إعادة إعمار لبنان.. كيف يسعى حزب الله لاستعادة نفوذه عبر أموال الدولة؟

السبت 31/أكتوبر/2026 - 12:47 م
طباعة إعادة إعمار لبنان.. فاطمة عبدالغني
 
تواجه الدولة اللبنانية معضلة معقدة في مرحلة ما بعد الحرب مع إسرائيل، إذ يتعين عليها إعادة بناء المناطق التي دمرها القتال، في وقت يسعى فيه حزب الله إلى الحفاظ على نفوذه السياسي والاجتماعي، رغم تراجع قدرته المالية على تمويل أنصاره وتعويض المتضررين. 
ووفقًا لمجلة "ذا ناشيونال إنترست  (The National Interest)، قد يجد الحزب في إعادة الإعمار الممولة حكوميًا فرصة لاستعادة جزء من مكانته، من خلال الضغط على بيروت لتوفير الأموال، ثم تقديم هذه الجهود باعتبارها إنجازًا سياسيًا له ولحليفته حركة أمل.

ويشير تقرير المجلة إلى أن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم كرر التأكيد أن إعادة بناء ما دمرته إسرائيل تقع على عاتق الدولة اللبنانية، متعهدًا بالضغط على الحكومة للوفاء بهذا الالتزام، ويطرح التقرير تساؤلًا بشأن قدرة بيروت على إعادة الإعمار دون أن تتحول الجماعات الطائفية إلى وسيط بين الدولة والمواطنين، بما يسمح لها بتحويل الإنفاق العام إلى مصدر جديد للنفوذ.

حزب الله يضغط على بيروت مع تراجع قدرته على التعويض

في 13 أكتوبر، أعلن حزب الله مرحلة جديدة من برنامج "الوعد والالتزام"، الذي يقدم مساعدات للعائلات النازحة تصل إلى 14 ألف دولار على مدار العام التالي، وفي اليوم نفسه التقى رئيس الوزراء نواف سلام نوابًا من حزب الله وحركة أمل لمناقشة مشاريع إعادة الإعمار الحكومية، بما فيها عقود بنية تحتية مدعومة من البنك الدولي تبلغ قيمتها نحو 70 مليون دولار، ومن المتوقع منحها قبل نهاية العام.

ويرى التقرير أن نجاح الحكومة في تنفيذ هذه المشاريع قد يمنح حزب الله فرصة للقول إن ضغوطه أسهمت في تأمين إعادة الإعمار، بما يسمح له بالحفاظ على موارده المتراجعة واستعادة جانب من مكانته السياسية التي خسرها خلال الحرب.

ويعزو التقرير تراجع قدرة الحزب على الوفاء بالتزاماته إلى تداعيات قراره دخول الحرب ضد إسرائيل في أكتوبر 2023، ثم استئناف القتال في مارس 2026، وما ترتب على ذلك من دمار واسع في المجتمعات ذات الأغلبية الشيعية التي تشكل قاعدة دعمه الشعبي والسياسي والعسكري، كما أثرت الحرب في موارده المالية، وتعطلت خطوط إمداده عبر سوريا بعد سقوط بشار الأسد، فيما انعكست مشكلات إيران نفسها على قدرتها على تمويل الحزب.

وكان حزب الله قد واجه صعوبات في دفع التعويضات التي وعد بها عقب وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، ويشير التقرير إلى أن عجزه عن تلبية احتياجات أنصاره يهدد مصداقية مؤسساته الاجتماعية، التي تمثل ركيزة أساسية لنفوذه، وأظهر استطلاع أجرته هيئة الإحصاء اللبنانية ونُشر في 9 أكتوبر أن 52% من المستطلعة آراؤهم من الشيعة أعربوا عن ثقة ضئيلة أو معدومة في تلك المؤسسات.

"الوعد والالتزام".. نقل مسؤولية إعادة الإعمار إلى الدولة

بدأ نعيم قاسم، بحسب التقرير، تمهيد الطريق أمام حزب الله للاستفادة سياسيًا من إعادة الإعمار الممولة حكوميًا بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، ففي ديسمبر من العام نفسه، أطلق مبادرة "الوعد والالتزام" لتقديم مساعدات مؤقتة، بينما ترك مهمة إعادة الإعمار، التي تتطلب تمويلًا أكبر بكثير للدولة اللبنانية.

لاحقًا، أوضح قاسم أن التزام الحزب بإعادة الإعمار يتضمن الضغط على بيروت لتنفيذها، بما يتيح له تحميل الحكومة المسؤولية إذا لم تصل المساعدات إلى المتضررين.

وفي أبريل 2025، اتهم قاسم الحكومة بتأخير إعادة الإعمار، وقارن بين ما وصفه بجهود حزب الله "غير المسبوقة عالميًا" لتخفيف الأعباء عن الدولة، وبين ما اعتبره إفقارًا متعمدًا للشيعة واستهدافًا لهم على أساس طائفي، وفي إعلان 13 أكتوبر، اتهم رئيس المجلس التنفيذي للحزب علي داموش الحكومة بإهمال العائلات النازحة، ورفض اعتبار إزالة الأنقاض ومشاريع البنية التحتية بديلًا عن التعويض المباشر.

كما زعم الحزب أن ضغوطه حققت نتائج، ففي ديسمبر 2025، قال النائب حسن فضل الله إنه وزميله أمين شري نجحا في الضغط على رئيس الحكومة نواف سلام لتمويل الإصلاحات الإنشائية للمباني المتضررة في بيروت والضواحي الجنوبية، عبر الهيئة العليا للإغاثة، وهي الجهة الحكومية المعنية بالكوارث.

حركة أمل شريك في إدارة ملف إعادة الإعمار

يشير التقرير إلى أن حزب الله يمتلك سابقة في الاستفادة سياسيًا من إعادة الإعمار التي تمولها الدولة، فبعد حرب 2006 قدمت حكومة فؤاد السنيورة تعويضات تصل إلى 53 ألف دولار للعائلات التي دُمرت منازلها في الضواحي الجنوبية لبيروت، وعهد معظم المستفيدين بهذه الأموال إلى منظمة "الوعد"، التابعة لحزب الله، التي أدارت التمويل وأشرفت على إعادة البناء، لتصبح واجهة علنية للحزب.

أما في المرحلة الحالية، فتتولى جهات حكومية من بينها مجلس الجنوب ومجلس حقوق الإنسان، إدارة التعويضات وفق إطار إعادة الإعمار الذي وضعته الحكومة في يناير 2026، ويُطلب من المتقدمين عادةً الحصول على شهادة من البلدية تثبت الأضرار وحالة السكن قبل استكمال طلباتهم.

ويشير التقرير إلى أن حزب الله وحركة أمل فازا بجميع البلديات الثمانين في بعلبك والهرمل، وبالأغلبية الساحقة في جنوب لبنان والنبطية خلال عام 2025، ما وضع إجراءات توثيق الأضرار الضرورية في أيدي مسؤولين محليين مرتبطين بهما.

وفي أغسطس، عقد الحزب والحركة اجتماعًا مع مسؤولي البلديات الجنوبية لتنسيق توثيق الأضرار وتقديم طلبات المساعدة ومتابعتها مع الوزارات، وفي أكتوبر أعلن اتحاد بلديات الضواحي الجنوبية لبيروت تقديم سجلات 11,400 منزل مدمر أو غير صالح للسكن إلى مجلس حقوق الإنسان، كما حصل الاتحاد على مليوني دولار من التمويل الحكومي لإصلاح 22 مبنى غير آمن، مع وعد بتقديم 9 ملايين دولار إضافية.

ويمنح نفوذ حركة أمل داخل مؤسسات إعادة الإعمار الحكومية حزب الله منفذًا آخر لنسب الفضل إلى نفسه في المساعدات الممولة من بيروت، كما أن التحالف الانتخابي بين الطرفين يتيح لهما تقديم إعادة الإعمار باعتبارها مشروعًا مشتركًا.

وتسيطر حركة أمل على مجلس الجنوب، كما ترتبط بوزارة المالية من خلال الوزير ياسين جابر، المدعوم من رئيس الحركة نبيه بري، والذي يشغل أيضًا عضوية مجلس إدارة مجلس حقوق الإنسان، وأقر رئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر بتلقيه توجيهات من بري، فيما أفاد مجلس الإنماء والإعمار بأن رئيسه محمد علي قباني تلقى توجيهات منه كذلك.

وفي يوليو 2026، عقد حزب الله وحركة أمل اجتماعًا مشتركًا ضم رؤساء بلديات الجنوب ووزير الأشغال العامة فايز رسامني وحيدر، في مقر الحركة، للضغط من أجل زيادة مساعدات إعادة الإعمار وتعزيز دور البلديات في تحديد أولويات الإنفاق، وتعهد رسامني بالعمل على تلبية هذه المطالب داخل الحكومة.

إعادة الإعمار بوابة لتعزيز النفوذ السياسي

يؤكد التقرير أن حزب الله وحركة أمل لا يخفيان سعيهما إلى تقديم إعادة الإعمار باعتبارها جهدًا مشتركًا، ففي مارس 2025 وصف قاسم الملف بأنه مسؤولية مشتركة بين الحزب والحركة مع إسناد التمويل إلى الدولة، كما اعتبر علي حسن خليل القيادي البارز في حركة أمل، أن حشد مؤسسات الدولة لإعادة الإعمار يمثل عملًا مشتركًا، مشيرًا إلى أن الناخبين يحملون الطرفين مسؤولية تأخير التعويضات.

وقال خليل إنهما ضغطا على الوزارات لزيادة تمويل مجلس الجنوب، واعترضا على تمويل البنك الدولي الذي اعتقدا أنه قد يستبعد القرى الحدودية المدمرة، وفي مؤتمر صحفي مشترك عقب اجتماع لجنة الميزانية البرلمانية، نسب خليل الفضل في تأمين مخصصات أولية لإعادة الإعمار إلى ضغوط الكتلتين البرلمانيتين لحركة أمل وحزب الله إلى جانب موافقة وزير المالية، كما وصف حسن فضل الله تلك المخصصات بأنها أول خطوة عملية نحو إعادة الإعمار بتمويل حكومي.

ويستند التقرير إلى دراسات تشير إلى أن الوساطة في الخدمات الحكومية قد تعزز الدعم السياسي للأحزاب اللبنانية، فقد وجدت عالمة السياسة ميلاني كاميت أن الأحزاب اعتادت تسهيل حصول ناخبيها على خدمات استشفاء ممولة حكوميًا، ثم نسب الفضل في هذه المزايا إلى نفسها، كما أظهرت دراسة أجراها كوتا سويتشيكا عام 2026 أن متلقي السلع والخدمات بانتظام من الوكالات الحكومية أو الأحزاب أو المنظمات الأخرى بين مؤيدي حزب الله وحركة أمل أبدوا دعمًا أقوى للحزب في معظم الجوانب مقارنة بمن يحصلون على رعاية محدودة أو لا يحصلون عليها.

ويعتبر التقرير أن بيروت لا تستطيع حرمان المجتمعات الشيعية المتضررة من إعادة الإعمار، لكنه يشدد على أن الصفة النيابية المنتخبة لممثلي حزب الله وحركة أمل لا تمنح أحزابهم حق السيطرة على المساعدات الحكومية أو التوسط في توزيعها.

كما يشير إلى أن الاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل في 26 يونيو، والذي يلزم بيروت بمنع وصول أموال إعادة الإعمار إلى الجماعات المسلحة والجهات التابعة لها، وضمانات برنامج "لياب" التابع للبنك الدولي، لا تمنع الحزب والحركة من نسب الفضل السياسي لأنفسهما في الإنفاق الحكومي المشروع.

ويدعو التقرير إلى أن تتوقف الحكومة عن التعامل مع حزب الله وحركة أمل باعتبارهما بوابة عبور بين الدولة والمواطنين الشيعة، كما يقترح إقالة الرئيس جوزيف عون المستشار المرتبط بحزب الله علي حميه من منصبه في ملف إعادة الإعمار، وتوجيه المشاريع الممولة من الدولة والجهات المانحة عبر هيئات مستقلة تخضع لإشراف الحكومة، بدلًا من المؤسسات ذات النفوذ السياسي.

ويشمل ذلك تمكين السكان من تقديم طلبات التعويض مباشرة، وقبول وثائق بديلة عن شهادات البلديات، وإجراء تقييمات مستقلة للأضرار، وإتاحة الطعن في القرارات، مع نشر سجلات تحدد الجهات الممولة والموافقة والمتعاقدة والمنفذة لكل مشروع.

ويرى المراقبون، أن إعادة الإعمار قد تتحول إلى اختبار حاسم لعلاقة الدولة اللبنانية بحزب الله، فبحسب طرح "ذا ناشيونال إنترست"، قد يؤدي تعزيز قدرة بيروت على تقديم الخدمات إلى تقوية الدولة، لكنه قد يمنح الحزب أيضًا فرصة لتجديد نفوذه إذا نجح في التوسط بين الحكومة والمواطنين ونسب المساعدات إلى نفسه، وبذلك قد تصبح الدولة مصدرًا إضافيًا للمنافع التي يستند إليها الحزب، فتتعزز قدرتها على الإنفاق دون أن تتعزز بالضرورة سلطتها السياسية.

شارك