البروتستانت يعودون لحضن العذراء مريم القس نصر الله زكريا – اتهام الإنجيليين بإهانة العذراء باطل

الإثنين 10/أغسطس/2015 - 04:17 م
طباعة البروتستانت يعودون
 
يحتفل المسيحيون في العديد من بلدان العالم هذه الأيام بصيام العذراء مريم، والمتداول أن الإنجيليين وبعض المذاهب الأخرى لا يكرمون العذراء مريم التكريم الكافي؛ لدرجة أن الكثير من الأقباط الأرثوذكس يقولون: إن المسلمين يعطون العذراء حقها في التكريم والتقدير أكثر من البروتستانت. ويتداول البعض أقوال تنسب للإنجيليين غير لائقة؛ حيث يشبهون العذراء بقشرة البيض – والمسيح هو البيضة – أو بلاص العسل – وطبعا المسيح هو العسل – أي إنها مجرد حامل للمسيح، ولم يحدث أن وجدنا قسيسًا إنجيليًا متلبث بهذا الفكر، ومؤخرا وجدنا القس نصرالله زكريا مدير المكتب الإعلامي للكنيسة الإنجيلية يكتب كتابًا يكرم فيه العذراء بعنوان "شخصيات لها بصمات"، إذن ما هي حكاية قشرة البيض والبلاص؟ وهل عاد البروتستانت لتكريم العذراء مريم ولحضنها بعد انتهاء معركتهم مع الكاثوليك؟ هذا ما سنعرفه في هذا الحوار:
 
* من هي العذراء مريم بالنسبة للإنجيليين؟
القديسة العذراء مريم تقف في كل التاريخ في نقطة المركز من دائرته، لقد اختارتها نعمة الله لتصبح رابطة بين السماء والأرض، بين الفردوس المفقود والفردوس المردود، وفي شخص وليدها ومن أجله. ألا نعظم الله معها، ألا نعظم الله من أجلها، ألا نشترك مع جميع الأجيال في تطويبها، فنقول مع أليصابات: "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فيِ الْنِسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِي ثمَرَةُ بَطْنِكِ"؟ (لوقا 1: 42).
عاشت العذراء مريم، كالنور الذي يشع وسط الظلام، فقد كانت فتاة طاهرة، نقية الأخلاق، تحيا حياة القداسة، حسب دعوة الله "وَتَكُوُنُونَ ليِ قِدِّيِسِينَ لأَنيِ قُدُّوسٌ أَنَا الْرَّبُّ، وَقَدْ مَيَّزتُكُم مِنَ الشُّعُوبِ لِتَكُوُنوا ليِ" (لاويين 20: 26). كانت تحيا في علاقة حية وصحيحة مع الله. 
كانت تعرف الكتب المقدسة وتحفظ منها الكثير، وحين ترنمت بأنشودتها العذبة كانت تستمد كلماتها مما في ذاكراتها، وقد كانت هذه الكلمات مما تَغَّنت بها حنة، وترَّنم بها كاتبو المزامير.
إلى هذه الفتاة العذراء مريم جاءت نعمة الله، تدعوها لتكون أُما للمسيح، ابن الله، الذي اشتهت الأجيال أن يُولد فيما بينها، وتمنت النساء أن يأتي منهن، ويا لها من نعمة تلك التي تأتي من الله لتختار إنساناً، وتمنحه ما لا يستحق، فالنعمة هي أن يُمنح شخصٌ شيئاً لا يستحقه، وما كان للإنسان أن يدخل في علاقة صحيحة مع الله، ما لم يتدخل الله بنعمته ليصنع لنا طريقاً من خلال تجسد ابنه يسوع المسيح فنستطيع أن نصبح أولاداً لله.
وقد جاءت شهادة الله لحياة الطهارة والنقاء التي للعذراء مريم بين جميع النساء فيما قاله الملاك جبرائيل، إذ بدأ كلامه معها "وَقَالَ سَلاَمٌ لَكِ أَيْتَهُا المُنَعمِ عَلَيْهَا، الرَّبُّ مَعَكِ، وَقَالَتْ مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فيِ الْنِسَاءِ " (لوقا 1: 28).
* هذه نظرة تقدير للسيدة العذراء مريم، فهل يتفق الإنجيليون في هذه النظرة؟
تحظى القديسة العذراء مريم بكل الحب والتقدير والاحترام والتوقير من غالبية الإنجيليين، وقد أكَّد المصلحون الأوائل مثل المُصلِح مارتن لوثر، والمُصلِح جون كالفن وغيرهم على أهمية وقدسيِّة وقيمة القديسة العذراء مريم، فكتب لوثر عنها قائلاً: "إنّ مريم العذراء ليست مثالَ المؤمن المسيحيّ فحسب، بل هي مثال الكنيسة، إنّها رمز الكنيسة في إطاعتها لأمر الروح القدس، وفي تواضعها وفي دعوتها العظيمة. وهي تاليًا تجسيم للنعمة غير المستحَقَّة."، كما كرّمَ كالڤن– مؤسس المذهب الإنجيلي المشيخي- العذراء مريم، حين قال عنها إنها "مُعلِّمتنا"، "مثالاً يُحتذى به" في: التّلمذة، معرفة الكتاب، تمجيد الله والشهادة للناس. صوَّرَ كالڤن مريم، وما تعنيه للإيمان المسيحيّ، بطريقة أخلاقيّة تعليميّة مرتكِزة على الأناجيل، وخصوصًا بداية إنجيل لوقا. كَتَبَ كالڤن مُفسِّرًا (لوقا 1: 42): "لا نقدر اليوم أن نحتفل بالبرَكة المعطاة لنا في المسيح، من دون أن نتذكّر في الوقت ذاته الشّرف الرّفيع الذي منَحَه الله لمريم التي اختارها لتكون أُمًّا لابنه الوحيد." لقد كان موقف كالفن من مريم موقف الاحترام والإكرام كما يقول: "مريم هي مخزَن كنز النّعمة" (أي أنّها استودَعت النّعمة "المسيح")." 
وهذا ما يؤكده أيضاً الدكتور القس لبيب مِشرقي أحد رواد الكنيسة الإنجيلية المصرية في قوله: "لا عَجَب أن يضطرب القلم وهو يقترب من قُدْس العذراء المبارَكة. فإنّها، وإن تكن من البشر، إلاّ أنّ أمومتها للسيّد تُضفي على شخصها نورًا قُدسِيًّا يرفعها عن طبقة البشر العاديّين"، أما القس إلياس مقار رئيس الطائفة الإنجيلية الأسبق فقد قال عنها: "إن القديسة العذراء أضحَتْ كوكبًا لامعًا في كلِّ أجيال التّاريخ".
وأخيراً أذكر ما كتبه اللاهوتي الألماني كارل بارت في هذا الشأن حين قال: "يجب أن نحترم شهادة الذين كانوا قبلنا في الكنيسة والذين هم معنا الآن فيها؛ لأنّها شهادة آبائنا وأخوتنا الذين نحترم ونحب". وقد لخَّص الدكتور القس جورج صبرا نظرة الإنجيليين عن القديسة العذراء مريم في كلمات ثلاث هي: "الاحترام والانفتاح والمحبة.

* من أين يستمد الإنجيليون هذه النظرة التي تتسم بالسمو والاحترام للقديسة العذراء؟
يعتمد الإنجيليون على الكتاب المقدس في مختلف مناحي الحياة، ومنه يستمدون عقيدتهم وفكرهم وأسلوبهم في الحياة، وقد قدَّم الكتاب المقدس العذراء مريم على أنها الفتاة المُنعَم عليها، والمباركة وسط النساء، هذا ما جاء في بشارة الملاك لها حين حيَّاها قائلاً: «سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ» (لوقا 1: 28). وقد أطلق العهد الجديد عليها ألقاباً عدة منها: كما سبق ذكره "المُنعم عليها" (لوقا 1: 28)، المباركة في النساء" (لوقا 1: 28، 42)، "أم ربي" (لوقا 1: 43)، التي آمنت" (لوقا 1: 45)، أم يسوع" (مرقس 3: 31)، أم المسيح" (متى 1: 21)، "إمرأة" (يوحنا 2: 4، غلاطية 4: 4). فالعذراء في العهد الجديد هي مثال للإنسان المؤمن الذي يسمع كلمة الله ويحفظها ويؤمن بها ويعمل بموجبها.
أما الشق الثاني الذي يعتمد عليه الإنجيليون في نظرتهم للقديسة العذراء مريم، هو ما يُعرف بالمجامع المسكونية الأولى، وقد
أقرت هذه المجامع ثلاث حقائق تُشكِل جزءاً هاماً من إيماننا الإنجيلي عن العذراء، فالمجمع المسكوني الأول في نيقية أقرَّ أن مريم كانت عذراء عندما حبلت بالمسيح، وهذا هو جزء من الإيمان الذي نعترف به. ويتمسك المصلحون بأنَّ المسيح حُبِل به من الروح القدس وَولِد من مريم العذراء، كما أقرَّ المجمع المسكوني الثالث والذي انعقد في أفسس 431 بأن مريم هي والدة الإله وإن كان لا بد وأن نلاحظ أن لقب العذراء مريم هذا لم يصاغ لتأكيد ألوهية العذراء، بل لتأكيد ألوهية المسيح....وذلك ضد نسطوريوس الذي نادى أن مريم العذراء هي فقط أم يسوع الإنسان، وليست أم الإله... أي أن يسوع حبل به أولا كإنسان ومن ثم اتحد الله معه لاحقا وتبناه جاعلا إياه ابنه. لذلك جاء القول أن العذراء والدة الإله ليؤكد أن يسوع إنما كان منذ لحظة تجسده الأولى الكلمة الأزلية الإلهية .... ولكن هنا أيضا لا بد أن نشير إلى أن العذراء لقبت بوالدة الإله وليس أم الله. إن مقررات المجامع المسكونية إنما تنظر إلى منزلة العذراء من زاوية ابنها، ولا يوجد دور مستقل للعذراء في تاريخ الخلاص.

* إذاً لماذا يُتهم الإنجيليون بأنهم لا يُقدِرون العذراء مريم، ويتردد دائماً القول بأن الإنجيليين ينظرون للسيدة العذراء على أنها قشرة البيضة التي أُخِذَ ما بداخلها، ثم أُلقيت، أو البلاص الذي أُخِذَ منه العسل ولا قيمة له بعد ذلك.. إلى آخر ذلك؟
الحقيقة المؤكدة أنَّ وجود اتهامٍ ضد أحد أو جهة ما لا يعني أبداً أنَّ الاتهام صحيحاً، وهناك قولٌ شائع: "إن الإنسان عدو ما يجهل"، فما أسهل أن تتهم مَن لا تعرفهم عن أن تدرس وتسأل وتعرف عما تجهله، فقد سبق وقدمت لآراء المصلحين الأوائل ورجال الفكر الإنجيلي الغربي والعربي والمصري والجميع أكَّد على مكانة العذراء واحترامها وقدسيتها، وقد ردَّ على هذا الاتهام الدكتور القس لبيب مشرقي، في كتابه: " قصة العقيدة الإنجيلية" بشأن العذراء مريم قائلاً: "إن جماعة الإنجيليين متهمون ظلماً أنهم لا يكرمون العذراء الإكرام الواجب. وهي فرية يشيعها بعض المتعصبين الذين يعلنون أن العذراء تخصهم وأن لا علاقة لنا بها. وقد نسي هؤلاء أن مريم العذراء هي أم مسيح الكل. وإذا فرضنا المستحيل وقلنا أن بعض الإنجيليين لا يكرمون أم يسوع فإن هؤلاء يسيئون إلى إنجيليتهم، فالإنجيليون يؤمنون بالكتاب المقدس الذي أعطى العذراء أعظم كرامة قدمت لإنسان على وجه الأرض. يكفي أن ابن الله حل في بطنها. ويكفي أن الآب السماوي ائتمنها على العناية بابنه في أولى الدرجات الإنسانية ".
كما أنني إنجيلي المَوّلِد والمنشأ والتعليم، أؤكد لك أنني لم أسمع في حياتي أي من قادة الكنيسة الإنجيليِّة مِن علَّم أو نادى بمثل هذا القول الذي يردده الكثير من اللاهوتيين والشعب البسيط متهمين الإنجيليين بمثل هذا الكلام.

* في رأيك .. لماذا ينتشر هذا الاتهام في الأوساط التقليدية ضد الكنيسة الإنجيليّة؟ فهل يوجد دخان بلا نار؟!
إنَّ هذا الاتهام غالباً ما يأتي نتيجة لعدة أمور، أولها عدم التعمق في دراسة الفكر الإنجيلي بصفة عامة، وما ينادي به وسجله المصلحون وثقات المفكرين الإنجيليين في هذا الأمر تحديداً، ثانيها الفهم الخاطئ لما تعتقده وتؤمن به الكنيسة الإنجيليِّة عن شخص القديسة العذراء مريم وبين القضايا المريمية، أي ما يتعلق بعقائد الكنائس التقليديِّة عن العذراء، ففي حين أجمع المصلحون جميعاً على تكريم وتبجيل العذراء مريم، إلا أنهم اتفقوا أيضاً على عدم قبول شفاعتها لأسباب ثلاثة فهي تناقض تعاليم الكتاب المقدس، وتناقض مبدأ الخلاص بالنعمة والإيمان، ولأنها تناقض مبدأ شفاعة المسيح.
وقد يكون هذا الاتهام نتيجة ردة فعل الكنيسة الإنجيليّة من المغالاة في تقدير العذراء مريم من الكنائس التقليدية؛ ما أدى عدم التركيز بشكل واضح وقوي في برنامج العبادة الإنجيلية، حتى أصبَحَت مريم بالنسبة للإنجيليّين عبارة عن اسم يتردد داخل قصة الميلاد، وتمثال يُوضَع في المغارة التي تجسِّد المذود، وشخصية صامته في أوبريت العيد. 

* لماذا فكرت أن تكتب كتاباً عن العذراء مريم الآن؟ وهل هناك كُتَّاب إنجيليون غيرك كتبوا عن العذراء مريم؟
لقد كتبت عن القديسة العذراء مريم، وعن القديس أوغسطينوس وعن القديس أثناسيوس الرسولي، وغيرهم من رجال ونساء الكتاب المقدس في كتاب أسميته "شخصيات لها بصمات"، وذلك انطلاقاً من رؤيتي أنَّ هؤلاء جميعاً قادة وخدَّام خدموا كنيسة المسيح العامة في كل مكان وزمان، وهم ليسوا حكراً على طائفة أو مذهبٍ بعينه، ومن إيماني بأنهم قدوة تحمل شخصية كل منهم دروساً علينا أن نتعلم منها، ولقد علمنا الكتاب المقدس قائلاً: "اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ" (عبرانيين 13: 7).
يوجد الكثير من الإنجيليين الذين كتبوا عن العذراء مريم سواء كتابات خاصة تحمل اسمها، أو مقالات ضمن كتابات أخرى. وأذكر على سبيل المثال وليس الحصر: الدكتور القس لبيب مشرقي، القس إلياس مقار، الدكتور القس جورج صبرا، القس تشارلي قسطة، الدكتور القس مكرم نجيب، القس مدحت نادي، القس جوهر عزمي، القس مينا مرقس. 

* انطلاقاً من الفكر الإنجيلي.. ما هي بعض الدروس التي يمكن أن نتعلمها من حياة القديسة العذراء مريم؟ 
1- إن الله لا يدعونا لحياة سهلة، ومريحة، بل لحياة أفضل بكل ما تحمل هذه الحياة من تحديات وصعوبات، لكنه هو ذاته يضمن لنا النصرة والغلبة فيها، ويهيئ لنا طريقاً في المواقف الصعبة.
2- لا يطلب الله منا مؤهلات خاصة، لكنه يطلب القلب الوديع والمتواضع، الإيمان الواثق في قدرته.
3- حين نخضع لمشيئة الله، فإنه يحقق بنا ومن خلالنا أعماله العجيبة والفائقة.
4- تتضح حياة الإيمان وتظهر عندما نستجيب لما يطلبه الله منا، مهما بدا ذلك مستحيلاً وصعب التحقيق.
5- يمكن لأي إنسان أن يكون وديعاً ومتواضعاً حين يدرك موقفه الحقيقي في محضر الله، ويتأكد من غنى نعمة الله الذي يشمله في المسيح يسوع.
6- إن نعمة الله تشمل جميع حوانب حياتنا، وهي تخص الذين يقبلون عمل المسيح بالبنوية لله، لتجعل منهم أولاداً له. 
7- حين تكون علاقة الإنسان بالله صحيحة فإن هذه العلاقة تنعكس على علاقاتنا المختلفة بالآخرين، وعلى تقبلنا لمشيئة الله.
1. الكبرياء هي رفض نعمة الله، أو عدم تقديم الشكر على عطاياه الوفيرة.

شارك