الصفقات الحرام لبريطانيا مع الإرهابيين.. المملكة المتحدة وتنظيم الجهاد (الحلقة الخامسة)

الخميس 15/أكتوبر/2015 - 03:40 م
طباعة الصفقات الحرام لبريطانيا
 
في الحلقات السابقة من عرضنا للكتاب الوثائقي الضخم التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين، والذي كشف فيه الكاتب الصحفي مارك كورتيس عن خفايا وكواليس ودور بريطانيا في صناعة دولتين لهما دورهما الكبير في تمويل الإرهاب الإسلامي بكل أشكاله، وهما السعودية وباكستان، كما قدم أدلة على تدخل المملكة المتحدة في أسلمة مصر، وفي هذه الحلقة نستعرض كواليس تآمر بريطانيا مع تنظيم الجهاد. 
تنظيم الجهاد
سرعان ما بدأ حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة – السعودية ومصر وباكستان – في تنظيم حرب المقاومة، بمساعدة أمريكية وبريطانية. (وتعالت أصوات النظام السعودي، ووسائل الإعلام والمساجد مطالبة بمساندة الجهاد ضد الشيوعيين الكفرة في كل أنحاء المملكة، في حين لعبت رابطة العالم الإسلامي التي يدعمها السعوديون دوراً رئيسياً في إرسال الأموال. وكانت السعودية والولايات المتحدة، هما الممولتين السخيتين الرئيسين للحرب، وقدم كل منهما نحو 3 مليارات دولار. وكان الأمير تركي رئيس المخابرات هو الذي يدير التمويل السعودي، وعمل في ذلك من بين كثيرين آخرين مع "بن لادن"، وهو ابن رجل أعمال ثري له روابط وثيقة مع الأسرة المالكة. وكان "بن لادن" الذي استخدم موارده المالية الخاصة لمساعدة المقاومة الأفغانية، من بين أوائل العرب الذين وفدوا للمشاركة في الجهاد، فقد جاء في 1980واستمر طوال الحرب بأكملها، وإن لاحظ أحد المحللين أن "بن لادن" زار لندن أيضاً في مطلع الثمانينيات، وأنه ألقى عظات وخطباً دينية كثيرة في مركز ريجنت بارك الإسلامي. كما يعتقد أن الملك السعودي فهدًا، الذي تولى السلطة في المملكة في 1982، وولي العهد عبدالله – الملك الحالي– قد التقيا "بن لادن" ومولاه.
وقد استخدم بن لادن نقوده الخاصة لتجنيد المتطوعين العرب وتدريبهم في باكستان وأفغانستان، وأقام علاقات طيبة مع قادة أفغان مثل حكمتيار ومسعود، وغضت المخابرات الباكستانية الطرف عن ذلك. وليس هناك أدلة على دعم بريطاني أو أمريكي مباشر لـ"بن لادن"، لكن أحد مصادر المخابرات المركزية ادعى أن مبعوثين أمريكيين التقوا "بن لادن" بصورة مباشرة، وكان هو أول من اقترح تزويد المجاهدين بقذائف ستينجر المضادة للطائرات. ولاحظ جون كولي الصحفي الأمريكي أن "وكالة المخابرات الأمريكية التي كانت منبهرة بوثائق اعتماد بن لادن السعودية الخالية من العيوب، أطلقت له العنان في أفغانستان"، لتنظيم المقاتلين المتأسلمين.
وكانت مصر السادات لاعباً رئيسياً ثانياً، فقد نظمت نقل المتطوعين المصريين إلى أفغانستان، بمن فيهم الإخوان المسلمون، الذين شكلوا نسبة كبيرة من المقاومة المناوئة للسوفيت. وبعد اغتيال المتأسلمين للسادات في 1981، قام بعض من هؤلاء الذين سجنوا مؤقتاً، بهذه الرحلة لاحقاً، ومنهم محمد عاطف، الذي أصبح معوناً لصيقاً لـ"بن لادن". وحارب كثيرون من المتأسلمين المصريين المتشددين مع حزب حكمتيار الإسلامي.
ونظمت باكستان، التي كانت حينذاك تعيش في ظل الأحكام العرفية عقب انقلاب الجنرال ضياء الحق في يوليو 1977 على حكومة بوتو، المقاومة الأفغانية وإداراتها في الميدان. وكان ضياء الحق الذي تدرب في الجيش البريطاني في الهند في الأربعينيات، وبعد ذلك في فورت براج في الولايات المتحدة الأمريكية، قد خدم أيضًا في الأردن في 1970، وقاد مرتزقة لسحق الفلسطينيين، نيابة عن الملك حسين خلال أيلول الأسود. وبعد استيلاء ضياء على السلطة، شرع في تنصيب نفسه وباكستان حاميين للإسلام، وأصبح التدين المتزمت والمتعصب سياسة للدولة في باكستان. ولما كان ضياء يفتقر لقاعدة سياسية، فقد التمس تأييد الملالي، بل ومضى إلى حد أبعد من السادات في "أسلمة" المجتمع الباكستاني، وطبقت حكومته الشريعة في 1979 وساندتها الجماعة الإسلامية القوية التي وفرت قناة أساسية للمعونة المالية العربية للمجاهدين في أفغانستان. وعلمت شبكة الجماعة الإسلامية في مدارس ديوباندي الدينية، والمعروفة باسم المدارس، عشرات الآلاف من السكان وأكسبتهم طابعاً راديكالياً في السبعينيات والثمانينيات، ساعدها في ذلك التدفق الحاشد من الأموال التي انهمرت لدعم قضية نضالية إسلامية في المنطقة.
وتم تنظيم شحنات الأسلحة المقدمة إلى المتمردين الأفغان ونقلها من خلال باكستان، خاصة عن طريق جهاز المخابرات الباكستاني. وفي اجتماع عقده الجنرال ضياء مع بريجنسكي في يناير 1980، أصر على ألا تقدم وكالة المخابرات المركزية إمدادات مباشرة للأفغان، بغية الإبقاء على سيطرة باكستان على العملية. ومن بين الكميات الضخمة من الأسلحة المصدرة إلى باكستان، بافتراض توزيعها من هناك على الجماعات الإسلامية، باعت القوة الباكستانية نحو الثلث منها في السوق السوداء، ولم تصل مطلقاً إلى متلقيها المقصودين. ومن 1983 إلى 1987، ارتفعت الشحنات السنوية من الأسلحة من 10 آلاف إلى 65 ألف طن.
وقد جرى تنظيم المقاومة الأفغانية في سبع مجموعات أساسية، عرفت باسم بيشاور، على اسم مدينة تقع في شمال غربي باكستان؛ حيث تمركزت في قواعد. وكانت أهم أربع جماعات جميعها من المتشددين الجهاديين، الذين يؤمنون بالحرب المقدسة والتزموا ببناء مجتمع إسلامي. وقد أسماها أحد المؤرخين بأنهم إخواهابيين – إذ تأثرت بأيديولوجية الإخوان المسلمين (الإخوانية) والأيديولوجية المحافظة بصورة مغالى فيها للسعوديين (الوهابيين). وانقسم الحزب الإسلامي إلى فصيلين، أحدهما يقوده قلب الدين حكمتيار، الذي كان قد انشق على جماعة رباني الإسلامية، وهيمن عليها الإخوان المسلمون، وكانت هذه هي أقوى الفصائل الباكستانية، وتلقت أكبر حصة من المعونة الخارجية، خاصة من جهاز المخابرات الباكستاني والجماعة الإسلامية الباكستانية. وكان الفصيل الثاني من الحزب الإسلامي بقيادة يونس خالص، وهو ملا وعالم كان يبلغ من العمر ستين عاماً، وكان من بين قواده العسكريين جلال الدين حقاني وعبد الحق، الذي سنعرض له لاحقاً .ثم كانت هناك الجماعة الإسلامية لبرهان الدين رباني الذي كان أحمد شاه مسعود هو قائده العسكري في الميدان. وكانت الجماعة الرابعة هي الاتحاد الإسلامي الذي يقوده عبد الرسول سياف، وهو وهابي له ارتباطات بالسعودية، التي قدمت معظم دعمها لسياف إلى جانب حكمتيار، وكان سياف هو الذي ذهب معه بن لادن، وكذلك خالد شيخ محمد، مهندس 11 سبتمبر، إلى المعركة أولاً.
وتم إلحاق المتطوعين الإسلاميين غير الأفغان بهذه الجماعات، وانضم معظمهم إلى حكمتيار وسياف. وتتباين تقديرات من تدربوا في أفغانستان وحاربوا فيها بصورة واسعة، من 25 إلى 85 ألفاً. وعلى الرغم من أن إسهامهم في المجهود الحربي ضد المحتلين السوفيت كان كبيراً في بعض الأوقات، فإنه لم يكن له شأن بالقوات الأفغانية نفسها، التي وصل عددها إلى 250 ألف في كل الأوقات. وكان المنظر الرئيسي للمتطوعين "الأفغان العرب" هو عبد الرحمن عزام، وهو أخ مسلم فلسطيني وأستاذ في الجامعة لقي ترحيباً في السعودية في الستينيات وأثر التعليم الذي قام به في جده على أسامة بن لادن. وكان عزام قبلاً مسئولاً عن التعليم في رابطة العالم الإسلامي، التي أرسلته إلى إسلام آباد في 1980 للتدريس في الجامعة الإسلامية الدولية، وكانت هي نفسها تمول جزئياً من قبل الرابطة الإسلامية ويشرف عليها الإخوان المسلمون. وفي 1984 انتقل عزام إلى بيشاور بعد أن حصل على موافقة الرابطة لفتح فرع هناك. وسمح له هذا بأن يقيم مكتباً للخدمات لتنظيم قوة المتطوعين المجاهدين، وإدارة أموالها ونشر فكرة النضال الدولي المسلح. وقد أقيم مكتب بيشاور بمساعدة الجماعة الإسلامية الباكستانية وموله أسامة بن لادن في البداية إلى جانب هبات كبيرة من السعودية.. أنفق المكتب 200 مليون دولار من المعونة القادمة من الشرق الأوسط ومن الغرب، أساساً أمريكا وبريطانيا، المكرسة للجهاد في أفغانستان، وغالباً ما اعتمدت جهوده في مجال التجنيد على شبكة مكاتب الإخوان المسلمين.
العمل السري البريطاني
انطوى الدور البريطاني في حرب أفغانستان أساساً على التدريب العسكري السرى وإمدادت الأسلحة، ولكنه امتد أيضًا إلى ما وراء أفغانستان إلى الجمهوريات الإسلامية جنوبي الاتحاد السوفيتي. ولعبت بريطانيا دوراً حيوياً في دعم الولايات المتحدة وعملت بوصفها ذراعاً سرية بحكم الأمر الواقع للحكومة الأمريكية ومضى دورها عادة لما وراء ما كانت القوات الأمريكية قادرة على القيام به أو راغبة فيه؛ لأنها كانت تواجه إشرافاً من الكونجرس أكبر مما كان قائماً في بريطانيا.
وهكذا، فقد لعبت القوات السرية البريطانية، على خلاف القوات السرية الأمريكية دوراً مباشراً في الحرب.. والواقع أنه في المراحل المبكرة من الحرب كان مغاوير (كوماندوز) جهاز المخابرات البريطاني يدخلون أفغانستان ويخرجون منها من باكستان، لينقلوا إمدادات للجماعات الأفغانية بصورة مستقلة عن الباكستانيين – وفي مخالفة لمطالب الجنرال ضياء. وفي البدء اقترحت بريطانيا على الولايات المتحدة إرسال أسلحة سوفيتية للقوات الأفغانية بغية إخفاء مصدرها الأصلي، ووافق الرئيس كارتر على هذه العملية، غير مدرك كما يبدو أن الأسلحة كان يتم توريدها من خلال شبكة منذر الكسار، العميل البريطاني الذي كان يقوم بالتوريد أيضًا للمتطرفين الفلسطينيين. وبناء على طلب الولايات المتحدة، تم شحن 600 قذيفة ضد الطائرات تحمل على الكتف تعمل بماسورة النفخ بدءاً من ربيع 1986، كان قد تم الاستغناء عنها عقب دورها غير الفعال في حرب فوكلاند. كما ساعد جهاز المخابرات الخارجية البريطاني وكالة المخابرات المركزية في مرحلة مبكرة من الحرب بتفعيل الشبكات البريطانية من الاتصالات في البلاد القائمة منذ أجل طويل – وهو في الواقع دور مماثل لذلك الذي لعبه الجهاز في انقلاب 1952 في إيران. وهكذا، استطاعت بريطانيا أن تجعل نفسها جاهزة تحت الطلب لمد يد المساعدة السريعة، رغم أن الأمريكيين كما لاحظ خبير بريطاني في شئون المخابرات "دفعوا معظم الفواتير"، وفي ذلك الوقت كان الدور البريطاني المتخصص في العمل السرى يعتمد على الكرم الأمريكي.
وعمل جهاز المخابرات الخارجية البريطاني إلى جانب فريق الخدمات الخاصة الباكستاني، الذي وجه الكوماندوز التابعين له في عمليات حرب العصابات في أفغانستان. وكانت التعليمات البريطانية الأمريكية تستهدف تمكين ضباط فريق الخدمات الخاصة الباكستاني من نقل ما تلقوه من تدريب للجماعات الأفغانية والمتطوعين المجاهدين. وكان العقيد برفيز مشرف أحد قادة هذا الفريق، وأمضى سبع سنوات مع هذه الوحدة، ويعتقد أنه قام بتدريب المجاهدين. وكان ضياء الدين، قد اختار مشرفًا عضواً مخلصاً في جماعة ديوباندي، وزكته الجماعة الإسلامية حسبما قال بعض المحللين، وعندئذ اتصل مشرف بـ"بن لادن". وقد كتب مشرف مؤخراً في سيرته الذاتية إننا: "ساعدنا في إنشاء المجاهدين، وأشعلنا خيالهم بالحماسة الدينية في الدورات التي عقدناها لهم، وسلحناهم، ودفعنا لهم أموالاً، وأطعمناهم، وأرسلناهم للجهاد ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان". ويدعي أنه لم تدرك لا باكستان ولا الولايات المتحدة ما يمكن لأسامة بن لادن "أن يفعله لاحقاً بالتنظيم الذي مكناه جميعنا من إقامته".
وكان التدريب والتعليم الذي جرى تقديمه للباكستانيين وكبار القادة الأفغان في مجالات مثل استخدام المتفجرات، والأسلحة الآلية وأدوات التحكم عن بعد لتفجير الألغام والقنابل، وممارسات التدمير وإحراق المباني، وكلها استخدمت في أعمال إرهابية فيما بعد. وقدمت وكالة المخابرات المركزية تشكيلة واسعة من الأسلحة لجهاز المخابرات الباكستاني، بما في ذلك متفجرات لدنة وبنادق للقناصة ومعدات متقنة للتوقيت والتفجير الإلكتروني التي جعلت تفجير القنابل من موقع بعيد أكثر سهولة – وهي بنود "للاستعمال المزدوج" يمكن استخدامها لمهاجمة أهداف عسكرية، وكذلك استخدامها في عمليات إرهابية. كما شملت بعض برامج التدريب كيفية طعن حارس من الخلف، وقتل قادة العدو واغتيالهم، وعمليات الخنق والضرب بالفأس للتقطيع إلى أجزاء. وقد لاحظ العقيد محمد يوسف من جهاز المخابرات الباكستاني فيما بعد أن التدريب تراوح من غرس سكين بين عظم كتف جندي سوفيتي وهو يتسوق في البازار إلى وضع قنبلة في محفظة الأوراق في مكتب مسئول كبير. وكانت مؤسسات التعليم الأفغانية تعتبر مناسبة تماماً كأهداف- مثلما شرح- حيث إنها كانت تضم "الشيوعيين الذين يلقنون الطلاب عقيدتهم الشيوعية".
كما دربت بريطانيا القوات الأفغانية بصورة مباشرة، وتم ذلك في كثير من الحالات بتعاقد مع شركات أمن خاصة، وهي سياسة سمحت بها هوايتهول، وكانت الشركة الأساسية هي شركة كيني ميني سيرفسز، وهو الاسم الذي أطلق على المرتزقة البريطانيين الذين كانوا يقاتلون لصالح بريطانيا في كينيا خلال الحرب الوحشية التي دارت فيها في الخمسينيات. وكان التدريب الذي تقوم به هذه الشركة، بقيادة ضباط جهاز المخابرات الخارجية السابقين، يقدم لأعداد صغيرة من وحدات الكوماندوز الأفغانية في قواعد سرية تابعة لجهاز المخابرات الخارجية البريطاني ووكالة المخابرات المركزية في السعودية وعمان، وكانت قواعد الأخيرة تستخدم أيضًا كنقاط تفويج وإعادة تزويد رحلات طائرات الإمداد في طريقها إلى باكستان. وفي 1987 نشرت صحيفة الأوبزرفر اقتراحاً سرياً قدمته الشركة المذكورة لوكالة المخابرات المركزية بإرسال فريق صغير من معلمي جهاز المخابرات الخارجية البريطانية إلى أفغانستان لتدريب المتمردين على "التفجير والتخريب والاستطلاع والعمل الطبي المساعد".
يقول كيني كونور الذي عمل في جهاز المخابرات الخارجية مدة ثلاثة وعشرين عاماً، إنه كان جزءاً من فريق جنود "المخابرات السابقين" الذي درب عدداً مختاراً من صغار قادة المجاهدين في أسكتلندا في شمالي إنجلترا في 1983. إذ كان يتم تهريب الأفغان إلى بريطانيا تحت ستار أنهم سياح، ويجري تدريبهم في دورات لمدة ثلاثة أسابيع في معسكرات سرية. وكما كتب كونور فقد "كانوا محاربين مسلحين جيداً ويتسمون بالضراوة، لكنهم كانوا يفتقرون إلى التنظيم في المعركة". وانطوى التدريب على أنشطة عسكرية شتى، بما في ذلك "تخطيط العلميات، واستخدام المتفجرات، والسيطرة على نيران الأسلحة الثقيلة – الهاون والمدفعية"، وكيفية مهاجمة الطائرات، وكيفية نصب كمائن مضادة للطائرات تواجه مدرجات الطائرات وتنظيم "كمائن مضادة للمدرعات". ويلاحظ كونور أنه كان هناك "تعاطف قوي" بين المدربين والمجاهدين، لكن الدفء كان قليلاً بين المجاهدين والحكومة البريطانية"، كان ذلك على وجه صارم هو زواج مصلحة بين تنظيمين لا يوجد شيء واحد يجمع بينهما".
وقد دعمت بريطانيا جماعات أفغانية شتى.. وعلى خلاف المعتاد، كان يقودها شخص علماني وليس عالم دين، وهو سيد بير جيلاني، وكانت تنادي بإعادة ظاهر شاه الله الملك السابق- وهي سياسة تتفق مع تفضيل هوايتهول التاريخي للملوك، إذ يبدو أن بريطانيا كانت في البدء تنظر إلى ظاهر شاه باعتباره قائداً محتملاً في المستقبل فور هزيمة السوفيت. وكانت قوات الجبهة التي دربتها بريطانيا بقيادة العقيد صافي، وكان ضابطاً أقدم في الجيش الأفغاني الملكي، عاش بعد خلع الملك في المنفى في بريطانيا. وادعى صافي فيما بعد أنه درب نحو 8000 رجل في معسكرات الجبهة، وبحلول أوائل التسعينيات، كان لا يزال يعيش في لندن وأصبح ممثل طالبان في أوروبا، وكانت هي التي تسيطر على أفغانستان آنذاك.
كما دعمت بريطانيا جماعات متأسلمة. وكان ضابط المخابرات الخارجية البريطاني في إسلام آباد الذي ينسق المساعدات البريطانية المقدمة إلى المجاهدين، هو الاستير كروك، الذي "عرف" كما ورد فيما بعد "بعض المناضلين الذين أصبحوا قادة في القاعدة". وقد وصفة ميلت باردن وهو رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في باكستان في منتصف الثمانينيات بأن "وضعه على الحدود أمر طبيعي" وأنه "عميل بريطاني لا يتردد في اللعبة الكبرى". وجرى تقديم التدريب كذلك لقوات الحاج عبد الحق، وهو قائد عسكر كان يقف مع فيصل يونس خالص من الحزب الإسلامي. وكمجاملة للمخابرات المركزية، أدار جهاز المخابرات الخارجية عملية لتزويد عبد الحق بقذائف مواسير النفخ في 1986. وكان عبد الحق واحداً من الشخصيات التي قدمها الجهاز إلى المخابرات المركزية في 1981، التي كانت لها حينذاك صلات قليلة جداً مع الأفغان، وبعد ذلك بدأت المخابرات المركزية علاقة طويلة مع عبد الحق. وبعد أن جمع الأخير قوة مقاتلة، بدأت المخابرات المركزية ترسل الأسلحة إليه وأصبح وسيطاً بين المخابرات المركزية وجهاز المخابرات الخارجية البريطانية وجبهة كابول. وكان مكتب عبد الحق في بيشاور- وهو مركز تنظيم المقاومة في باكستان- يمتلئ عادة بضباط جهاز المخابرات الخارجية ووكالة المخابرات المركزية الذين كانوا يزودونه بخرائط بالأهداف السوفيتية الجديدة التي يريدونه أن يضربها.
لكن عمليات المقاومة الأفغانية لم تقتصر على الأهداف العسكرية السوفيتية. وبمساعدة الحاج عبد الحق، كانت بريطانيا وأمريكا تساندان شخصاً مستعداً لاستخدام الإرهاب لتحقيق أهدافه. ففي سبتمبر 1984، أمر عبد الحق بزرع قنبلة في مطار كابول قتلت 28 شخصاً، كان كثيرون منهم طلاباً يستعدون للسفر إلى الاتحاد السوفيتي. وبعد ذلك بثمانية عشر شهراً، أصبح في مارس 1986 القائد الأفغاني الأول الذي رحبت به مارجريت تاتشر في لندن، وعقد بعد ذلك عدة اجتماعات مع الرئيس الأمريكي ريجان. ورداً على الانتقاد البريطاني لدوره في تفجير المطار، قال عبد الحق: إن الغرض من القنبلة كان "تحذير الناس حتى لا يرسلوا أبناءهم إلى الاتحاد السوفيتي". وقال متحدث باسم داوننج ستريت في الوقت نفسه إن "رئيس الوزراء يشعر بدرجة من التعاطف مع قضية الشعب الأفغاني وهو يحاول تخليص بلاده من الغزاة".
وكان جلال الدين حقاني واحداً آخر من القادة العسكريين في فصيل يونس خالص المنشقة من الحزب الإسلامي، وقد تلقى كمية هائلة من الأسلحة الأمريكية، استخدم الكثير منها لتجهيز المتطوعين العرب بالمعدات. ولاحظ تقرير لوكالة مخابرات الدفاع فيما بعد أن حقاني كان "القائد القبلي الأكثر خضوعاً لاستغلال جهاز المخابرات الباكستاني خلال الحرب السوفيتية الأفغانية لتسهيل إدخال المتطرفين العرب". وقد كتب ملت بيردن فيما بعد أن حقاني كان "خير صديق للأمريكيين خلال الحرب المعادية للسوفيت". وانتهت وكالة المخابرات المركزية وجهاز المخابرات الباكستاني للاعتماد عليه في اختبار نظم أسلحة وتكتيكات جديدة وتجربتها. ومضى حقاني في طريقه ليصبح القائد العسكري القيادي في طالبان. و"شبكة حقاني" حالياً هي واحدة من فصائل طالبان الأساسية التي تحارب البريطانيين في أفغانستان. وكان محمد عمر قائداً آخر من صغار قواد خالص، وقد انتهى إلى قيادة طالبان باعتباره الملا عمر".
كما ساندت بريطانيا أحمد شاه مسعود، الذي أصبح قائداً عسكرياً بارزاً في جماعة رباني الإسلامية. وقد بدأ الدعم البريطاني له مبكراً في الحرب وشمل الأموال والأسلحة وبعثة سنوية لتقدير احتياجات جماعته. كذلك قدمت هذه البعثات- وتتكون من اثنين من ضباط جهاز المخابرات الخارجية ومعلمين عسكريين- التدريب لصغار قادة مسعود وأعطت دروساً في اللغة الإنجليزية لمعاونيه الموثوق بهم. كما قدمت بريطانيا معدات للاتصالات. وتحدث مسئول بريطاني على علم بالعملية عن كيفية توافر لقوات مسعود، بمساعدة بريطانية. كانت هذه "معدات دقيقة ومتقنة، ربما بلغت ما يربو على حمل مائة طيارة من قذائف أرماليت وتينجر". وبدأت المخابرات المركزية في تزويد مسعود بالمعدات في 1984، ويقال: إنها اعتمدت على جهاز المخابرات الخارجية البريطاني في الحصول على تقارير عنه.
ويعتقد أيضا أن جهاز المخابرات الباكستاني درب قوات مسعود على استخدام أسلحة متقنة، مثل قذائف ستينجر المضادة للطائرات التي حلت محل قذائف مواسير النفخ التي زوده بها البريطانيون في 1986. وقد استخدم المجاهدون هذه القذائف لإسقاط عدة طائرات ركاب، بخسائر فادحة في الأرواح. ويلاحظ كين كونور أن "التقارير الصحفية التي ربطت بريطانيا بتوريد القذائف أدت إلى احتجاجات سوفيتيه غاضبة"، لكن "الإنكار" سمح للحكومة البريطانية بأن تستمر وسيماء البراءة الجريحة تعلو محياها". وبعد الحرب الأفغانية، تعين على الولايات المتحدة إنفاق عشرات الملايين من الدولارات في محاولة متأخرة لاستعادة قذائف ستينجر بشرائها، وقد ثبت أن هذه القذائف مربحة في السوق السوداء. كذلك عاودت قذائف مواسير النفخ التي يوردها البريطانيون في الظهور إلى السطح منذئذ. فقد حصلت طالبان على كمية منها بعد أن تولت السلطة في كابول في 1996، وعقب هزيمة البريطانيين والأمريكيين لطالبان في فبراير 2002، استعادت القوات الأمريكية ما يربو على 200 قذيفة أرض- جو، 62 منها تعمل بمواسير النفخ. وحتى في 2005، كانت هناك تقارير عن إخراج قذائف مواسير النفخ من تحت الأرض في أفغانستان- بعد نحو عقدين من توريدها لأول مرة.
كذلك مدت بريطانيا يد المساعدة إلى حكمتيار، الذي دعي إلى داوننج ستريت في 1980 واجتمع بمسئولي وزارة الخارجية في لندن في 1988. وذهبت معظم المعونة الأمريكية إلى حكمتيار – 600 مليون دولار على الأقل حسب التقديرات المتحفظة. كان حكمتيار هو أيضًا مقاتلاً لا يرحم، اشتهر بسلخ جلود الكافين وهم أحياء، في حين كانت جماعته مسئولة عن بعض الفظائع المروعة التي ارتكبت في الحرب، مثل ذبح أعضاء في الجماعات الأفغانية الأخرى التي كانت تعتبر منافسة. وقد عمل حكمتيار بصورة وثيقة مع بن لادن واتخذ خطاً معادياً للغرب بصورة عنيفة، كذلك كان صدام حسين في العراق والقذافي في ليبيا من مموليه. وقد وصف فريق عمل تابع للكونجرس جماعته في 1985 بأنها "الأكثر فساداً" بين الأحزاب الأفغانية.
ومضى العمل السري البريطاني في المنطقة إلى ما وراء أفغانستان، وانطوى على مزيد من التآمر مع قوات حكمتيار في عمليات داخل الاتحاد السوفيتي نفسه. فبدءاً من 1984، صمد وليام كيس مدير وكالة المخابرات المركزية الحر على السوفيت، عندما اتفقت الوكالة مع جهاز المخابرات الخارجية البريطاني وجهاز المخابرات الباكستاني، على خطة لشن هجمات لحرب العصابات على جمهوريتي طاجيكستان وأوزبكستان في جنوبي الاتحاد السوفيتي، اللتين كانت القوات السوفيتية في أفغانستان تتلقى إمداداتها منهما. وكانت هذه هي أولى الهجمات داخل الاتحاد السوفيتي تنطوي على عمل سري بريطاني وأمريكي منذ الخمسينيات. وشملت الأنشطة عمليات تخريب مثل الهجوم بالصواريخ على قرى في طاجيكستان، وعلى أهداف سوفيتية أخرى مثل المطارات وقوافل المركبات في أوزبكستان. وكان بعض هذه العمليات بقيادة حكمتيار، وقد وفرت لها المخابرات الباكستانية جميعها المعدات اللازمة. "وقد تم شن عشرات من الهجمات" حتى خمسة وعشرين كيلومتراً داخل الاتحاد السوفيتي، ووصلت إلى ذروتها في 1986، حسبما يقول محمد يوسف وهو ضابط سابق في المخابرات الباكستانية. كما كتب يقول: "ربما كانت أكثر العمليات في الحرب سرية وحساسية"، وقد شعر الاتحاد السوفيتي بقلق خاص إزاء انتشار الأصولية وتأثيرها على مسلمي آسيا الوسطى السوفيتية.
كما نظمت عمليات للدعاية، تضمنت قيام المتمردين الأفغان بتوزيع نسخ من القرآن باللغة الأوزبكية، كانت وكالة المخابرات المركزية قد قامت بطباعتها. ومول جهاز المخابرات الخارجية البريطاني قاضي حسين أحمد قائد الجماعة الإسلامية الباكستانية – الذي كانت له علاقات وثيقة مع حكمتيار ومسعود – لضخ الأموال والأدبيات الإسلامية في جمهوريتي طاجيكستان وأوزبكستان السوفيتيتين لإثارة الدوائر الدينية المحلية، ودفعها للتمرد على حكوماتها الشيوعية. وقد وصفت الوثائق البريطانية لمنتصف الخمسينيات الجماعة الإسلامية التي كان يقودها حينذاك مؤسسها عبد الأعلى المودودي، بأنها "حزب إسلامي ينتمي إلى اليمين المتطرف" وأن لديها مجسات في كل أرجاء البلاد، تستطيع أن تمكنها من ممارسة تأثير واسع إذا سنحت لها فرصة مواتية في أي وقت.. وهذه حركة ثورية ورجعية يقودها رجل ماهر وطموح عديم الضمير. وهم من الناحية النظرية يريدون إقامة دولة في باكستان تتم إدارتها بقدر الإمكان وفق أحكام القرآن، والسنة.. إن الدولة التي يودون إقامتها ستكون من الناحية العملية دولة دكتاتورية يحكمها أمير يتبع خطى الخلفاء..  والجماعة الإسلامية حركة خطيرة على وجه الإمكان، مماثلة بطرق كثيرة للإخوان المسلمين.
تصفية الحساب
تم طرد السوفيت من أفغانستان في 1989، وجرت الإطاحة بحكومة محمد نجيب الله الموالية للسوفيت في 1992. وقاتلت قوات حكمتيار قوات مسعود للسيطرة على كابول في الحرب الأهلية التي تلت ذلك، وقتلت آلافاً من المدنيين في هذه العملية. وبحلول 1996 كانت طالبان قد طردت قوات حكمتيار من كابول، وسرعان ما تولت السلطة في البلاد، وأ1جبرت حكمتيار على الخروج للمنفى. وفي ذلك الحين كان قد تم استئصال القوى السياسية اليسارية العلمانية في البلاد، وأصبحت الجماعات المتأسلمة هي التي تقرر مستقبل أفغانستان المباشر.
والأمر الأكثر أهمية هو أنه بعد انتهاء الاحتلال السوفيتي، كان قدامى المحاربين من المجاهدين الأجانب يمثلون نزعة طوباوية راديكالية تدعو للجهاد باعتباره نضالاً مسلحاً. وقد استند هذا إلى الأيديولوجية الوهابية التي تدعو لها السعودية وإلى دعوى عبدالله عزام إلى الشهادة والإيمان بأن الإسلام وحده هو الذي هزم السوفيت. وتلقى آلاف من المتطوعين الذين لم يحصلوا على تدريب من قبل، تعليماً عسكرياً على التقنيات العسكرية المتقنة عادة، في حين كانوا يكتسبون خبرة مباشرة بالقتال. وحينذاك كان المتطوعون الأفغان العرب- خاصة من مصر واليمن وإندونيسيا والجزائر وليبيا- يرون أن هدفهم الأول هو العدة لأوطانهم للنضال ضد حكوماتهم، في حين كان "بن لادن" يأمل في توحيدهم في قوة عالمية.
كانت منظمة القاعدة التي أنشأها "بن لادن" نتاجاً مباشراً للحرب، وقد أقيمت في 1988من الشبكات التي كانت تتطور بين الأفغان والمقاتلين الأجانب، وقد قال روبن كوك وزير خارجية تونى بلير فيما بعد: إن اسم القاعدة مستمد من "قاعدة بيانات"- "ملف الكمبيوتر المكون من آلاف المجاهدين الذين كان يتم تجنيدهم وتدريبهم بمساعدة وكالة المخابرات المركزية"- ونسي أن يقول وبمساعدة المخابرات الخارجية البريطاني. وقد استخدمت القاعدة كثيراً من شبكات المعسكرات الأفغانية التي كان يتم بناؤها في ذلك الوقت بمعونة من المخابرات الأمريكية والمخابرات الباكستانية والسعودية، لاحقاً كقواعد للتدريب وتخطيط الهجمات الإرهابية، بما في ذلك تورا بورا، وجنوب جلال آباد، والتي بناها أحد قواد يونس خالص. والأرجح أن القاعدة لم تكن لتبزغ بالمدى الذي بلغته، ولو لم تكن قد نشأت باعتبارها بنية أساسية للمقاومة الأفغانية جرى بناؤها بمساندة أمريكية وبريطانية. وشملت مساهمات محددة قدمتها بريطانيا، تدريباً عسكرياً متخصصاً قدمته قوات شتى، وإمدادات عسكرية سرية ومساندة للدور الأمريكي السري الأكبر في الحرب، وهكذا، فإن هوايتهول قدمت مساهمة بريطانيا في "البزوغ (الوشيك) للإرهاب المتأسلم العالمي".
بيد أن بزوغ قوى باكستانية جديدة من الجهاد الأفغاني كان مهمًّا بالنسبة لمستقبل الإرهاب العالمي، مثلما كان مهماً لإنشاء القاعدة، وقد ثبت أن هذا كان أثرًا خطراً على بريطانيا في نهاية الأمر.
لقراءة الحلقة الأولى من عرض الكتاب اضغط هنا
ولقراءة الحلقة الثانية اضغط هنا 
ولقراءة الحلقة الثالثة اضغط هنا
ولقراءة الحلقة الرابعة اضغط هنا

شارك

موضوعات ذات صلة