المطران بولص رحو في ذكري خطفه ومقتله

الأربعاء 13/مارس/2019 - 12:42 م
طباعة المطران بولص رحو روبير الفارس
 
لم يكن أحد يتخيل أن نهاية حياة المطران بولص فرج رحو أسقف الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في مدينة الموصل العراقية سوف تكون بهذه الطريقة، حيث تم العثور على جثته في مثل هذا اليوم منذ 9 سنوات (13 مارس 2008).

ميلاده وأعماله

ولد بولص رحو في 20 ديسمبر عام 1942 لوالديه أسطيفان رحو ووالدته مادلين سموعي يعقوب السقا، وقد كان الأصغر بين أشقائه الأربعة وشقيقاته الثلاث. أتم دراسته الابتدائية في مدرسة شمعون الصفا في مدينة الموصل شمال العراق، ومن بعدها المرحلة الثانوية في المعهد الكهنوتي التابع لكنيسته (إكليريكية شمعون الصفا الكهنوتية البطريركية لدارسة اللاهوت)، وذلك بين عامي 1954 و1960، وأيضاً في العاصمة بغداد بين عامي 1960 و1965 أكمل دراسته في روما بين عامي 1974 و1976 حيث نال من كلية القديس توما الإكويني للآباء الدومينيكان ليسانس في علم اللاهوت الرعوي. بتاريخ 10 يناير 1965 +سيم كاهناً (قسيساً) في بغداد، وفي يوم 16 فبراير 2001 تمت رسامته أسقف في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وتولى مهام رعاية أبرشية الموصل.

خدمة المعاقين

كانت له نشاطات رعوية واجتماعية كثيرة، حيث أسس جماعة المحبة والفرح لذوي الاحتياجات الخاصة عام 1986 والتي تطورت لاحقاً لتصبح جماعة مسكونية في بعض كنائس العراق، وفي عام 1993 أوجد جماعة أصدقاء يسوع الخيرية لإعانات الأسر الفقيرة، وفي عام 1996 أنشأ جماعة أصدقاء الناصرة لمساعدة العوائل الجديدة، وفي العام التالي أنشأ واحة المحبة والفرح للعيش مع الأيتام، وبسبب علاقاته الواسعة مع مختلف أطياف الشعب العراقي اختير ليكون عضواً في مجلس أعيان الموصل. كتب المطران بولص رحو للمجلات المحلية الكثير من المقالات في المجالات الرعوية والثقافية، ووضع كتاباً عن تاريخ كنيسة مار إشعيا برقو سري. 

ضد الجماعات المتشددة

ضد الجماعات المتشددة
وكان رحو قد صرح في مقابلة أجرتها معه وكالة آسيا نيوز في شهر أكتوبر عام 2007 بأن وضع المسيحيين في العراق يزداد صعوبة، خصوصاً في منطقة الموصل، وأشار المطران إلى أن مسيحيي المنطقة هم عرضة لتهديدات مستمرة من قبل الجماعات الإسلامية المتطرفة، مؤكداً أن بقاء العراق ضعيفاً ومقسماً لا يخدم إلا أجندة بعض الدول الكبرى. وأشار رحو إلى أن المعاناة الحالية التي يعيشها العراقيين تشملهم جميعاً على اختلاف أطيافهم، إلا أنها أكثر قساوة على المسيحيين الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين خيارات محددة، فإما: الهجرة، أو اعتناق الإسلام، أو دفع الجزية أو الموت. وأضاف بأن ثلث المسيحيين غادروا الموصل بسبب الجماعات الإرهابية التي تتخذ من الدين ذريعة لجمع المال. وتحدث المطران أيضاً عن حادثة مقتل القسيس الكلداني رغيد عزيز كني في صيف 2006 على أيدي مجهولين. ومما قاله في هذا الحوار:
"منذ بدء الاحتلال الأمريكي عام 2003 تأزم وضع المسيحيين في العراق بصورة كبيرة حتى إن لجنة الصليب الأحمر الدولي وصفته في مارس 2008 بأنه الوضع الإنساني الأسوأ في العالم فتكررت بشكل خاص حوادث اختطاف واغتيال رجال الدين المسيحي، كما حدث عام 2005 عندما وقع بولص إسكندر أحد قساوسة الكنيسة السريانية الأرثوذكسية بيد جماعة مسلحة في أحد شوارع الموصل، وطالب الخاطفين حينها بفدية دفعتها لهم أسرة القس، إلا أن جثة الأخير وجدت بعد فترة ملقاة في شارع مقطوعة الرأس والأطراف. وفي مطلع عام 2005 خطف باسيل جورج القس موسى مطران كنيسة السريان الكاثوليك في العراق وأخلي سبيله فيما بعد. وفي ديسبمر 2006 اختطف في بغداد سامي الريس الكاهن في الكنيسة الكلدانية وأطلق أيضاً، وبعد أيام من اختطاف الأخير أعلن عن مقتل القسيس البروتستانتي منذر الدير البالغ من العمر 69 عاماً. وفي 3 يونيو 2007 تعرض قسيس كلداني يدعى رغيد كني لإطلاق نار من مجهولين قتل على إثره مع ثلاثة من الشمامسة بعد خروجهم من الكنيسة في مدينة الموصل".
وكان المطران رحو نفسه قد تعرض لمحاولة خطف أخرى عام 2005 ولكن خاطفيه أطلقوا سراحه حينها دون أن يتعرض للأذى. ومن الجدير بالذكر أن الكنائس العراقية التابعة لمختلف الطوائف لم تسلم هي الأخرى من الهجمات الإرهابية والتفجيرات بين الحين والآخر.

خطفه ومقتله

قام مجهولون مسلحون بالهجوم على سيارة المطران فرج رحو بينما كان في زيارة رعوية في حي النور بالموصل بتاريخ 14مارس حيث قتل سائقه ومرافقه وخطفوا المطران. وكشفت شخصيات رسمية من الكنيسة الكلدانية بأن المطران بولص كان قد تعرض لطلق ناري في رجله عندما هاجمه الخاطفين ممطرين سيارته بسيل من الرصاص، وبعد أن ألقوه في مؤخرة سيارتهم تمكن من استعمال هاتفه الخلوي واتصل بمسئولين من الكنيسة طلب منهم عدم دفع أي فدية لإطلاق سراحه؛ لأنه سوف يتم استخدام المال لأذية المزيد من الناس.

المفاوضات مع الخاطفين

في مساء يوم 2 مارس أبلغ المطران جرجس قس موسى راعي كنيسة السريان الكاثوليك في الموصل لوكالة ميسنا الكاثوليكية للأنباء بأنه تلقى اتصالاً هاتفياً من الخاطفين لبدء مفاوضات إطلاق سراح المطران بولص رحو دون أن يذكر مطالبهم، وأعرب قس موسى عن قلقه البالغ على حالة رحو الصحية الحساسة، حيث أشار إلى أنه بحاجة لتناول أدوية مهمة بشكل منتظم. 
وكان جنرال أمريكي في العراق قد صرح بأنه من المحتمل أن الخاطفين يرغبون بالحصول على فدية مقابل إطلاق سراح المطران، وتابع الجنرال مارك هرتلينغ بأنه ليس واثقا بأنه سيتم الإفراج عن رحو حياً، وقال: "لا يمكن أن يقتل بسهولة وسيكون ذلك مخيباً للآمال بالفعل"، وأكد الجنرال بأن القوات الأمريكية والعراقية تقوم بالبحث عن المطران المختطف. 
وفي حديث مع مسئول من مطرانية الموصل علمت وكالة الأنباء الإيطالية (آكي) ببعض شروط الخاطفين ومنها (بحسب ذلك المسئول) فدية قدرها مليون دولار زيدت لاحقا لتصل إلى مليونين ونصف، ثم تقدمت الجماعة الخاطفة بثلاث شروط على الكنيسة اختيار أحدها لتسهم في عملية "الجهاد" دون إعطاء ضمانات بإطلاق صراح المطران بولص، وتلك الشروط هي:
1- الضغط على حكومة كردستان العراق لإطلاق سراح محتجزين عرب لديها.
2- توفير أسلحة متطورة "للمجاهدين" وإخفاؤها في الكنائس.
3- تقديم متطوعين مسيحيين ليقوموا بعمليات انتحارية.
وبحسب اعتقاد نفس المصدر المسئول فإن الجماعة التي خطفت رحو وطلبت فدية المليون دولار الأولى سلمت المطران بعد تدويل القضية لجماعة "أكثر احترافية منها" لتكمل عملية التفاوض بدلاً عنها، وقامت هذه الأخيرة بتقديم الشروط الآنفة الذكر للكنيسة. 
وبعد العثور على جثمان رحو صرح العميد خالد عبد الستار الناطق باسم شرطة محافظة نينوي بأن محادثات قد جرت بين الخاطفين وأشخاص مقربين من المطران المختطف طلبوا خلالها فدية قدرها مليون دولار، وأكد أندراوس أبونا مساعد البطريرك الكلداني بأنه جرت بالفعل مفاوضات بين الجماعة الخاطفة ومسئولين رسميين من الكنيسة لإطلاق سراح المطران، ولكنه نفى علمه بموضوع الفدية.

العثور على جثته

العثور على جثته
بتاريخ 13 مارس بعد قرابة الأسبوعين من اختطافه وجدت جثة المطران بولس فرج رحو مدفونة في مقبرة، وبحسب موقع قناة عشتار الفضائية العراقية فإن الخاطفين أعلنوا من خلال اتصال هاتفي موت المطران، وبأنهم قاموا بدفنه في مقبرة قرب الموصل، وبعد أن عثر موظفو الكنيسة على جثمانه في المكان المذكور، تم نقله إلى دائرة الطب العدلي للفحص، وأكدت الشرطة العراقية في وقت لاحق من ذلك اليوم بأنه عُثر فعلاً على الجثة دون ذكر معلومات عن هوية القاتل أو القتلة أو عن كيفية الوفاة، إلا أن تقارير إخبارية أشارت إلى احتمال موته بسبب المرض وليس قتلاً؛ حيث لم تظهر على الجسد آثار تعذيب أو طلق ناري، وبحسب الشرطة العراقية فإنه من حالة الجثة يستدل بأنه ربما قد مضى على الوفاة أسبوع على الأكثر، بينما تحدثت وكالة الأنباء الكاثوليكية الإيطالية عن إبلاغ الخاطفين لمسئولي الكنيسة يوم الأربعاء بتردي حالة المطران الصحية، ومن ثم أعلموهم بوفاته.
 
المطران بولص رحو
وفي يوم الجمعة 14 مارس تم تشييع المطران بولص رحو في كرمليس بحضور الكادرينال عمانوئيل دلي وممثلين عن باقي الطوائف الدينية وشخصيات سياسية واجتماعية مختلفة، واحتشد في المكان عدد كبير من العراقيين المسيحيين من مختلف المناطق للمشاركة في الجنازة، ورافق حرس مسلحون موكب المشيعين الذين كانوا يحملون الشموع والأزهار وكنيسته.

شارك