محاصرة «الوحي».. وغلق أبواب الاجتهاد
السبت 01/فبراير/2014 - 07:40 م
طباعة
سعيد شبار
إن كتاباً نزل إلى العالمين، إلى الناس كافة على امتداد أزمنتهم وأمكنتهم، لابد وأن يبقى مفتوحاً للأجيال تنهل منه على اختلاف بيئاتها وأزمانها، ولو كان ذلك بأقدار ونسب متفاوتة. والمقدار الذي يبلغه كل جيل هو المطلوب منه شرعاً إذا تم بذل الوسع والجهد وإخلاص النية والقصد. وإن من الأخطاء الكبيرة وبدايات الانحراف في الفهم والاستمداد، أن تعمد مدارس أو فرق واتجاهات إلى محاصرة الوحي بأفهامها، فلا تسمح له بالامتداد إلا بمقدار ما تسمح به عقولها ومداركها، فتحرم بذلك عقولاً أخرى من حظها في الفهم وتصادر حقها في الرأي والاجتهاد، ومن تلك الأخطاء أيضاً إحاطته بقيود وضوابط اجتهادية، وحمل ألفاظه ومعانيه على تخصصات مدرسية معينة بالشكل الذي يحجب الدلالات المنفتحة والمستوعبة لتلك الألفاظ والمعاني. وما كان لهذا الدين أن يغادر الجزيرة العربية إلى غيرها من العوالم الرحبة ويحقق عالميته الأولى لو سادته هذه الأفهام في صدره الأول. لكن ساده منهج الأخذ والاستمداد العملي المتبصر الذي يأخذ ليتحرك ويترك باب الأخذ مفتوحاً لهدايات الوحي غير المنقطعة.
إنَّ مشكلة إدراك العلاقة بين شمولية وكونية واستيعابية الخطاب الإلهي وبين محلية وجزئية الفهم والتنزيل البشري تستوجب إعادة النظر في جملة من المفاهيم والمصطلحات التي استعملت قديماً وتستعمل حديثاً بأوجه وأشكال مختلفة تصل حد التنافي والتضاد، خاصةً إذا أضفنا إلى ذلك تأثيرات الوافد والدخيل وما أدخله من التشويش والتلبيس على هذه المفاهيم. حيث يقتضى الامر التركيز من جهة على إبراز الجانب الشرعي الذي غالباً ما كان يدمج في إصلاحات المدارس وتحديداتها وضوابطها وما لذلك من تأثير على الاستعمالات المتأخرة، بل على مناهج التكوين والتربية في الأمة وعلى نظام الثقافة والمعرفة فيها. ثم التركيز من جهة أخرى على ضبط المفاهيم الوافدة، بتحديد درجة النفع أو الضرر فيها وبتتبع مآلاتها وآثارها.
د. سعيد شبّار
دراسة في الأسس المرجعية والمنهجية
الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر
