكومة اليمنية في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، مع دمج المعلومات الناتجة عنها في عملية صنع القرار والتخطيط للعمليات العسكرية، ويؤكد كذلك أهمية توحيد الجهود الدولية والإقليمية والمحلية ضمن إطار متكامل لدعم الحكومة اليمنية.
أما على المستوى الميداني، فيطرح التحليل تنفيذ عمليات برية متزامنة على جبهات متعددة في أنحاء اليمن، بهدف استعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين ومنع الجماعة من تركيز مواردها العسكرية في اتجاه واحد، ويستند هذا المقترح إلى تقدير مفاده أن القدرات البرية للحوثيين قد لا تتحمل استمرار الضغط على أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
ويختتم التحليل توصياته بالتأكيد على ضرورة إعادة تقييم قدرات الحوثيين بصورة دورية، بما يشمل أعداد المقاتلين، وقدرات التصنيع والتجميع العسكري المحلي، وشبكات الإمداد والتمويل، فضلاً عن الإمكانات البرية والجوية والصاروخية.
وتكشف التطورات المرتبطة بباب المندب، وفق تحليل منصة Homeland Security Today، أن التحدي الذي يمثله الحوثيون لا يتوقف عند تهديد السفن أو تعطيل الملاحة، بل يرتبط أيضاً بقدرتهم على استثمار الموقع الجغرافي في بناء شبكات إمداد وتهريب أوسع، وتعزيز علاقاتهم مع الجماعات المسلحة في القرن الأفريقي، وتطوير قدراتهم التصنيعية داخل اليمن.
ومن ثم، فإن احتواء هذه التهديدات يتطلب، وفق الطرح الوارد في التحليل، الجمع بين تأمين الممرات البحرية وتعزيز قدرات الحكومة اليمنية على الأرض، وتوحيد الجهود الاستخباراتية والعسكرية والإقليمية، بما يحد من قدرة الجماعة على تحويل المكاسب الجغرافية إلى نفوذ استراتيجي طويل الأمد.
