المرأة داخل دوائر الخوف وخطاب الأزمة

الأربعاء 10/يوليه/2019 - 01:00 م
طباعة المرأة داخل دوائر حسام الحداد
 
اسم المؤلف: نصر حامد أبو زيد 
اسم الكتـــاب: دوائر الخوف 
دار النــــــشر: المركز الثقافي العربي 
كانت التسعينيات هي الفترة التي رأى فيها نصر حامد أبو زيد مرحلة تأجج الصراع بين المشروع المتطرف ومشروع الحداثة، بين خطاب الطائفية والخطاب المستنير، خاصةً أن تلك الفترة انتشرت فيها جماعات التطرف والإرهاب في مصر والعالم العربي، وقد صحب صعود هذه الجماعات خطاب السلطة والنظام السياسي الذي بدا في ظاهره ليبراليا، بينما باطنه كان منحازا للأفكار الرجعية؛ من أجل تكريس الاستبداد، سواء باستغلال الدين لتعميق الطاعة العمياء للسلطة السياسية مما يخدم الجماعات المتطرفة باستخدام نفس المرجعية الفكرية في الخطاب، أو باستخدام هذه الجماعات فزاعة أمام الليبراليين.
منطلقات أساسية
وينطلق أبو زيد في كتابه "دوائر الخوف" من منطلقين أساسيين، أولهما قيمة العقل الذي هو بالضرورة السبيل لعمق الإيمان وصلابة الإسلام، وكيف أن بحث المسلم عن الحقيقة لا يؤتى إلا بالاجتهاد الذي قدره الإسلام وكافأ المجتهد المخطئ؛ مما يدفعه للتفكير الحر دون قيود بلا خوف.
 أما المنطلق الثاني فهو أن ثوابت الإيمان الديني وهي العقائد والعبادات لا يستبعد فيها الفهم والشرح والتأويل للوصول إلى الإيمان، وهذا كله يحتاج إلى الاجتهاد الذي لا ينفي الإيمان بها، وهذا الاجتهاد يعتمد في الأساس على العلم من خلال استخدام أدوات المعرفة ومناهج البحث الحديثة.
والمعروف أن "نصر أبو زيد" يعتمد في تحليل النص على السياق التاريخي، حيثُ إن هناك مسافة موجودة دائما بين ما تطرحه النصوص سواء كانت دينية أم دنيوية، وبين الواقع الفعلي المادي الغليظ كما يصفه أبو زيد.
ومن هنا فإن القرآن باعتباره "النص الديني" المراد تحليله يقع دوما في مشكلة التأويل حسب الإطار المعرفي للمؤول، إلى جانب السياق التاريخي الذي فُسِّر فيه النص؛ مما أنتج طرقا مختلفة لفهم المسلمين للخطاب الإلهي، وهذه الطرق برأي "أبو زيد" ما هي إلا تفاعل خطاب الله مع الواقع الاجتماعي التاريخي، وبالضرورة لا ينفصلان.
المرأة في خطاب مأزوم
ويحاول أبو زيد من خلال الاجتهاد في النص الديني التقرب لإشكالية وضع المرأة في الخطاب العربي المعاصر، الذي يراه بالأساس خطابا يعمق من أزمة المرأة، ويضعها في مأزق في آن واحد، حتى لو تظاهر بأنه خطاب نهضوي، كما يشرح في كتابه.
ويرى أبو زيد أن هذا الخطاب المأزوم ما هو إلا نتاج المشكلات الراهنة التي يمر بها العالم العربي، والتي أول ما تؤثر تؤثر على الأضعف اجتماعيا وهو المرأة.
 وإيمان الكاتب هنا بقضية المرأة يظهر بوضوح من خلال سياق الكتاب كله، بدايةً من إهدائه إلى زوجته  "وقوفك ضد القبح دليل دامغ على أن الرجل شريك للمرأة وليس العكس"؛ مما يدل على أهمية المرأة باعتبارها أصل الحياة وشريكة الرجل، وليست باعتبارها أداة له.
وينقسم الكتاب إلى جزئين: الأول حول (المرأة في خطاب الأزمة)، وينقسم إلى 3 فصول: الفصل الأول حول "أنثروبولوجيا اللغة وانجراح الهوية"، والفصل الثاني "خطاب النهضة والخطاب الطائفي" والفصل الثالث "الواقع الاجتماعي: بُعد مفقود في الخطاب الديني".
أما الجزء الثاني فتحت عنوان "السلطة والحق: مثالية النصوص وأزمة الواقع"، وينقسم إلى أربعة فصول: الفصل الأول تحت عنوان "المسلمون والخطاب الإلهي: حقوق الإنسان بين المثال والواقع" الفصل الثاني "حقوق المرأة في الإسلام"، الفصل الثالث "دوائر الخوف عند فاطمة المنيسي"، والفصل الرابع "المرأة والأحوال الشخصية".
وإن كان الكاتب يؤكد مراراً أن الكتاب عبارة عن فصول لا تعبر إلا عن زوايا مختلفة لإشكالية وضع المرأة في المجتمع العربي، لا يجمع بينها سوى وحدة الموضوع ووحدة المنهج.
و في محاولة لعرض الكتاب فإننا سوف نركز على نقطة تحول الخطاب العربي نحو الرجعية، والذي أثر بالسلب على قضايا المرأة، وعلى طول الكتاب فإن "أبوزيد" يحدد بعض العوامل التي أدت لهذا التراجع، وهي:

أولا: انجراح الهوية واستدعاء الماضي
يرى الكاتب أن هناك تحولا حدث في الخطاب العربي كله بعد هزيمة 1967 حين لجأت الذات العربية الجريحة للهروب إلى الماضي المتمثلة في الهوية الذاتية الأصلية إلى الرجولة وبقائها المتوهم.
فعلى المستوى الإقليمي حدث التشرذم هروبا من الوحدة، وعلى المستوى الاجتماعي استيقظت الطائفية بديلا عن القومية، وعلى مستوى الانتماء حل "الدين" محل "الوطن والمصالح المشتركة والتاريخ والجغرافيا".
ويرى أبو زيد أنه إذا اتحد التشرذم والطائفية مع غطاء الدين فإن النتاج سيكون العنف والإرهاب على كل الأصعدة، فيتحول المسلم ضد المسيحي، والسني ضد الشيعي، والرجل ضد المرأة والعكس.
ويرى الكاتب أن هزيمة 1967 خلقت خطابا يعمق أزمة المجتمع العربي، وأحدثت تراجعا اقتصاديا، وأن هذا الخطاب لا يسعى إلى حل الأزمة والنهوض بالتجربة، ولكن يكتفي بتحليل أسباب الأزمة طوال الوقت، وهذا التراجع في الخطاب صحبه تراجع في قضية المرأة.
ويرى أبو زيد أن هذا التراجع سمح بإعلاء الخطاب الديني الذي يستند إلى مرجعية النصوص والقيم الشاذة داخل النموذج الغربي عن طريق إبرازها وانتقادها؛ وذلك لتزييف قضية المرأة، متجاهلاً أنها قضية اجتماعية في الأساس، بل وساعد في تعقيد الإشكالية في زعمه أنه يُسهم في حلها، من خلال الاعتماد على النصوص الشاذة واللجوء إلى أضعف الحلقات الاجتماعية، سعيًا لنفي الإنسان، ومن هذه الوجهة يتعامل مع المرأة تعامله مع الأقليات الدينية الأخرى فيسعى إلى حبسها داخل أسوار المنزل وداخل الحجاب؛ بهدف إخفائها، بنفس القدر الذي يسعى فيه إلى إلغاء وجود الأقليات المسيحية بحبسهم في مفهوم أهل الذمة والولاية عليهم.

ثانيا: هزيمة دولية 
وإن كان أبو زيد ينطلق من "هزيمة 1967" التي بررت الطائفية فإنه يعيد تراجع آفاق الثورة على هذه الطائفية، وسقوط مشروع التحرر وانحسار الأمل في النهوض بالمجتمع العربي، إلى انهيار الاتحاد السوفيتي وتحول العالم إلى القطب الواحد.
ليميل المجتمع الأمريكي والأوروبي لجعل الإسلام أيديولوجيا عدوه، بديلاً عن العداء للشيوعية، وأدى هذا إلى تكتل غربي ونخبوي عربي ضد الشعوب العربية وذلك لتكريس هيمنة تصل حد التلاعب بكل القوى السياسية الحاكمة والمعارضة في آن واحد.
وقد أدى هذا التكتل إلى نمو الحركات العنيفة، وتأجيج الصراع داخل المجتمعات العربية، إلى حد الحرب الأهلية.
 وإن كنا لا نختلف مع الكاتب في تأثير انهيار الاتحاد السوفيتي على حرية حركة النظم العربية في الأداء السياسي، لكن هذا لم يكن سببًا رئيسيًّا في تجلي الصراع وظهور الجماعات العنيفة الموجودة في البلدان العربية قبل ذلك بسنوات، وأن الصراع دائمًا مستمر بين خطاب التراجع وخطاب التنوير، وإن كانت الأزمات تبرز الخطابات المتراجعة، لكن لا تنشئها، وأن بنية النظم العربية نفسها تحتوي على الخلل الذي يؤدي بها بالضرورة لعدم القدرة على التحرك، وفرض الهيمنة الداخلية الخاصة، بل والموافقة الضمنية على ركود الوضع الحالي والمشاركة فيه.

تأسيس الخطاب الطائفي ضد المرأة
يفتتح أبو زيد كتابه بمدخل عنوانه "حواء بين الدين والأسطورة"، ويرجع فيه " آدم وحواء" إلى حكاية الخلق الأولى، انطلاقا من تفسير الإمام الطبري، الذي يعتبر مرجعا للمفكرين الإسلاميين عامةً والسلفيين منهم خاصة، ويفند أبو زيد رؤية الطبري التي تمتلئ بالمشكلات حيثُ إن هذا التفسير يعتمد في الأساس على الأساطير النابعة من معتقدات الناس في السياق التاريخي الذي عاشه الطبري، مما يعطينا إشارة على تأثر المفسرين وفقهاء الفكر الديني بسياقهم الاجتماعي والتاريخي، وأنهم أبناء بيئتهم بالضرورة، هذا إلى جانب التأثر والتأثير بين الإسلام والأديان السابقة خاصة اليهودية، لا سيما في تفسير حكاية خروج آدم "من الجنة" وكيف أن الحية أغوت حواء لتحرض آدم على أن يأكل من الشجرة المحرمة التي تسببت في خروج آدم ومعه البشرية كلها من الجنة، فكان عقاب حواء هو آلام الولادة والدورة الشهرية.
فيما يبدو من تفسير الطبري أن هناك مؤامرة حيكت ضد آدم من وراء ظهر الله وهو ما لا يصدقه عقل كما يقول أبو زيد، حتى العقاب الذي وقع على كل أطراف المؤامرة عقاب مستبد لا يتفق مع حقيقة الله الرحيمة، إلى جانب ظهور آدم كالضحية البريئة التي وقعت في الشرك، هذا إلى جانب الربط بين حواء والحية اللتين تمثلان العداء لبني آدم.

 الأخطر في هذا التفسير أنه كان بذرة تأسيس للخطاب العدائي ضد المرأة.
 فنجد في أيامنا هذه أعلام الفكر السلفي مثل "محمد حسين يعقوب" يصف المرأة التي تخرج إلى الشارع "بالأعداء" والتي تحاول أن تغوي الرجال، ولم يكن تشبيه يعقوب مصادفةً، إنما هو مستند على تفسير منتزع من سياقه يأتي مع الأهواء التي تميل إلى الرجعية وتهميش المرأة ، وهذا ما يعطينا إشارة إلى إعادة النظر في كتب الفقه، مثل كتاب تفسير الطبري وإسقاط القدسية عنها؛ حتى يمكن نقدها، وبالتالي فتح الباب أمام الاجتهاد والخروج بتفسيرات مرنة تتواكب مع التطور الذي حدث منذ ظهور النبوة إلى يومنا هذا. 

خطاب عربي طائفي
يزعم أبو زيد أن الخطاب العربي هو عنصري بالضرورة ضد المرأة؛ وذلك بسبب هيمنة الرجل/ الذكر المنتج للخطاب، والذي يسعى طوال الوقت لإخضاع المرأة لمنطقة نفوذه، حتى في طرحه للأفكار التي يطلق على نفسه فيها بأنه ليبرالي ويؤمن بقيم المساواة والمشاركة، فإنه يجعل نفسه هو المركز، "فالمرأة حين تتساوى بالرجل، وحين يسمح لها بالمشاركة فإنما تشارك الرجل".

لغة عنصرية
ويبدأ هذا الخطاب العنصري من وجهة نظر "أبو زيد" من بداية التمييز اللغوي، الذي يضع الاسم المؤنث مع الاسم الأعجمي في منعهما من الصرف، دلالة على التمييز والنظر بدونية للمرأة، واللغة العربية في هذا التمييز شأنها شأن سائر اللغات، لكن الفرق أن الأمم الأخرى بدأت تستوعب هذا التمييز اللغوي وتحاول تجاوزه بخلق مفردات جديدة.
وإن كان يرى أبو زيد أن هذا التمييز اللغوي ما هو إلا تمييز يعكس وعي الجماعة التي أبدعت تلك اللغة، ويرى أيضا أن هذا التمييز اللغوي دخل في صراع مع الخطاب القرآني الذي يحسن من وضع المرأة كما يقول أبو زيد، وهذا الصراع الفكري والسياسي، كان يميل إلى كفة حقوق المرأة، لكن في عصور التأخر والانحطاط تميل الكفة ناحية الفكر المتخلف فتعلو مقولات "النساء ناقصات عقل ودين"، وتستدعي الموروثات المتخلفة وإبرازها حتى في الفنون، حيث تتوحد حواء بالحية وبالشيطان، ويتم إنتاج خطاب يعزف على نغمات التخلف التي تتجاوب معها سينما الشباك والإثارة والتجارة في عناوين وأفيشات، مثل "الشيطان إمرأة".

خطاب صوفي عنصري
ويتطرق أبو زيد لنوع آخر من التمييز ضد المرأة من خلال الخطاب الصوفي المتمثل في خطاب الصوفي الكبير "محيي الدين بن عربي" الذي اعتمد في صياغة تجربته على مشاعر الحب وعشق المرأة، الذي رآها النموذج الأمثل لصياغة نظريته الفلسفية في الوجود، ويرى ابن عربي أن الله قد اشتاق للعبد من الوحدة فخلق البشرية، وأن الإنسان(الذكر) يحاول إعادة تجربة "التوحد" الأولى بالذات الإلهية عن طريق الأنثى من خلال العملية الجنسية.
 فالمرأة في خطاب ابن عربي ليست إلا مجرد أداة للرجل للوصول إلى غايته في التوحد مع الله.

الانقسام إلى تيارين رئيسيين
ويقر أبو زيد أن الطائفية التي تولدت تجلياتها الأولى عقب أزمة الهزيمة 1967 قد مارست التفتيت لكل شيء من بداية المؤسسات إلى الفرد ذاته.
وهذا التفتيت خلق تيارين أساسيين هما الأصولية الإسلامية، والاتجاهات العلمانية.
فالتيار الأول بدأ في تشويه الأطر المرجعية الثقافية التي هي (الغرب) من وجهة نظره للتيار العلماني، فأنتج لنا خطاب سيد قطب في مصر، وأبي الأعلى المودودي في الهند.
وهذا الخطاب الأصولي لم يهتم بقضية المرأة ولم ينظر إليها إلا من جانب الوظيفة الجنسية فقط.
وقد استخدم التيار الأصولي قضية المرأة لتشويه خطاب التنوير، عن طريق القول أن نهضة الغرب الذي يدعو لها العلمانيين تحرض المرأة على ترك مكانها في المنزل وخلع الحجاب والسفور.
ويرى الكاتب أن خطاب النهضة والخطاب الإسلامي المعاصر مختلفان؛ حيث إن الأول يحاول التجميع، بينما الثاني يشتت، فالأول يرى الوطن هو وحدة الأرض والتاريخ المشترك والمصالح المشتركة، أما الثاني يراه في وحدة الدين، وبينما يرى خطاب النهضة الغرب بقيمه المتحضرة ومدركا تماماً مطامعه، لكنه يحاول أن يتعلم من تجربته، بينما خطاب التراجع لا يرى في الغرب سوى العدو.
وقضية المرأة إن كانت في خطاب التراجع ما هي إلا الطاعة لتروجها، والبعد كلية عن تقاليد الغرب، فخطاب النهضة يرى أن الاختلاط بالغرب شيء لا بد منه لكن مع مراعاة التقاليد ومبادئ الإسلام، وينتقد خطاب النهضة مبدأ "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، ويولي الأولوية لإصلاح المفاسد والاستفادة من المصالح قدر الإمكان.

خطاب ديني معاصر مشوَّه
كل الظروف السابق شرحها من وجهة نظر الكاتب قد أنتجت لنا الخطاب الديني الرجعي، والذي يظهر بوضوح في أفكار الكثيرين من الشيوخ والعلماء، وعلى رأسهم كان الدكتور مصطفى محمود الذي كرس لخطاب حمل نظرة دونية لقضايا المرأة.
فنرى الدكتور مصطفى محمود يستنكر مطالبة خروج المرأة للعمل، بل ويحقر من قدر المرأة العاملة "فأي تحقيق للذات تريد أن تصبح هذه المرأة سكرتيرة لفلان أو مهندسة للمجاري أو صرافة في بنك".
 ولكن هذا الخطاب لا يخرج علينا بمقولات عن أن الإسلام كفل للمرأة حق العمل إلا في وجه العلمانيين فقط، ولكنه سرعان ما يتراجع.
ولا يتم هذا الاستدعاء للماضي إلا من أجل إثبات أسبقية الإسلام، من حيث كونه نسقا حضاريا على الحضارة الغربية في الوصول للقيم الإنسانية، وبالرغم من ذلك يتم تحقير هذه القيم الغربية التي جعلت المرأة مسترجلة، وأن الإسلام أعطى المرأة كامل حقوقها لكن في حدود التمييز البيولوجي، وأن وظيفتها الأولى هي طاعة الرجل.

تأسيس خطاب النهضة: محمد عبده وقاسم أمين والطاهر حداد
ويرى أبو زيد أنه دائما ما ترتبط قضية المرأة وحريتها بقضية "الوحدة الوطنية"، ففي عام 1919 عندما ظهر شعار "الدين لله والوطن للجميع"؛ لمواجهة الطائفية التي حاول الاستعمار زرعها بدأت المرأة في النزول، بل وفي قيادة مظاهرات، وفي هذا التوقيت انطلقت دعوة "قاسم أمين" لتحرير المرأة. 
والخطاب التنويري الذي ساقه قاسم أمين ومحمد عبده لم ينتقد المرجعية على أساس الشريعة، بل رأى أن الإسلام في أساسه دين الحرية والمدنية والتقدم، وأن أي تعارض ينشأ بينهما من وجهة نظر محمد عبده ناتج عن الجهل بالإسلام، ومن العادات والأخلاق السيئة التي شوهت الدين.
بينما تخطى الطاهر حداد مشكلة التناقض بين النص والواقع في أنه رأى أن النص القرآني لا بد أن يؤول لينطق بقيم المدنية، وأن الدين علم كباقي العلوم لا بد أن يخضع للعقل، وأخضع تفسير أحكام الإسلام خاصة عن المرأة لمفهوم النسبية و"التاريخية"،
وأن هذه الأحكام لا بد أن تتغير وفقاً للتطور المجتمعي والزمني، وأن أحكام الشريعة لا تنفصل عن المجتمع، وأن جوهر العقيدة الإسلامية مثلها مثل باقي الأديان والعقائد تتمثل في المبادئ السامية مثل العدل والرحمة والمساواة، لكن التطور يفرض رفض الأحكام التي تتعارض معه بحكم أن لها ملابسات ومقاصد خاصة بها وقت نزولها، مثل تعدد الزوجات مثلا.

مشكلات خطاب النهضة 
ورغم ذلك فإن الخطاب الذي يطلق عليه أبو زيد خطاب نهضة يحمل في طياته تناقضات كبيرة ورجعية أيضاً، فرغم أن "دعوى قاسم أمين" لتحرير المرأة كانت طفرة وقتها؛ لكن ذلك كان بسبب أنها كانت في واقع قاتم مظلم نرضى فيه بضوء حتى "عود كبريت".
 والمشكلة هنا تكمن في ملاحظتين، أولاهما: أن يقع خطاب التنوير في فخ التأسيس على هذه الدعاوى التي يستخدمها الخطاب الديني الرجعي أيضا، فمثلا نجد الشيخ محمد الغزالي يبرر مسائل مختلف عليها كمسألة الحجاب، فيقول: إن الحجاب فرض بديلا عن النقاب ويؤسس هذه الفرضية على نفس دعاوى قاسم أمين.
الملاحظة الثانية أن هذا الخطاب يقوم على أساس النصوص الدينية كمرجعية فيوقع نفسه في شرك التأويل والتأويل المضاد؛ لينتهي إلى تمزيقه وتشويهه من جانب الخطاب الديني السلفي.
إن هذا الخطاب النهضوي يحمل في طياته نفس الرجعية في التعامل مع قضية المرأة، باعتبار أن الرجل هو المركز والمحور في صورة تدعو للتعالي عليها، فنجد أحد أقطاب الثقافة في مصر "عباس العقاد" يتبنى مقولات، مثل: "إن المرأة لها تكوين عاطفي خاص لملازمة الوليد، وإن أصول اللب الأنثوي يجعل المرأة سريعة الانقياد للحس والاستجابة للعاطفة، فيصعب عليها ما يسهل على الرجل من تحكم العقل" هذا الخطاب الذي يبدو أنه مستنير في داخله يتعامل مع قضية المرأة بتعالٍ، ولا يرى فيها إلا الاختلاف البيولوجي ولا يؤمن بمساواة العقول، بل وتفوقها في أحيان كثيرة لصالح المرأة ضد الرجل.
وإن كان يرى أبو زيد أن المرأة في الخطاب الديني مفقودة، فهي في الخطاب النهضوي كائن أدنى على أقصى تقدير.
وفي النهاية فإن كتاب "أبو زيد" يضعنا وجها لوجه مع قضايا المرأة ومعالجة النص الديني لها، هذا النص الذي يقع في إشكالية التأويل.
ومشكلة التأويل تتمثل في السياق التاريخي لوقت تفسير النص ومصالح الشخص أو الجماعة المفسرة للنص، بينما يضعنا أبو زيد مع السياق التاريخي للنص نفسه، واعتماد قاعدة "أنتم أعلم بشئون دنياكم"؛ حتى يناسب النص طوال الوقت التطور الاجتماعي والقيمي، وهو ما لا يخل بقداسة النص بالعكس بل يثبت مرونة القرآن كنص ديني يتناسب مع كل العصور .

شارك