القس نصر الله زكريا لبوابة الحركات الإسلامية: "الفوارق بين البروتستانت والحركات السلفية"

الأربعاء 22/أبريل/2015 - 04:09 م
طباعة القس نصر الله زكريا
 
التشابه بين الحركات الدينية في الأفكار أمر محير للكثيرين؛ لذلك من الغريب أن نجد لأول وهلة خطوطا متوازية بين البروتستانتية والسلفية كفكرة قد يربط بينهم التفسير الحرفي للنصوص الدينية، ولكن القس المتميز نصر الله زكريا– مدير المكتب الإعلامي للكنيسة الإنجيلية بمصر ومدير تحرير مجلة الهدى الإنجيلية الشهرية رد بإجابته العقلانية على أسئلة هذا الحوار: 
* في البداية تعرف البروتستانتية كحركة إصلاح تحررية حديثة من الكاثوليكية قامت عليها حضارة التنوير الأوروبية دينيا وثقافيا وعلمياً. نرجو أن تشرح لنا ذلك؟
- لكي نفهم معنى ما قامت به حركة الإصلاح الإنجيلي في أوروبا في القرن السادس عشر، وما هو الإصلاح الذي أرادت للكنيسة أن تكونه، علينا أولاً أن ننظر للمسيحية في مهدها، فرسالة السيد المسيح هي رسالة خلاص الإنسان من الخطية التي فصلته عن الله خالقه، كما حملت رسالة المسيح الطريق الذي يجب على الإنسان أن يسلكه ليخلص من خطاياه، هذا الطريق الذي لا يعتمد على وسيط بين الله والإنسان، فالإنسان يمكن أن يقيم علاقة مباشرة مع الله ويتمتع بغفران الله لخطاياه، وهذا ما لم يفهمه رجال الدين اليهودي، الذين أسسوا مؤسسة دينية ضخمة تتحكم في كل كبيرة وصغيرة في حياة الإنسان، وقد تضمنت رسالة السيد المسيح تحريراً للإنسان من سلطة المؤسسة الدينية، وهذا واضح من الصدام الذي حدث أكثر من مرة بين السيد المسيح من جهة وبين المؤسسة الدينية في وقته من جهة أخرى، لقد رفض السيد المسيح وجود مؤسسة دينية تستغل رجل الشارع العادي وتخنقه بممارساتها ونواميسها وطقوسها، ولم يكن في ذهن السيد المسيح وهو يتحدث عن الكنيسة أن تتحول الكنيسة إلى صورة طبق الأصل من المؤسسة الدينية اليهودية التي قامت بمحاكمته.
وقد استمرت الكنيسة نحو ثلاثة قرون تسير وفق هذه المبادئ التي سنَّها المسيح، إلى أن دخل المسيحية الإمبراطور قسطنطين والذي قرر أن تكون المسيحية دين الإمبراطورية الرومانية، وهكذا بدأت علاقة المسيحية بصفة عامة والكنيسة بصفة خاصة أن تتحالف مع المؤسسة السياسية، وأن تُصبح هي مؤسسة دينية لها كيانها المستقل، ومع مرور الوقت أصبحت الكنيسة هي المُسيطرة على مجريات الأمور الحياتية سواء دينية أو سياسية، حتى صار لها النفوذ الصارم على الشعوب، وهذا بعكس ما تخيله السيد المسيح لها، وقد سنت الكنيسة من القوانين التي أثقلت كاهل الإنسان وأبعدته عن الله بدلاً من أن تقربه له، ومع السلطة المُطلقة التي تمتعت بها الكنيسة ورجال الدين في القرون الوسطى انتشر بين قادة الكنيسة وقتئذ المعاناة من الفساد الديني والأخلاقي والسياسي، فعلى المستوى الديني انتشر ما يُسمى بيع صكوك الغفران، المطهر، شراكة القديسة العذراء مريم في الخلاص، شفاعة القديسين، معظم الأسرار الكنسية، وسلطة البابا. وقد انحصرت العبادة في ممارسة الطقوس الدينية دون تعليم حقيقي بجوهر المسيحية، أما على المستوى الأخلاقي فحدث ولا حرج، وهكذا كان الفساد السياسي.
في هذه الأجواء ومع بداية عصر النهضة في أوروبا بدءا من القرن الخامس عشر، خرج كثيرون من المصلحين ينادون بالإصلاح الديني، لكنهم حوكموا وأدينوا وأحرقوا بالنار هم والعلماء حيث ساوت الكنيسة بين العلماء والسحرة، حتى جاء الراهب الكاثوليكي مارتن لوثر في عام 1517 الذي أبدى ملاحظاته على الأخطاء التي رآها في الكنيسة وكتب 95 ملاحظة وعلقها على باب كاتدرائية وتنبرج بألمانيا، حيث أراد لوثر أن يُصلِح الكنيسة من داخلها لا أن ينشق عليها، وشملت هذه الملاحظات- التي أُطلِق عليها فيما بعد احتجاجات لوثر- رفض لوثر لممارسات الكهنة والباباوات وتحكمهم في البشر ورفضهم لأن يكون الإنجيل متاحًا لكل الناس، ومن أهم البنود التي ذكرها، أن يكون تفسير الكتاب المقدس للشعب وليس للكهنة، وأن الله يقبل الإنسان ويغفر خطاياه (الخلاص) بالإيمان وليس بصكوك الغفران واستغلال الكهنة للشعب، وأن علاقة الإنسان تكون مع الله مباشرة وليس بواسطة الكنيسة، وقد استخدم تعبير (كهنوت جميع المؤمنين) أي أن كل إنسان قادر على بناء علاقة مباشرة مع الله بمفرده. ولأجل تحقيق هذا الهدف قام المُصلحون بحركات هدفها محو الأمية التي كانت منتشرة في أوروبا آنذاك، وهكذا كانت حركة الإصلاح الإنجيلي في أوربا بداية عصر النهضة العلمية والصناعية وعصر الحداثة التي تعيشه وتتمتع به أوربا والعالم الغربي في الوقت الحالي، أما أوروبا الشرقية والتي لم تتبن فكر الإصلاح فقد اجتاحتها الماركسية وفكر الإلحاد.

*  كيف نقلت هذه الحركة التنوير إلى مصر منذ دخولها من 150 عامًا؟
- جاءت حركة الإصلاح الإنجيلي إلى مصر عبر الإرساليات الإنجيلية في منتصف القرن التاسع عشر، وكان مستر لانش ويوحنا هوج، أول مرسلين وصلا إلى بلادنا وقد أسسا بداية الكنيسة الإنجيلية المشيخية الأولى في منطقة درب الجنينة بحي الموسكي بالقاهرة سنة 1860م. بعدها ببضع سنوات تأسست كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة، ولها يعود الفضل في تخريج العديد من الخدام والمرسلين في مصر وباقي الدول العربية.
اهتمت الكنيسة الإنجيلية في مصر بالتعليم واعتبرته جزءاً من رسالتها الأساسية، فأقامت أول مدرسة للبنات في حارة السقايين بالقاهرة في يونيو 1860م، وكلية أسيوط سنة 1865، وكلية رمسيس للبنات سنة 1910م. والتي تعتبر أكبر مدرسة لغات للبنات في مصر. يضاف إلى هذا عملهم الجليل في المجال الطبي والاجتماعي، كالاهتمام بالمعاقين والأيتام والمكفوفين، وإدارة مستشفياتهم الخاصة. ولا يمكن أن نهمل نشاط أو مشروع محو الأمية وتعليم الكبار في صعيد مصر.

* فؤجئنا بوجود تشابه مع بعض الفكر السلفي (أو روح الفكر السلفي) مع البروتستانتية، الأمر المحير في النظر إليها هل هي تحريرية إصلاحية أم سلفية؟
- أعتقد أنَّ هناك فارقاً بين السلفية البروتستانتية، فالسلفية كحركة دينية إنما هي اتجاه يميني اتباعي، بمعنى أنها منهج يدعو إلى فهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة وهم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين، والتمسك بما نُقِل عن السلف، وقد برزت السلفية أمام مذهب المعتزلة إبان الدولة العباسية، حيث كان المعتزلة يتخذون مناهج عقلية في قراءة النصوص وتأويلها مستمدين أصولهم المنطقية من الحضارة الإغريقية عن طريق الترجمة والتعامل المباشر، فيما رأى أهل الحديث في هذه المناهج العقلية خطراً يهدد صفاء الإسلام ونقاءه وينذر بتفكك الأمة وانهيارها. وانتهى هذا النزاع حين تولى الخليفة المتوكل أمر الخلافة وأطلق سراح ابن حنبل وانتصر لمنهجه ومعتقده.
أما البروتستانتية أو الحركة الإنجيليَّة كحركة إصلاح ديني إنما هي توجه لتحرير أصول الدين، من سطوة وسيطرة رجال الدين والإكليروس والكهنة وإتاحة الفرصة أمام كل البشر لقراءة الكتاب المقدس، واعتبار أن قراءة الكتاب المقدس وتفسيره حق لكل مؤمن، ومن خلال حرية الضمير والمسئولية الشخصية التي تؤكد عليهما الحركة البروتستانتية لا وصاية على حرية الإنسان وإبداعه وتفكيره من أي مؤسسة ناهيك عن التقييد بالتقليد. 
ومن المعروف أن الحركة البروتستانتية كالأرثوذكسية والكاثوليكية ليست طائفة واحدة، وإنما تتضمن عدة مذاهب أو طوائف في داخلها، وإن كان يجمعها معاً شيء مشترك، ويمكن لبعض هذه المذاهب أن يتمحور حول نقطة أو عقيدة ما تمثل توجهه العام، وهكذا جاءت الأمثلة التي ذكرتها، فهناك من البروتستانت مَن يتمسك بحرفية قراءة وتفسير الكتاب المقدس، ومنهم مَن يأخذ بالتفسير التاريخي واللغوي للنص المقدس ليستخرج التطبيقات العملية والحياتية التي تصلح للعصر الحديث، وهناك بعض المذاهب التي يمثل موقفها من بعض المخرجات التكنولوجية للعصر الحديث نمطاً حياتياً وسلوكاً مميزاً لها عن المذاهب الأخرى، وحتى في المذهب الواحد كما ذكرت نموذج موقف الكنيسة الإنجيليَّة المشيخيَّة من قضية رسامة المرأة قساً، ففي كتاب واحد ضمَّ ست عشرة ورقة بحثيّة فيها مَن أيَّد وفيها مَن عارض رسامة المرأة، لكن الجميع اتفقوا على التأكيد من دور المرأة في الخدمة الكنسيّة، وقيمتها المساوية للرجل سواء القيمة الروحية أو الأدبيّة، كما اختلف البعض في توقيت تناول القضية مراعاة للظروف الاجتماعية والمجتمعية وليس في الاختلاف والتنظير اللاهوتي، وهذا الاختلاف والتباين إنما يؤكد مرة أخرى أحد الأسس التي قامت عليها حركة الإصلاح الإنجيلي وهي ما يُطلق عليها حرية الضمير، وحرية التفكير والإبداع كما أشرت قبلاً، تلك الحرية التي ميَّزت الحركة البروتستانتية في دعم النظم الديمقراطية التي تمنح الحرية للإنسان أن يختار بملء إرادته، وأن يتحمل نتيجة اختياراته.

*  هل تفوقت حركة لاهوت التحرير على حركة البروتستانتية من حيث الحداثة والتعامل مع الواقع المعاش؟
- هناك اختلاف كبير جداً بين لاهوت التحرير وحركة الإصلاح الديني من حيث الظروف التاريخية والجغرافية التي نشأ فيها كل منهما، ففي حين توجه الإصلاح الديني البروتستانتي في أوربا إلى الإصلاح الدوجماطي والليتورجي أي العقيدة والطقوس، توجه لاهوت التحرير إلى إصلاح الاختيارات التي تقوم بها الكنيسة، فإلى أيٍّ يجب أو تولي الكنيسة اهتمامها: الفقراء أم الأغنياء؟ الجياع أم المتخمين؟ المستضعفين أم المستكبرين؟ بمعنى آخر في الوقت الذي كان فيه الإصلاح البروتستانتي ثورة ضد الكنيسة ونظمها وعقيدتها وقادتها، كان لاهوت التحرير ثورة داخل الكنيسة ضد اختياراتها، فلم يحدث أن تنكر قادة لاهوت التحرير لكنيستهم الكاثوليكية.  

شارك