أكثر من 200 قائد كنسي يطلقون صرخة دولية لإنقاذ مسيحيي الشرق الأوسط من الاختفاء
الثلاثاء 03/نوفمبر/2026 - 11:00 ص
طباعة
روبير الفارس
لم يعد القلق على مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط مقتصرًا على الكنائس المحلية أو المؤسسات المعنية بالدفاع عن الحريات الدينية، بل انتقل إلى مستوى تحرك كنسي دولي واسع، بعدما وقّع أكثر من 200 أسقف وقائد كنسي وشخصية عاملة في المؤسسات الدينية من مختلف أنحاء العالم إعلانًا يدق ناقوس الخطر بشأن التراجع المتسارع للمجتمعات المسيحية في الأراضي التي شهدت نشأة المسيحية وانتشارها الأول.
وجاء الإعلان من مدينة أسيزي الإيطالية تحت عنوان «إعلان مسيحي عالمي: نداء عاجل من أجل المساواة والسلام والعدالة ومستقبل المسيحية في الشرق الأوسط»، بمناسبة مرور 40 عامًا على اليوم العالمي للصلاة من أجل السلام، الذي أطلقه البابا يوحنا بولس الثاني في المدينة عام 1986، في مبادرة تاريخية جمعت ممثلي الأديان المختلفة للصلاة من أجل السلام.
ولا تقتصر أهمية التحرك على عدد الموقعين أو تنوع انتماءاتهم الكنسية، وإنما في الرسالة السياسية والإنسانية التي يحملها؛ إذ يربط الإعلان بين بقاء المسيحيين في الشرق الأوسط وبين مستقبل المنطقة بأكملها، معتبرًا أن تراجع التنوع الديني ليس خسارة لطائفة بعينها، بل مؤشر على إخفاق المجتمعات والدول في توفير العدالة والأمن والمواطنة المتساوية لجميع مواطنيها.
وقد نظمت المبادرة منظمة «كنائس من أجل السلام في الشرق الأوسط» (CMEP)، وهي ائتلاف كنسي أمريكي تأسس عام 1984، ويضم أكثر من 30 كنيسة ومنظمة من تقاليد كاثوليكية وأرثوذكسية وبروتستانتية وإنجيلية، ويعمل على الدفع نحو سياسات تسهم في تسوية النزاعات بالشرق الأوسط، مع اهتمام خاص بالقضية الفلسطينية الإسرائيلية.
من الصلاة إلى التحرك السياسي
يحمل اختيار مدينة أسيزي دلالة تتجاوز البعد الرمزي؛ ففي 27 أكتوبر 1986، دعا البابا يوحنا بولس الثاني ممثلي الأديان المختلفة إلى الاجتماع والصلاة من أجل السلام، في لقاء عُدّ نقطة تحول في مسار الحوار بين الأديان، وأرسى ما عُرف لاحقًا بـ«روح أسيزي»، القائمة على رفض استخدام الدين لتبرير العنف، وتشجيع التعاون بين أتباع الديانات.
وبعد أربعة عقود، تعود المدينة لتكون منصة لرسالة جديدة، لكن هذه المرة في ظل حروب إقليمية متصاعدة وأزمات إنسانية متشابكة، باتت تهدد وجود جماعات دينية وتاريخية بأكملها. وجاء الإعلان بالتزامن مع إحياء الذكرى الأربعين للمبادرة، التي شهدت مشاركة ممثلي 53 دولة، في إطار تجمع دولي للحوار والسلام
واللافت أن الإعلان لم يكتفِ بتوجيه نداء روحي أو دعوة عامة إلى التسامح، بل تضمن مطالب سياسية واضحة، إذ أرسلت الجهة المنظمة خطابًا مرفقًا بالإعلان إلى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما يعكس رغبة الموقعين في نقل القضية من دائرة التضامن الكنسي إلى دائرة الضغط على صانعي القرار الدولي.
العراق وسوريا ولبنان..
تأتي التحذيرات في وقت تواجه فيه المجتمعات المسيحية التاريخية في الشرق الأوسط سلسلة من الأزمات المتراكمة، تختلف من دولة إلى أخرى، لكنها تلتقي عند نتائج متشابهة، أبرزها الهجرة وتراجع أعداد السكان وانكماش المؤسسات الكنسية والاجتماعية.
ففي العراق، ما زالت المجتمعات المسيحية تحاول التعافي من تداعيات اجتياح تنظيم «داعش» لمناطق سهل نينوى عام 2014، وما صاحبه من تهجير واسع وتدمير للقرى والكنائس والمنازل. ورغم عودة بعض العائلات وإعادة إعمار عدد من البلدات، فإن العودة لم تستعد حجم الوجود السكاني الذي كان قائمًا قبل موجات النزوح، فيما لا تزال الهجرة تمثل أحد أبرز التحديات أمام استمرار الوجود المسيحي.
أما في سوريا، فقد تركت سنوات الحرب منذ عام 2011 آثارًا عميقة على المسيحيين، الذين عانوا من النزوح والدمار وتدهور الاقتصاد وانعدام الاستقرار، فضلًا عن تهديدات الجماعات المسلحة في مراحل مختلفة من الصراع. ولم تعد الأزمة مرتبطة فقط بالأمن، بل بقدرة العائلات على توفير التعليم والعمل والخدمات الأساسية، وهي عوامل تدفع أجيالًا شابة إلى البحث عن مستقبل خارج البلاد.
وفي لبنان، تتداخل الأزمة الاقتصادية والسياسية مع المخاوف الأمنية وتداعيات المواجهات العسكرية، الأمر الذي يضاعف الضغوط على العائلات المسيحية ويدفع مزيدًا منها إلى التفكير في الهجرة، رغم أن المسيحيين يمثلون مكونًا أساسيًا في النظام السياسي والتركيبة الاجتماعية اللبنانية.
ويشير الإعلان أيضًا إلى إيران، والقدس، والأراضي الفلسطينية، باعتبارها مناطق تواجه فيها الجماعات المسيحية تحديات تتصل بالحريات الدينية والأمن والقيود على الحركة والأوضاع الاقتصادية.
غزة.. 500 مسيحي في مواجهة الحرب
خصص الإعلان مساحة واضحة للأوضاع في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن عدد المسيحيين المتبقين هناك يقدر بنحو 500 شخص، من إجمالي سكان يتجاوزون مليوني فلسطيني.
وأكد الموقعون أن المسيحيين في القطاع تعرضوا، مثل جيرانهم المسلمين، لخسائر بشرية ونزوح وجوع ودمار واسع نتيجة الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ ثلاث سنوات وفق توصيف الوثيقة.
وتكتسب الإشارة إلى مسيحيي غزة أهمية خاصة، لأن المجتمع المسيحي هناك يمثل واحدة من أقدم الجماعات المسيحية في المنطقة، لكنه أصبح محدود العدد بصورة شديدة، وتعرضت مؤسساته ومرافقه الكنسية والإنسانية لضغوط كبيرة خلال الحرب.
كما دعا الإعلان إلى ضمان حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة في القدس، مؤكدًا ضرورة أن تكون المدينة متاحة لليهود والمسيحيين والمسلمين، وأن يتمكن أتباع الديانات الثلاث من ممارسة شعائرهم الدينية دون تمييز أو قيود تعسفية.
طيّبة الفلسطينية.. جرس إنذار
ومن بين النقاط اللافتة في الإعلان الإشارة إلى بلدة طيّبة الفلسطينية، الواقعة في الضفة الغربية، والتي تعد من أبرز البلدات ذات الغالبية المسيحية في الأراضي الفلسطينية.
وحذر الموقعون من تصاعد اعتداءات المستوطنين على المنازل والأراضي الزراعية وأماكن العبادة في البلدة، معتبرين أن غياب الحماية والمساءلة يهدد مستقبل سكانها، ويقوض ثقتهم في قدرة القانون على حمايتهم.
وتكتسب طيّبة أهميتها من كونها نموذجًا لمجتمع مسيحي لا يزال متجذرًا في أرضه، رغم الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية. كما أن ما يحدث فيها يعيد طرح سؤال مصير البلدات المسيحية التاريخية في فلسطين، في ظل استمرار الهجرة وتراجع قدرة السكان على الصمود.
ولا يتعامل الإعلان مع هذه الاعتداءات باعتبارها شأنًا محليًا منفصلًا، بل يضعها ضمن صورة أوسع تتعلق بمستقبل الوجود المسيحي الفلسطيني، وحق السكان في البقاء بأرضهم وممارسة حياتهم الطبيعية.
لا امتيازات للمسيحيين.. بل مساواة
ومن أهم الرسائل التي حرص الإعلان على توضيحها أنه لا يطالب بامتيازات سياسية أو قانونية خاصة للمسيحيين، ولا يدعو إلى إقامة حماية استثنائية لهم على حساب بقية مكونات المنطقة.
بل يؤكد أن المطلوب هو بناء دول ومجتمعات تضمن الحقوق المتساوية للمسيحيين والمسلمين واليهود والدروز والإيزيديين وسائر الجماعات الدينية والعرقية، دون تمييز بسبب العقيدة أو الأصل أو الهوية.
وفي هذا السياق، أدان الإعلان جميع أشكال الكراهية والتمييز الديني، بما فيها معاداة السامية والإسلاموفوبيا والاضطهاد المعادي للمسيحيين، وكذلك الصهيونية المسيحية، وكل خطاب ديني أو أيديولوجي يقوم على تفضيل جماعة على أخرى أو إنكار الحقوق الإنسانية لأي فئة.
وهنا يطرح الإعلان تصورًا مختلفًا لحماية المسيحيين، لا يقوم على عزلهم عن محيطهم أو تحويلهم إلى جماعات محمية بصورة منفصلة، وإنما على ضمان المواطنة والعدالة وسيادة القانون للجميع.
مناشدة لإعادة الإعمار وعودة النازحين ومحاسبة المسؤولين
لم تتوقف المطالب عند الدعوة إلى وقف الحروب، وإنما تضمنت مجموعة من الإجراءات العملية التي طالب الموقعون الحكومات والمؤسسات الدولية بالعمل على تنفيذها، وفي مقدمتها:
اولا وقف العنف وتسوية النزاعات عبر الدبلوماسية والحلول السياسية المستدامة.
ثانيا ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان.
ثالثا حماية الكنائس وأماكن العبادة والمجتمعات الأكثر تعرضًا للتهديد
رابعا إعادة إعمار المناطق والمؤسسات السكنية والتعليمية والطبية المتضررة، وتعويض أصحاب الممتلكات.
خامسا ضمان حق النازحين في العودة الآمنة والطوعية إلى منازلهم ومجتمعاتهم، إذا رغبوا في ذلك.
سادسا محاسبة الجهات الحكومية وغير الحكومية المسؤولة عن انتهاكات القانون الدولي، وما ترتب عليها من خسائر بشرية ودمار وتهجير.
كما دعا الموقعون الكنائس والمؤسسات المسيحية في العالم إلى تقديم دعم إنساني وتنموي للمجتمعات المتضررة، واستقبال النازحين، ومساندة المؤسسات التي تقدم خدماتها لجميع السكان دون تمييز ديني.
هل تنقذ المناشدات الدولية ما تبقي؟
تكشف هذه المبادرة عن تحول مهم في طريقة تناول المؤسسات الكنسية الدولية لأزمة المسيحيين في الشرق الأوسط؛ فبدلًا من الاكتفاء بالتعبير عن القلق إزاء الهجرة والاضطهاد، باتت هناك محاولة لربط حماية الوجود المسيحي بملفات أكثر اتساعًا، تشمل السياسات الدولية والحروب وإعادة الإعمار والمساءلة القانونية وحقوق الإنسان.
لكن التحدي الحقيقي يظل في تحويل هذه المطالب إلى خطوات قابلة للتنفيذ، خصوصًا أن المسيحيين في عدد من بلدان المنطقة لا يواجهون خطرًا واحدًا يمكن التعامل معه بإجراء منفرد، وإنما أزمات مركبة تشمل انعدام الأمن والتمييز وضعف الاقتصاد وتراجع فرص العمل والتعليم، فضلًا عن الخوف من المستقبل.
والأخطر أن خسارة المجتمعات المسيحية لا تعني فقط انخفاض أعداد المصلين أو إغلاق بعض الكنائس، بل تعني تراجع حضور تاريخي وثقافي واجتماعي تشكل عبر قرون طويلة، وشارك في بناء مدن المنطقة ومؤسساتها التعليمية والثقافية والاقتصادية.
ومن هنا تبدو العبارة الأكثر دلالة في الإعلان تحذيره من أن تتحول الأراضي التي وُلدت فيها المسيحية إلى أماكن لا يعود أبناؤها إليها إلا زائرين، بعدما كانت موطنًا لمجتمعات حية وكنائس وأديرة ومدارس وعائلات متجذرة في تاريخها.
إن رسالة أسيزي لا تطالب العالم بإنقاذ المسيحيين وحدهم، بل تحذر من أن اختفاء أحد المكونات التاريخية للشرق الأوسط هو دليل على اختلال أعمق في مفهوم المواطنة والتعايش والعدالة. فالمعركة ليست فقط من أجل بقاء كنيسة هنا أو جماعة هناك، وإنما من أجل ألا يصبح الشرق الأوسط منطقة تفقد تدريجيًا تنوعها الديني والثقافي، وتتحول إلى جغرافيا بلا ذاكرة مشتركة.
