اللاعنف والخراب العاجل (1)

الخميس 27/فبراير/2014 - 08:31 م
طباعة
 
سبق نشر هذا الموضوع على حلقات بدأت بتاريخ 23/4/2009، تناولت فيه إرهاصات الإخوان مع الأمريكان مع شباب الثورة السلمية وتعاونهم المبكر، ولم يكن معلوما لنا علم اليقين بُعد هذه العلاقة الغريبة التي تكشّفت بعد ثورة يناير وبعد ثورة 30 يونيو، وكتبت الموضوع ردّاً على الدكتور فتحي أبو حطب، الذي كان ينظّر للتغيير اللا عنيف -على شبكة الإخوان المسلمين المعروفة باسم "إسلام أون لاين" - ورأيت أن إعادة نشر الموضوع اليوم يوضح كثيرا مما لم يكن واضحا، وأن المسألة قد بدأت مع تاريخ نشر هذا الموضوع على شبكة الحوار المتمدن في عام 2009.
إن لكل لفظة في أيّة لغة مدلولاً محدّداً يتصوره الذهن ويعرف معناه، لكن في عصر بذاته - محدّد زمنياً ومكانياً أيضاً بذاته - وله سماته المميزة، لأن اللفظ يكتسب مدلوله من الخبرة بالمكان والزمان والبيئة ودرجة التحضر ومكونات المجتمع وأنماطه الاقتصادية، فإذا تغير المكان والزمان واستمرت اللفظة قائمة لم تندثر، فإنها لا بد وأن تكتسب مدلولاً جديداً يليق بهذه المتغيرات، فاللفظة حقيبة نضع فيها ما نشاء وما نحتاج إليه من أفكار ومعان ودلالات ومفاهيم، ويمكننا الإضافة إليها وكذلك يمكننا الحذف منها وفق آليات المتغير الموضوعي، وربما تستمر اللفظة هي هي لكن مضمونها لا بدّ أن يتغير، كذلك دلالاتها وما نفهمه منها، كذلك يمكن أن تختفي هذه الحقيبة بالمرة وأن تظهر حقائب أخرى جديدة، وعليه فإن أي نص تم تدوينه في زمن ومكان بعينه، فقد تمّت صياغته وصبّه في قالب "زمكانه" - الزمان والمكان - فينطبع بطابع ثقافة مجتمعه وتقاليده وعاداته وسلوكيات أهل زمانه وقيمهم وقواعدهم الحقوقية. 
ولا يمكن إدراك الفهم الحقيقي لدلالات أي نص عبر استخدام ثقافة مختلفة عادة ما تؤدي إلى نتائج زائفة ومضللة، لأن النص هو حفرية لغوية تحمل صورة حية لمجتمعها الذي صاغها ومحيطها البيئي وزمانها، ومع التطور تظهر ألفاظ وتعبيرات جديدة، مع ظهور الجديد دائماً في حياة البشر من كشوف ومخترعات وعلوم طبيعية وإنسانية وقيمية وقانونية وأخلاقية.. إلخ، وتحمل هذه الألفاظ الجديدة تاريخ ميلادها بدلالات زمن نحتها أو تخليقها، لتضاف من بعد إلى المعجم اللغوي لأصحابها ومخزونهم المعرفي، وتظل مستمرة لتحمل دلالات جديدة أو تتغير أو تختفي من اللغة.
مع التسارع الهائل في الكشوف والمتغيّر التطوري الصاعد للبشرية، حدث ذات التسارع على مستوى اللغة - ميلاداً وموتاً وتطوّراً - ففي مصر كانت هناك ألفاظ أساسية يعرفها الجميع لارتباطها بطبيعة البلد الزراعية زماناً ومكاناً وبيئة، ظلت معلومة حتى لأبناء جيلي، لتختفي من بعد مع ظهور الميكنة الزراعية المتطورة، وذلك مثل كلمات: "الشادوف" و"الطنبور" و"النورج"، لن تجد من يعرفها من أبناء القرية المصرية اليوم، فقد اختفى اللفظ باختفاء الشيء، فكان الشادوف والطنبور لرفع المياه وهو ما لم تعد له حاجة مع مكائن الرفع، واختفت كلمة النورج باختفاء النورج الذي كان آلة بدائية تفصل القشور عن الحبوب، لكن زمن النورج والشادوف والطنبور لم يكن أحد يعلم معنى كلمة تليفزيون أو كمبيوتر أو ريموت كنترول لأنه لم يكن عرف بعد في بلادنا. 
وغير أسماء الأشياء هناك التعبيرات ذات الدلالات المعنوية، وذلك مثل "علاقة شريفة" بين ذكر وأنثى، فهي عندنا تعني عقد نكاح علني بين الزوج - الذي عليه دفع أجر المرأة مهراً مفروضاً شرعاً - وبين وليّ المرأة، بينما ذات التعبير في مكان آخر بالغرب في ذات الزمان يحمل دلالة مختلفة تماماً، فهو تراض بين ذكر وأنثى ولا دور للمجتمع ولا للدين بالمنع أو بالسماح أو لتشريف العلاقة أو لتبخيسها، لأن الدلالة الجديدة ليست حلالاً أو حراماً بقدر ما هي شأن شخصي لا دخل للدين أو المجتمع به، بل إن مهمة المجتمع حمايتها ورعايتها، فدلالة العلاقة الشريفة في الغرب تقوم على حرية الاختيار والتراضي التي هي عندهم قدس الأقداس. 
وقياساً على ما سلف لا يعود هناك أي معنى للقاعدة الفقهية التي تقول: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، والتي ربما جازت في التعميم على زمانها، لكنها لا تصح بالتعميم على كل مكان حتى في زمنها، وطالما أن الإسلام قد ظهر في جزيرة العرب وبلغتهم في القرن السابع الميلادي، وحتى نفهم مقاصده الحقيقية، فلا بدّ أن نتعامل مع الألفاظ بدلالات زمنها، كما كان يفهمها أهل مكانها البيئي وظرفهم الاجتماعي والاقتصادي، وليس كما يشرحها لنا وعاظ أيامنا ليحمّلوها بدلالات لم يقصدها السلف ولا أرادتها اللغة، بل ولم تعرفها اللفظة نفسها أصلاً. 
لمزيد من التدقيق نضرب أمثلة أخرى، فكلمة الناس الواردة على تكرار في القرآن والحديث والرسائل المدونة والنصوص الأخرى المختلفة لأهل ذلك الزمان، كانت تعني بالناس العرب وحدهم، ومع ازدياد عدد المسلمين أصبحت تخص العرب المسلمين وحدهم، وهو موقف نفسي ينعكس في اللفظ، وشأن مكرّر ومعلوم حتى عند أقدم الشعوب المتحضرة، فالمصري القديم مثلاً كان يقصد بلفظ "الناس" المصريين وحدهم، وما عداهم أنواع أدنى من الكائنات الشبه إنسانية، وفي زمن الإمبراطورية المصرية تم السماح للأجانب بالتجارة في مصر والسكن فيها، ما دفع الحكيم "نفر رحو" وهو يتنبأ بنهاية العالم ومجئ يوم الدينونة للقول: "انظروا إن نهاية الأيام تقترب، ألا ترون الأجانب في مصر قد أصبحوا من الناس؟!"، وهو نفس الموقف الذي تبناه الرومان فكانوا هم الناس وما عداهم برابرة، اعتزازاً بتطورهم الحقوقي والقانوني، وهو ما كان يدفعهم إلى رؤية المجتمعات التي بلا قانون في حكم التجمعات الحيوانية المتوحشة. 
وكلمة مثل "الأرض" كانت تستخدم في بلاد العرب الوعرة للدلالة على جزيرة العرب بالذات، وأحياناً تتم إضافة دول العالم المعروف إلى بدو الجزيرة، وفي هذه الحال كان يفضل العربي لفظ "العالم"، لكنه لم يكن يعلم ما يعلمه تلميذ الابتدائي اليوم، وما تستحضره لفظة الأرض من دلالات ومعان، فهي اليوم تستدعي النظام الكوكبي مقارناً بالنظام النجمي الشمسي، مقارناً بنظام المجرات النجمية، وخصائص كل منها، وأن الأرض ضمن تسع كواكب هي المجموعة الشمسية، وأن للأرض خصائص أخرى فهي تتكون من خمس قارات وستّة محيطات و.. إلخ... إلخ. 
مثال آخر من لون المعاني المجردة، لفظ "القدرة" كان يعبّر عند العربي عن القوة المادية البدنية بإطلاق، ففي رسالة الغفران التي وصلتني بعد إعلان توقفي عن كتابة كفرياتي في روز اليوسف تحت التهديد بالقتل، جاء القول: "وحسبك أنك نجوت من قتل محقّق -أي والله - بعد أن أعددنا البيان الذي كنا سننشره على الإنترنت بعد قتلك، وقد اعترض بعض الإخوة على إيقاف العملية على اعتبار أن الزنديق لا تقبل توبته وإن تاب، ولكن الأمير - حفظه الله - حسم هذا الخلاف بترجيح أن المرتد إن تاب تقبل القدرة عليه"، - أي تقبل توبته - لقوله سبحانه: إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم"، أ.ه.، وهو ما يقوم على عدم قبول الله إيمان فرعون عند الغرق وهو تحت القدرة، والمعنى أنني قد تبت قبل أن يصل السلاح إلى عنقي، أو على الأقل قبل خطفي. 
كانت القدرة هي القوة المادية بإطلاق، بينما اليوم أصبحت القدرة مخزناً لقوانين العلم واصطلاحاته، فهي الفولت في الكهرباء، وهي الحصان أو الطن في المحركات، وهي الأمبير في الكهرباء، وهي الأوم والوات في الصوتيات، وهي الريختر في الزلازل، وهي الأوزان الذرية في العناصر... إلخ، لكن أصحاب التهديد الإرهابي الذين ردوا على توقفي عن النشر برسالة الغفران، يحفظون اللفظ في لفائف دلالاته القديمة ليحمل ذات الدلالات القديمة، وهو أسلوب مفهوم متسق لا يعمد إلى التزوير والخداع والمراوغة اللفظية، وهو خطاب يقف في مكانه الطبيعي داخل منظومته دون تناقض، لأنه يحدد إدراكه وفق ما تمّت كتابته بفكر وعقل من كتبه يوم كتبه، المشكلة فيمن يزورون علينا وعلى المسلمين كذباً ونفاقاً، ويقدمون لنا ألفاظاً وتعبيرات من الماضي محملة بدلالات من فكر وعلم وتقاليد وعادات وقوانين اليوم، المثير للرعب أن هذا الخطاب المخاتل يجد صدى لدى من يملكون القوة في العالم اليوم من دول عظمى، وتنطلي عليهم خديعته لأنهم خارج كل تعقيدات الفرق الفقهية المتراكمة عبر الزمن، ومن ثم لا يملكون أدوات النفاذ إلى الدلالات الحقيقة لما يطرحه الإسلام السياسي على عالمنا اليوم، فيتصورون ذلك اعتدالاً بعكس التطرف الدموي، ويفهمون عنهم أنهم قوم وسطيون يدعون إلى المحبة والتسامح والمساواة، ويتلهفون على الديموقراطية تلهّفاً، بينما شاعرهم الأمجد يشرح شأن العرب قائلاً:
نحن أناس لا توسّط بيننا
لنا الصدر دون العالمين أو القبر. 
لكن هذا الفريق المعتدل الوسطي الديموقراطي هو نفسه من يحدثنا عن المقاومة الشريفة في العراق الحزين، المقاومة عبر تفجير الأجساد - سواء كان الجسد جسد المُفجِّر أو جسد الأم الممزّق وجسد طفلها الرضيع في حضنها يرضع ثدياً ممزقا، سواء كان يهودياً أو مسلماً أو من أيّة ملة أو أيّ لون - ويقول لنا المعتدلون إن هذه المقاومة دفاع شرعي عن الوطن، فأي وطن يقصدون؟!. 
يقولون إنهم يفعلون فعل فرنسا - مقاومة وطنية - عندما احتلها النازي؟، ولكن هل في الإسلام أي مفهوم عن الوطن كما هو حال فرنسا؟!، إن الإسلام لم يكن فيه معنى للوطن كما نفهمه اليوم، ولا حتى كما فهمه العراقي القديم أو الشامي أو المصري القديم، لأن الإسلام هو الوطن ولا يعترف بالأوطان، لأنه "إنما المسلمون أمة لا إله إلا الله أينما كانوا دون حدود وطنية"، وحتى هذه اللحظة الراهنة لا يعترف هؤلاء بالوطن والمواطنة جميعاً على اتفاق، من ابن القرضاوي إلى ابن عاكف إلى ابن هويدي إلى ابن باز، فلماذا إذن المقاومة؟!، أم أن الصواب أن يتم الاعتراف أولاً بالوطن وإعلاء شأن الوطنية على بقية القيم - أرضية كانت أم سماوية - حتى يمكن الحديث بعد ذلك عن المقاومة الوطنية، ورغم ذلك يستخدمون اللفظ المستحدث "المقاومة" للدلالة على جرائم حرب وإبادة جماعية بكل معنى الكلمة، فهي حرب بربرية يخوضها الإسلام السياسي والوهابي والشيعي بمنطق ما وراء ألف وربعمائة عام مضت، على أرض العراق ضد العراقيين جميعاً. 
الملحظ الطريف أنهم وهم يتحدثون عن المقاومة في العراق لا يصفونها أبداً بالوطنية، إنما هي المقاومة الشريفة، هي المقاومة الباسلة، هي المقاومة الاستشهادية، هم أسود الله، أما المتكرر المعتاد فهو المقاومة الإسلامية، وهو ما يعني فورا أن الموتى من المسلمين على أيدي هذه المقاومة الإسلامية هم من غير المسلمين، هذا قول المعتدلين منهم. 
أما الأكثر طرافة هبّتهم هبّة رجلٍ واحد للحديث عن الحريات وحقوق المرأة وحقوق الإنسان والمساواة والديموقراطية والعدل، وترديدهم ذلك من باب التأكيد على أنهم قد آمنوا بهذه القيم الإنسانية الراقية، وأنهم سيشاركون في عملية الإصلاح، وهو ما يعني أن هناك فساداً يعرفه الجميع، لأن الجميع يدعون إلى الإصلاح - نحن وهم والدول الأجنبية، وحتى حكوماتنا تدعو إلى الإصلاح - ولا نفهم لمن نوجه دعوتنا بالإصلاح، العالم كله يدعونا إلى الإصلاح، وهذه الدعوة المخجلة المهينة موجهة للمسلمين دون شعوب العالم، والملاحظ أن المشايخ أو الكهنة والدولة - التي هي الحكومة والحكومة التى هي الدولة، وهذا خط بلادنا - والإخوان المسلمين، وجميع الأحزاب والهيئات يطلبون جميعاً الإصلاح، كما لو أن أحداً قد منعهم قبل ذلك من الإصلاح عبر زمننا الطويل الأسود من "قرن الخرّوب"، كما لو أن هناك من اعترض محاولة تطبيق أي من تلك الألفاظ المحترمة التي يلوكونها منذ فجر الخلافة وحتى يومنا الهباب الحالي، ولو مرة يتيمة واحدة.

شارك