أمين يكن.. "مهندس التنظيم" لإخوان سوريا في الستينيات

الإثنين 16/ديسمبر/2019 - 11:15 ص
طباعة أمين يكن.. مهندس
 
أمين بن عبد الرحمن يكن، (1937- 16 ديسمبر1999) من أعلام جماعة الإخوان المسلمين في سورية وقادتها البارزين، نائب المراقب العام للجماعة، وقعت على عاتقه قيادة الجماعة في سورية خلال الفترة الممتدة من عام 1963 ولغاية عام 1975، تعرض للملاحقة والاعتقال والاغتراب خلال حياته السياسية، لعب دوراً هاماً في محاولات التهدئة بين النظام السوري و الإخوان المسلمين في سورية في نهاية السبعينيات و في نهاية التسعينات من القرن العشرين، ونجم عن وساطته إطلاق سراح عدد كبير جداً من المعتقلين السياسيين من جماعة الإخوان المسلمين ومن عناصر الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين، تم اغتياله من قبل جهة مجهولة.

نشأته وسماته الشخصية:

أمين يكن
أمين يكن
ولد أمين بن عبد الرحمن يكن عام 1937 في مدينة حلب في سورية من أسرة حلبية عريقة، ونسبة (يكن) تؤكد أن أسرته على صلة قرابة وثيقة بالسلاطين العثمانيين. كانت ولادته ونشأته في قناق (قصر) آل يكن في حي باب النصر قرب المدرسة العثمانية في حلب، وهي مدرسة كبيرة وشهيرة أنشأها جدّه الوزير عثمان باشا يكن (والي دمشق ثم حلب ثم مصر وأخيراً مشيخة الحرم المكّي) وتعدّ أوقافها من أضخم الأوقاف الإسلامية في سورية، نشأ وترعرع في كنف عائلة ثرية والتحق بمعهد حلب العلمي(الكلّية الأميركية) ورغم ذلك التزم بالسلوك الإسلامي وانتسب للحركة الإسلامية، كان مؤثراً بزملائه مقرباً من أساتذته، واستطاع إقناع الإدراة أن تخصّص مكان لمسجد في المدرسة، كما استطاع أن يقنع مديرية المعارف باستبدال كتاب التاريخ الذي اكتشف فيه ورود فقرة باللغة الإنكليزية تقول أن "فلسطين هي الموطن الأصلي لليهود"، مما يدل على وعيه السياسي منذ صغره، تابع دراسته الجامعية في كلية الحقوق بجامعة دمشق.

انتسابه إلى جماعة الإخوان المسلمين:

انتسابه إلى جماعة
انتسب الشاب أمين يكن وهو في السادسة عشرة، إلى جماعة الإخوان المسلمين، وانخرط في العمل الدعوي على جميع المحاور، وقدّمه تميّزه بالجدية والحزم والذكاء على المستويين التنظيمي والعام إلى مواقع متقدمة في الجماعة وجمع حوله مجموعة متميزة من الشباب الواعي من أبناء المدينة وأبناء الريف شكلت نواة لتكتلٍ إخوانيٍ في غاية التنظيم.

تسلّم أمين يكن زمام قيادة الجماعة من 1963-1975:

الشيخ عبد الفتاح
الشيخ عبد الفتاح أبو غدة
بعد انقلاب الثامن من مارس عام 1963، واستلام حزب البعث السلطة، توجهت جماعة الإخوان المسلمين إلى إعادة تنظيم صفوف أبنائها على أسس جديدة تتلاءم مع طبيعة المرحلة. وقد أدت سياسات القمع التي مورست على الجماعة إلى انسحاب الكثير من القيادات التقليدية إلى الظل، ليحتل المواقع المتقدمة قيادات شابة. وقد كان أمين من هذه القيادات حيث وصل إلى موقع نائب المراقب العام بما ناله من ثقة وإعجاب قيادات الجماعة، وعلى رأسهم الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله، الذي كان يرى فيه نموذجاً للداعية العامل، ويضع فيه قدراً كبيراً من الثقة. بدأ المرحوم أمين مع حداثة السن يضع الأسس المتينة والراسخة لتنظيم إسلامي قوي الدعائم، واضح الأهداف محدد الأساليب والآليات. وقد استطاع خلال عشر سنوات، مع إخوانه، أن يبني تنظيماً قوياً في ظروف شديدة القسوة يخيّم فيها الاستبداد على القطر من أدناه إلى أقصاه. كان المرحوم (أمين) نائباً للمراقب العام للجماعة، وقد اضطر المراقب العام بسبب الظروف السياسية المشار إليها، وبسبب استهدافه وسائر القيادات السياسية التقليدية إلى مغادرة القطر إلى لبنان ومن ثم إلى ألمانيا حيث استقر هناك، وكان لهذا الوضع الاستثنائي دور في إلقاء كامل العبء على كاهل الشاب الذي احتل موقع نائب المراقب العام.

الخلاف وانقسام الجماعة:

عصام العطار
عصام العطار
من أهم أسباب الخلاف الذي حصل بين أمين يكن وعصام العطار، مغادرة العطار لسورية عام 1963 بعد تسميته مراقباً عاماً بفترة وجيزة في ظروف أحوج ما تكون فيها الجماعة للمراقب العام، واصطحب معه كامل ملفّات الجماعة، وفسّر البعض موقف العطار أن طبيعته الشعبوية، لا تنسجم مع المرحلة السرية التي تمر بها الجماعة، ومن أسباب الخلاف أيضاً موافقة العطار على دخول الجماعة في العمل المسلح دون الرجوع لرأي القادة على الأرض في سورية وعلى رأسهم يكن الذي رفض هذا الأمر بشكل قاطع، وقال الأستاذ عدنان سعد الدين أن بعض الإخوان قد أخذ على الأستاذ عصام بما فيه أعضاء المكتب التنفيذي الذي كان رئيساً له، أنه يتجاوز المؤسسات الاخوانية لقيادة شعبية يكون هو على رأسها. ويعتبر الشيخ سعيد حوّى أن هذا الانقسام قد جاء على خلفية الخلاف على عدة مسائل منها: مسألة السرّية والعلنية للجماعة، وما موقف الجماعة من مسألة تسليح الجماعة وتدريب كوادرها عسكرياً، وأخيراً حصل خلافٌ بين المراقب العام عصام العطّار الذي يعيش في ألمانيا ونائبه أمين يكن الموجود في حلب حول الفكرة التي طرحها الشيخ مروان حديد وقبِلها العطّار وهي موضوع مشاركة التنظيم السوري في معسكرات فتح الفدائية في الأردن والتي رفضها أمين يكن جملةً وتفصيلاً.

اعتقاله عام 1969:

عبد الغني سعداوي
عبد الغني سعداوي
في عام 1969، اعتقل أمين في حلب، نتيجة انكشاف حلقة من حلقات التنظيم في مدينة إدلب.. وقادت التحقيقات أجهزة الأمن إلى رأس التنظيم أمين يكن. وكان من الممكن لو ضعف، أن يفدي نفسه بالاعتراف على بعض إخوانه، وكان اعترافه سيمثل انهياراً كاملاً للتنظيم في حينها إذ كانت جميع الأوراق بيده، ولكنه صبر صبر الرجال، حتى يئس المحققون، من أن يحصلوا منه على شيء، فخرج من السجن ليعود إلى موقعه في قيادة الجماعة بهمة عالية. وهذا ما أكد عليه عبد الغني سعداوي (محافظ حلب حينها) في معرض حديثه عن أمين يكن أن سبعة من خيرة الضباط والمحققين في الشعبة السياسية قد تفرّغوا للتحقيق معه فور اعتقاله ولعدة أشهر فلم يستطيعوا أن يحصلوا منه على أي معلومة تفيدهم.

مغادرته سورية وحياته في المهجر:

عدنان سعد الدين
عدنان سعد الدين
اضطر أين يكن أخيراً أن يغادر سورية.. وكانت مغادرته في غاية الخطورة في وقت كانت القبضة الأمنية على أشدّها.. حيث رافقه مجموعة من الشباب وأعانوه على ذلك عن طريق لبنان وبعون مباشر من الداعية فتحي يكن مؤسس الجماعة الإسلامية في لبنان وأمينها العام، بعد فترة من الملاحقة والاغتراب آثر أمين يكن الابتعاد عن الساحة السياسية والسعي للعودة إلى سورية، فدعا كلً من عبد الفتاح أبو غدة، وعادل كنعان و فوزي حمد،  وغيرهم من قيادات الجماعة إلى بيته في بيروت لاختيار مراقب عام للجماعة لتعذر استمراره بقيادة الجماعة داخل سورية كونه أصبح معروفاً للسلطة، ورتب الأمور ليستلم عبد الفتاح أبو غدة موقع المراقب العام للجماعة، إلا أن أبو غدة اعتذر في اللحظة الأخيرة رغبةً منه بالتفرغ للأعمال العلمية والتأليف فتسلّم القيادة عدنان سعد الدين.

عودته إلى سورية:

الرئيس حافظ الأسد
الرئيس حافظ الأسد
في أواخر عام 1976 وبالتنسيق التام مع القيادات الإخوانية، عاد أمين يكن سراً إلى سورية وتوارى عن الأنظار وبدأ السعي لإغلاق ملفّه لدى السلطة ودفع بالأعيان من أقرباءه وأصدقائه للتوسط لدى القيادة السورية لإجراء تسوية لوضعه على اعتباره قرر أن يعتزل العمل السياسي، فتم الوعد بالموافقة شريطة وضعه قيد الإقامة الجبرية، ودرس ملفّه الرئيس حافظ الأسد شخصياً ثم أصدر قرار العفو الذي وعد به شريطة اعتزاله العمل السياسي، وعاد أبو عابد إلى حلب وسط احتفاء شعبي كبير في حلب وريفها دام قرابة الشهر.. وقد وفى بشرط عودته فلم يتسلم أي موقع تنظيمي مباشر أو غير مباشر، ولكن ظلت عينه على البناء الذي أشرف على بنائه.

رفضه تورط الجماعة في العنف والعمل المسلح:

لقد حصّن أمين يكن و من معه من قيادات الصف الأول الجماعةَ خلال عقد و أكثر، بما كانوا يتمتعون به من بصيرة و حزم و رؤية سياسية بعيدة المدى، في مواجهة دعوات جانبية كان يحملها أشخاص يعيشون على الهامش و يحاولون زج الجماعة في معارك لم تكن قطّ من رؤيتها و لا من منهجها منذ تأسست على يد الدكتور السباعي رحمه الله. و حول هذا الجانب بيّن الأستاذ محمد فاروق البطل أنه اندفع البعض في إعلان الجهاد، واستنفار الشباب للتدريب و الاستعداد، كان للجماعة موقف راشد، وعارض أبو عابد أمين يكن، في رأيي إن هذا الموقف يشهد للأخ أبي عابد برجاحة العقل، وبعد النظر، وعمق التفكير، وشدة الغَيْرة على مستقبل الجماعة وسلامتها، والخوف على أبنائها مِن أن يُستدرَجوا لمعركة غير متكافئة، ولعمل ليس من منهج الجماعة، ولا مِن خطتها، ولا مِن فكرها، ولم يسبق في تاريخها أن فعلت مثله إلا جهاداً في أرض فلسطين في مواجهة الغزاة من اليهود و المستعمرين. و لقد أصبح هذا الأمر معروفا لقادة الأجهزة الأمنية حق المعرفة، خصوصا بعد اعتقال "حسني عابو" الرجل الثاني في "الطليعة المقاتلة"، واعترافه بعد الاعتقال بأن "أمين يكن" قد رفض رفضاً قاطعاً لتلك الأفكار عندما عرضها عليه بعض أفراد الطليعة عقب عودته إلى حلب عام 1976. وكانت وجهة نظر الأستاذ أمين حول رفض العنف والعمل المسلح نابعةً من إيمانه بالحوار وقناعته التامة بعدم جدواه بين أبناء الوطن وبأن اللجوء للعنف سيكون ذريعةً للأنظمة الحاكمة ولأعداء الإسلام من الغرب والشرق يبررون به قيامهم بالعنف المضاد واعتقال وتشريد وقتل الشباب المسلم.

أحداث الثمانينيات في سورية:

وقعت الجماعة في أعمال العنف التي بدأت فردية منذ عام1975، ثم انتقلت إلى جماعية في عام1979، ونتيجة لإعلان السلطة بعد عملية المدفعية التي نفذها مجموعة من الشباب بإشراف ضابط حزبي، الحرب على الجماعة وأفرادها في الداخل والخارج، في بيان رسمي أصدره وزير الداخلية عدنان دباغ آنذاك، ولم ينفع في دفع التهمة عن الجماعة أنها أصدرت بياناً رسمياً أعلنت فيه عدم علاقتها بالعملية الأليمة. كان هذا الحادث بمثابة الصدمة أمين يكن، وكان يرقب هذه الأحداث بعين دامعة وقلب كسير، ولا يفتأ يرسل الرسائل الشفوية لمن عرف من إخوانه ليخلي الساحة، ويغادر البلد، ناصحاً بعدم التورط في أعمال العنف أو الاستسلام للاعتقال. كانت المغادرة هي نصيحته التي ادّخرها  لكثير ممن يثق به من الإخوان استبقاءً وإشفاقاً، فقد كان يقرأ بعين بصيرته نتائج الأحداث وتداعياتها.

قيامه بالوساطة بين الحكومة السورية والجماعة في بداية الثمانينيات:

وبعد أن استطارت نار العنف، واشتد أوارها، وكثر ضحاياها من أبناء الشعب السوري.. توجهت النية الرسمية ممثلة في شخص الرئيس حافظ الأسد إلى البحث عن مخرج يضع حداً لدوامة العنف، ويقي البلد مخاطر فتنة لن تكون أبداً في مصلحة الوطن. وكان أمين يكن هو الشخص الأول المؤهل لهذه المهمة، فهو في عين السلطة القيادي البارز المعتدل في جماعة الإخوان المسلمين الذي كان له الدور الكبير في بناء التنظيم وامتداده ولقناعتهم بأنه مؤثر جداً ومسموع الكلمة ويحظى باحترام رجالات الجماعة على امتداد سورية وخارجها ومعروف بإيمانه بالحوار البنّاء ورفضه لجميع أشكال العنف بين أبناء الوطن... وهو من القادة الأبرار للجماعة في عين أقطابها وعلمائها ورجالاتها، أضف إلى أنه رجل المهام الصعبة، ولا يمكن أن يفرّط بحقوق الجماعة وأهدافها وبنائها الذي كان له فيه باع طويل. وتحمّل أمين المسؤولية بأمانة وقوة، ولعب دور الوسيط الناصح والمشفق، فكانت لقاءاته تتم مباشرة مع الرئيس حافظ الأسد من جهة ومع قيادة الجماعة من جهة أخرى، مما أدى إلى حالة من التوافق قادت إلى إطلاق سراح المئات من أعضاء التنظيم الإخواني وقياداته، في توجّه حقيقي لحل الأزمة، وتدارك ما فات، والعودة باللحمة الوطنية إلى واقعها المنشود.

إجهاض مبادرة الوساطة والمصالحة:

يقول علي صدر الدين البيانوني أن "الإخوان قد استجابوا لهذه المبادرة، وأبدوا استعدادهم للحوار وبدأت الإفراجات فعلاً، وتحدّث الرئيس حافظ الأسد في 8 مارس، ووصف جماعة الإخوان المسلمين أنها جماعة صالحة وطنية، وأن قلّة قليلة حملت السلاح وبدأت الإفراجات فعلاً، لكن فجأةً توقفت في منتصف شهر مارس عام 1980م وبدأت اعتقالات من جديد، وبدأ تمشيط المدن ومحاصرتها من جديد فتوقفت هذه المبادرة، إذ كان ثمة رجال نافذون في بنية النظام ينظرون بريبة إلى جهود أمين، ويرفضون البحث عن مخرج للأزمة الوطنية، فقد كانوا يرون في (القمع الثوري) الوسيلة الأجدى لحل المشكلة.. وكانوا يرددون بأن الفرصة قد حانت لاستئصال التيار الإسلامي من سورية فلا يجوز أن تضيع، وبالتالي فقد اندفعت فصائل خاصة تابعة لشخصيات معروفة لتنفيذ سياسة الأرض المحروقة في محافظات حماة وحلب وإدلب. ويقال أن "رفعت الأسد" أفشل المبادرة، عندما أعدم حسني عابو وعدداً من إخوانه، ذكر ذلك أكثر من مسؤول في النظام بعد أن طرد "رفعت" من الحكم. وقد نجحت وساطة الأستاذ أمين يكن بإطلاق سراح المعتقلين، وتخفيف حدة التوتر في البلد، وبدأ الناس يتكلمون عن عودة السلم الأهلي إلى سورية، لكن أطرافاً أمنيةً في السلطة أجهضت الوساطة، التي كان مقدراً لها أن تقتل الفتنة في المهد، ولتدخل سورية، بعد ذلك، في نفقٍ مظلم، لم تستطع الخروج منه، وحتى الآن"

اغتياله:

في يوم الخميس 16 ديسمبر 1999، اغتيل أمين يكن على يد مجموعة مسلّحة، نَصَبَتْ له كميناً قُبيل الإفطار ببضع دقائق. شيّعه أهالي حلب بجنازة مهيبة، ودفن في مرقد عائلة آل يكن في جامع العثمانية ولازال يكتنف ظروف وفاته الكثير من الغموض.

شارك