تخريب قاعة صلاة مارونية. اعتداء جديد يثير المخاوف على الوجود المسيحي في فلسطين

الثلاثاء 03/نوفمبر/2026 - 11:04 ص
طباعة تخريب قاعة صلاة مارونية. روبير الفارس
 
 

لم يعد الاعتداء على الكنائس ورموز المسيحية في الأراضي المقدسة حوادث متفرقة يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد أعمال تخريب عابرة، بل باتت تثير تساؤلات متزايدة حول سلامة المجتمعات المسيحية، ومدى قدرتها على ممارسة شعائرها الدينية بحرية وأمان، في ظل تصاعد وقائع الاعتداء على رجال الدين والمقدسات والممتلكات الكنسية.
وفي أحدث هذه الوقائع، تعرضت قاعة صلاة مارونية في مدينة نهاريا شمال فلسطين اول أمس الأحد 1 نوفمبر 2026، لاقتحام وتخريب من جانب مجهولين، أسفر عن تحطيم تماثيل دينية وتمزيق صور وأيقونات مسيحية، في اعتداء استهدف مكاناً مخصصاً للصلاة لأبناء الجالية المارونية اللبنانية المقيمة في المدينة.

وجاء الاعتداء في عيد جميع القديسين، أحد أبرز المناسبات في التقويم الكنسي، ما ضاعف من وقع الحادث على أبناء الجماعة المارونية، الذين فوجئوا بحجم التخريب لدى وصولهم إلى القاعة استعداداً للصلاة.
ووفقاً للتفاصيل التي أوردتها وسائل إعلام ، اكتشفت إحدى السيدات من أبناء الجالية الواقعة قرابة الساعة الخامسة والنصف مساءً، عندما توجهت لفتح القاعة وتجهيزها للصلاة، لتجد محتوياتها قد تعرضت للتدمير، بما في ذلك الرموز والصور الدينية، وتماثيل ذات قيمة روحية ووجدانية لأبناء الجماعة.
وتقع القاعة في مبنى تابع لبلدية نهاريا، وتستخدمه الجالية المارونية مكاناً لإقامة الصلوات والأنشطة الدينية. ويبلغ عدد أبناء هذه الجالية نحو 1200 شخص، معظمهم من اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل عقب انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، بعد ارتباطهم بجيش لبنان الجنوبي السابق وعائلاتهم.
ووفقاً لتصريحات الأب رودي نورة، راعي الجماعة، فإن ما حدث يمثل سابقة لم تشهدها الجالية خلال نحو 26 عاماً من وجودها في المدينة، مؤكداً أن الرموز الدينية تعرضت للتكسير والتخريب بصورة كاملة تقريباً.
واللافت أن المعتدي ترك ورقة اعتذار باللغة الإنجليزية على المذبح، تضمنت عبارة تفيد بأنه لا يعرف ما الذي دفعه إلى ارتكاب ما فعله. ومع ذلك، لم تتضح حتى الآن هوية الفاعل أو دوافعه، ولم يصدر ما يثبت أن الحادث كان مدفوعاً بكراهية دينية أو استهداف متعمد للمسيحيين.
وأعلنت الشرطة الإسرائيلية فتح تحقيق في الواقعة، مؤكدة أنها تفحص مختلف المسارات للوصول إلى المسؤولين عنها، ومشددة على أنها تتعامل بجدية مع الاعتداءات التي تطال الأماكن المقدسة وحرية العبادة.


  التسامح لا يعني الصمت 

أدان المطران موسى الحاج، راعي أبرشية حيفا المارونية، الاعتداء، معتبراً أنه لا يمثل مجرد إتلاف لممتلكات كنسية، بل انتهاكاً لحرمة مكان مخصص للعبادة واعتداءً على حق المؤمنين في ممارسة شعائرهم بحرية وأمان وكرامة.
وطالب المطران السلطات المختصة والأجهزة الأمنية بالتحرك الفوري لكشف هوية المعتدين وتقديمهم إلى العدالة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية قاعة الصلاة ومنع تكرار مثل هذه الحوادث.
وأكد أن أبناء الجماعة لن يتراجعوا عن حقهم في الصلاة، وأنهم سيواصلون استخدام القاعة وإقامة شعائرهم الدينية رغم ما تعرضت له، مشدداً على أن الاعتداء لن ينجح في ترهيبهم أو إبعادهم عن ممارسة إيمانهم.
وقال في موقف يعكس تمسك الكنيسة بالسلام دون التفريط في الحقوق: «إننا لا نواجه الإساءة بالإساءة، ولا التخريب بالكراهية»، مضيفاً أن «التسامح لا يعني السكوت عن الاعتداء، والمحبة لا تعني التنازل عن الحق».
ويحمل هذا الموقف دلالة تتجاوز إدانة الحادث نفسه؛ إذ يضع السلطات أمام مسؤولية حماية حرية العبادة، باعتبارها حقاً أصيلاً لا ينبغي أن يخضع لانتماء ديني أو طائفي، كما يطرح ضرورة الانتقال من بيانات الاستنكار إلى المحاسبة الفعلية.

  تصاعد الانتهاكات ضد المسيحيين

تكتسب واقعة نهاريا أهمية أكبر عند وضعها في سياق الاعتداءات التي وثقتها مؤسسات كنسية وحقوقية خلال السنوات الأخيرة في إسرائيل والقدس الشرقية، والتي شملت رجال دين وراهبات وكنائس وأديرة ورموزاً مسيحية في الأماكن العامة.
ومن أبرز المؤشرات على ذلك تقرير مركز روسينغ للتربية والحوار، الصادر في مارس 2026، بشأن الاعتداءات على المسيحيين في إسرائيل والقدس الشرقية خلال عام 2025.
ورصد التقرير 155 واقعة اعتداء أو مضايقة بحق المسيحيين خلال العام، شملت اعتداءات جسدية وإهانات لفظية وتخريب ممتلكات كنسية وتشويه رموز مسيحية. ومن بين هذه الوقائع 52 اعتداءً على ممتلكات كنسية، فيما سجل التقرير 28 حالة مضايقة لفظية، بأكثر من ضعف الحالات المسجلة في العام السابق.
وأشار التقرير إلى أن الاعتداءات لا تقتصر على العنف المباشر، بل تتخذ أحياناً صورة مضايقات يومية متكررة تجعل رجال الدين والمسيحيين يشعرون بأن وجودهم في بعض المناطق أصبح غير مرحب به، خصوصاً في جبل صهيون والحي الأرمني بالقدس.
وحذر المركز من أن تكرار هذه الوقائع، حتى عندما تبدو كل واقعة منفردة محدودة، يؤدي مجتمعة إلى خلق مناخ من الإقصاء والضغط النفسي، وقد يدفع المسيحيين إلى إخفاء هويتهم الدينية أو التفكير في مغادرة المنطقة.
ولفت التقرير أيضاً إلى أن عدداً من رجال الدين الذين تحدثوا إلى الباحثين اشتكوا من إغلاق كثير من ملفات الاعتداءات دون محاسبة المسؤولين عنها، وهو ما يثير تساؤلات حول فاعلية الردع القانوني.

اعتداءات أخرى 

لم تكن واقعة نهاريا الأولى من نوعها خلال عام 2026، فقد شهدت القدس وعدد من المناطق المحيطة بها حوادث أثارت استنكاراً كنسياً ودولياً. منها  الاعتداء على راهبة قرب البلدة القديمة بالقدس
في أبريل 2026، تعرضت راهبة لاعتداء جسدي قرب جبل صهيون، بالقرب من البلدة القديمة في القدس، بعدما أقدم رجل على مهاجمتها، في واقعة وثقتها كاميرات المراقبة.
وأعلنت الشرطة الإسرائيلية اعتقال رجل يبلغ 36 عاماً للاشتباه في ارتكابه الاعتداء بدافع عنصري، بينما وصف مدير المدرسة الفرنسية للآثار الكتابية، أوليفييه بوكيو، الحادث بأنه اعتداء ذو طابع طائفي.

وأعادت الواقعة تسليط الضوء على المخاطر التي يتعرض لها رجال الدين والراهبات في القدس، خصوصاً مع تكرار حوادث البصق والإهانة والاعتداء الجسدي على من يرتدون الزي الكنسي.

تحطيم تمثال السيد المسيح في جنوب لبنان

وفي أبريل 2026، أثارت صور جندي إسرائيلي وهو يحطم تمثالاً للسيد المسيح المصلوب باستخدام فأس في جنوب لبنان موجة استنكار واسعة، بعدما انتشرت الصور على نطاق دولي.
وأثارت الواقعة غضباً في الأوساط المسيحية، باعتبارها اعتداءً على رمز ديني مقدس، فيما أعلنت السلطات الإسرائيلية إدانة تصرف الجندي والتعهد باتخاذ إجراءات تأديبية بحقه.
وتكتسب هذه الواقعة أهميتها من كونها لم تستهدف مبنى كنسياً فحسب، بل طالت رمزاً دينياً مركزياً لدى المسيحيين، في منطقة شهدت تدميراً ونزوحاً واسعاً بفعل الحرب.

الاعتداءات على الحي الأرمني في القدس
شهد الحي الأرمني في القدس خلال السنوات الأخيرة توترات واعتداءات طالت رجال دين وأفراداً من المجتمع الأرمني، على خلفية النزاع حول أرض «حديقة الأبقار» (Cows' Garden)، وهي مساحة تمثل جزءاً مهماً من الحي الأرمني.
وفي ديسمبر 2023، تعرض رجال دين وأفراد من المجتمع الأرمني لاعتداءات جسدية خلال احتجاجات مرتبطة بالنزاع على الأرض، كما شهد الموقع توترات جديدة في أبريل 2024، مع دخول ممثلين عن شركة مرتبطة بمشروع استثماري إلى الموقع ومحاولات إزالة منشآت أقامها أفراد من المجتمع الأرمني.
وأثارت القضية مخاوف من تراجع الوجود الأرمني التاريخي في القدس، وتحول النزاعات العقارية إلى مصدر ضغط على واحدة من أقدم الجماعات المسيحية في المدينة.

 الاعتداءات المتكررة على رجال الدين والكنائس

وثق تقرير مركز روسينغ لعام 2024 نحو 111 اعتداءً وواقعة عنف ضد المسيحيين في إسرائيل والقدس الشرقية، بينها 35 واقعة تخريب طالت كنائس وأديرة وإشارات دينية مسيحية عامة، إلى جانب اعتداءات جسدية ومضايقات لرجال الدين.
وتشير هذه الأرقام، عند مقارنتها بحصيلة 155 واقعة في عام 2025، إلى ارتفاع بنحو 40% في الاعتداءات الموثقة، وهو ما يعزز المخاوف من تحول الظاهرة إلى نمط متكرر بدلاً من بقائها حوادث استثنائية.

 مستقبل الوجود المسيحي

لا تتوقف خطورة الاعتداء على قاعة الصلاة في نهاريا عند الخسائر المادية أو تحطيم التماثيل والصور، بل تمتد إلى التأثير على شعور الجماعة المسيحية بالأمان والانتماء، خصوصاً أن المكان يمثل مساحة دينية واجتماعية لأبناء جالية لبنانية عاشت في المدينة لأكثر من ربع قرن.
فحين يصبح دخول الكنيسة أو ارتداء الزي الكنسي أو حمل الرموز الدينية سبباً محتملاً للتعرض للإهانة أو الاعتداء، فإن الأمر يتجاوز الجريمة الفردية إلى تهديد حق جماعة دينية في الوجود العلني وممارسة شعائرها دون خوف.
وتزداد خطورة ذلك بالنسبة إلى المسيحيين في الأراضي المقدسة، الذين يواجهون بالفعل تحديات ديموغرافية واقتصادية وسياسية، فضلاً عن تداعيات الحروب والهجرة وتراجع فرص العمل والاستقرار.
وكان مركز روسينغ قد أشار في تقاريره إلى أن تصاعد الاعتداءات والمضايقات يساهم في شعور قطاعات من الشباب المسيحي بأن مستقبلهم في المنطقة أصبح غير مضمون، وأن استمرار التمييز والعنف قد يدفع مزيداً منهم إلى الهجرة.
ومن ناحية أخرى، فإن تكرار الاعتداءات على الرموز المسيحية يضعف الثقة في قدرة المؤسسات الرسمية على توفير الحماية المتساوية لجميع المواطنين، ويثير تساؤلات حول جدية تطبيق القوانين عندما يتعلق الأمر بالاعتداء على أماكن العبادة.

 بين التسامح والمحاسبة

تكشف واقعة نهاريا عن مفارقة مهمة؛ فالمطران موسى الحاج يؤكد أن المسيحيين لن يواجهوا التخريب بالكراهية، وأنهم سيواصلون الصلاة في المكان نفسه، لكن هذا الموقف لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتجاهل المسؤولية القانونية أو الاكتفاء بالاستنكار.
فالتسامح الذي تعلنه الكنيسة لا يعفي السلطات من واجبها في التحقيق والمحاسبة، كما أن ترك الاعتداءات دون عقاب قد يشجع على تكرارها ويمنح المعتدين شعوراً بالإفلات من المساءلة.
والاختبار الحقيقي في قضية نهاريا لن يكون فقط في إصلاح ما تم تحطيمه داخل قاعة الصلاة، وإنما في الكشف عن هوية المعتدي ودوافعه، وإعلان نتائج التحقيق، وضمان ألا تتكرر الواقعة مع جماعة دينية أخرى.
فحماية الكنائس والمعابد والمساجد ليست امتيازاً تمنحه السلطات لأتباع دين بعينه، وإنما التزام قانوني وأخلاقي تجاه جميع المواطنين.
وفي أرض شهدت ميلاد المسيحية، لا يمكن الحديث عن التعايش الديني بينما يشعر بعض المؤمنين بالخوف من دخول أماكن عبادتهم أو إظهار رموز عقيدتهم. وستظل رسالة أبناء الجالية المارونية في نهاريا، بإصرارهم على العودة إلى الصلاة رغم التخريب، اختباراً لمدى احترام حرية العبادة على أرض تتعدد فيها الأديان والمقدسات.

شارك