بولس الثالث.. سيرة الخطايا

الإثنين 09/نوفمبر/2015 - 04:37 م
طباعة بولس الثالث.. سيرة
 
ولد بولس الثالث (1534 – 1549)  والذي تكشف سيرته عن ميزه في كتابة التاريخ الشخصي لرجال الدين في الغرب وهي تقديم السيرة بلا مواربة . ولا تنقيح بل تسجيل التاريخ كما حدث بكل الخطايا- في روما سنة 1468 وقيل في كانيون، وكان له من بومبونيوس لاتيوس الشهير معلماً. أما الفضل في ارتقائه، إلى السدة الباباوية، فيعود إلى البابا بورجيا، الذي أراد أن يظهر عرفان جميله للمعروف الذي كانت تسخو به عليه أخت فارنيز الشهيرة، جوليا التي يقال لها: "لا بيلاّ" التي رسمها لو تيتيان. أصبح فارنيز كردينالاً شماساً بعمر خمسة وعشرين عاماً لكنيسة القديس قزماودميانوس. سامه يوليوس الثاني سنة 1509 مطراناً على بارم وشرّع له ولدين من أولاده الغير شرعيين ـ ولا نعلم إن كان قد شرّع له ولداً ثالثاً وابنة ـ من هؤلاء الأولاد، البكر، بياترولويجي آخر ولد غير شرعي في عصر نهضة قيصر بورجيا، قد اكتسب صيتاً بشعاً. سيم كاهناً سنة 1519 فقط، وأصبح فارنيز مطراناً، الكردينال الذي بقي، حتى ذلك الحين، عالمياً بالروح وبالعيشة، قد غير مسلكه، وما إن أصبح أميراً كبيراً على الكنيسة حتى أخذ يهتم بالإصلاح الحقيقي. كان تأثيره أقوى من سلفائه المباشرين. لنتحدث عن سعيه وجهوده، عبثاً، للحصول على التاج المثلث في مجمع انتخاب سنة 1523، فقد قال مؤخراً، إن اكليمنضوس السابع قد أخذ من سني حبريته عشر سنوات؛ مع أنه بقي بقرب اكليمنضوس ومقرباً إليه. أما بياترولويجي فقد انخرط في الجندية الإمبراطورية وكانت له يد في مجزرة روما. أمّا إسكندر، الذي كان شعبياً وبارزاً وجديراً كرجل دولة، فقد أصبح سنة 1524 مطراناً على أوستيا. قوبل انتخابه إلى الباباوية بالاحترام والتكريم في كل مكان وبحماس، حتى في ألمانيا حيث كان معروفاً. بأنه موال للمجمع، وهو، إلى ذلك، ذو إرادة حديدية وروح كبيرة حيّة تقيم في جسد هذا الرجل. الواهي، الذي يحمل عبء سبعة وستين عاماً. وبدلا من أن يكون موته قريباً، كما كان يظن معاصروه، كانت مدة حبريته أطول حبرية في هذا القرن. لكن، مع الأسف، فقد بولس في ذنب توظيف الأقارب بدون حدود: فقد أصبح حفدته، إسكندر فارنيز ابن بياترو لويجي غيدو أسكانيو سفورزا دي سانتا فيوري، ابن بنت البابا، كوستنزا، كرادلة، وهما صبيان بعمر أربعة عشر عاماً وستة عشر عاماً؛ وأضاف إليهما، أخيراً، ابناً آخر لبياترو لويجي، اسمه رانيتشيو، وعمره خمسة عشرة عاماً، وأيضاً: نيكولو غايتاني. كان إسكندر، في بادئ الأمر، مشغوفاً بالعالم، ولكنه بعد ذلك، أصبح إنساناً كاملاً ورصيناً، على غاية ما تكون الرصانة. عيّن البابا ابنه بياترو لويجي قائداً للحرس الباباوي في الكنيسة. كان البابا ولا يزال يلح على ضرورة عقد مجمع، في كانون الثاني سنة 1535، الأمر الذي لم يكن يروق، ضمناً، للكرادلة الذين هم دنيويين أكثر منهم روحيين، وفي تجاهل لألمانيا. أما الأمراء البروتستانت الذين يدعمهم هنري الثامن وفرنسوا الأول، فقد رفضوا المجمع. وكان ملك انكلترة قد نفّذ حكم الإعدام، في 26 يونيو سنة 1535، بأول ضحايا انشقاقه، الكردينال الشهيد يوحنا فيشر، الذي عُيّن كردينالاً قبل وفاته بشهرين، وبعد سنتين في 6 مايو سنة 1537، نفّذ كذلك حكم الإعدام بتوماس موروس. هذان الشهيدان طوّبهما بيّوس الحادي عشر سنة 1935.
كان يرى في تعيين الكرادلة نضوجاً له تأثيره في المعنى الإصلاحي، فأدخل رجالاً محترمين في مصف الكرادلة، قد كان لهم اعتبار سياسي في عهد آل ميدتشي. ثم عيّن، أيضاً، بولس الثالث، غسبارو كونتاريني كردينالاً، وهذا كان سفيراً للبندقية في روما، وهو من الشخصيات المرموقة والجذابة في إيطاليا وعملا بنصيحته، عيّن البابا ككرادلة الإصلاحيين: جاك سادوله، ريجبينالد بول ابن شقيق ادوار الرابع، وريشار الثالث، الذي نفّذ هنري الثامن بأمه، ذات الثمانين عاماً، حكم الإعدام انتقاماً. كما نال قبعة الكردينالية بطرس كارافا، الذي سيصبح بولس الرابع، آنذاك. إن بول وكنتاريني كانا ينتميان إلى نادي الصداقة الذي أنشأته فيتوريا كولونا. كلّف البابا الكردينال كونتاريني برئاسة مجلس الكرادلة الذي عليه أن يحرر مذكرات الإصلاح على أن يجربها في روما ثم في الكنيسة الجامعة. بعد رجوع شارلكان من رحلته التونسية، في أبريل سنة 1536، تلا في اجتماع البابا والكرادلة دفاعاً طويلاً ضد فرنسوا الأول، ساعياً، وبدون فائدة، لحمل البابا على إلغاء الحياد الذي أقرّه. ومع ذلك، فقد كان الخطر التركي يتعاظم، وفي آخر حزيران، غزا العثمانيون آبولي، ولكنهم تركوا بعد ذلك البلاد، بدون أدنى ريب لأن حليفهم، الملك "المسيحي الصميم" فرنسوا الأول، لم يدخل من إيطاليا الشمالية، كما كانوا يتوقعون. أما البندقية المهدّدة، انطلاقاً من كورفو، قد وقّعت، في 13 أيلول سنة 1537، حلفاً دفاعياً مع البابا. وقد انضم إليه كذلك، الإمبراطور، لأن بولس، إذا أراد أن يدعو إلى مجمع، كما كان قد وضع له مشروعاً، عليه أن يوطّد السلام بين الإمبراطور، الذي كان قد اجتاح فرنسا في يوليو سنة 1537، وبين فرنسوا الأول، كما كان يفعل غالباً في السنوات الخالية. وكانت ميلانو والسافوا في رهان، فقد جعلا مع روما رابطة مقدسة في 8 فبراير ضد الأتراك، الذين أقاموا، فضلاً عن البابا، مع فردينان الأول ملك النمسا والبندقية، فريقاً، إذ رأوا أنهم بذلك يجلسون شارلكان على عرش القسطنطينية. 
نجح بولس الثالث، على الأقل، في وضع هدنة مدتها عشر سنوات، بين الإمبراطور والملك في نيس وذلك في 18 يونيو سنة 1538. انحل الحلف المقدس، بعد تسعة أشهر، اثر انتصار البحرية التركية في بريفيزا، أما البندقية فقد عقدت صلحاً منفرداً، رأى البابا نفسه، في السنة ذاتها، ملزماً بالتريّث في عقد مجمعه، لأن المقاومات كانت عديدة والسلطات لم تهتم. هيجانات داخلية ومسألة الإيمان، في ألمانيا، كل هذه كانت تشغل بال البابا خلال الأشهر التالية. قد نشأ أيضاً بشخص القديس اغناطيوس دي لويولا، منذ سنة 1538، الذي كرّس نفسه مع رفاقه، في روما، لتجديد الحياة الروحية وخدمة القريب، فكان المحرّك المنشّط الذي كانت الكنيسة بحاجة إليه لمجابهة الإصلاح البروتستاني. فثّبت البابا سنة 1540 جمعية يسوع أو جمعية الآباء اليسوعيين. 
لقد اصطدمت البراءة، التي أصدرها البابا سنة 1542، وفيها يدعو إلى عقد مجمع، من جديد باستهجان عام: فشارلكان، كما هو دائماً، المقرّب إلى البابا المعروف بحياده دائماً وميّال للصلح، وفرنسوا الأول، الذي كان حليفاً للأتراك، يهدّد بالانفصال عن روما، كما فعل ملك انكلترة وأعلن من جديد الحرب على الإمبراطور. قابل البابا، في حزيران سنة 1543، شارلكان في بوستيو، وتباحث معه في المسألة الميلانية، آملاً أن الإمبراطور، المهتم دائماً بالمال، يبيع ميلانو لأوتافيو فرنيز، وقد كان البابا اشترى له، من جهته، دوقية كاميرينو. إن البابا، بالرغم من الفوائد التي جناها لعائلته، كان من أولى اهتماماته إرساء قواعد الصلح. وقد تعلق التئام المجمع الذي دعا إليه في تريست؛ وكان البروتستانت المستفيد الوحيد من الأوضاع، نرى بولس، مع ذلك، ودون أن يتنكر لحياده، يتقرّب من فرنسوا الأول، الذي سعى لإصلاح الأخطاء المرتكبة، كما نرى، في الوقت ذاته، شارلكان يجرح البابا بتحالفه مع هنري الثامن ويهدده. تمّ الصلح، بوساطة إسكندر فارنيز، كما حصل مع اكليمنضوس السابع، في كريني، في 17 سبتمبر سنة 1544، بين شارلكان وفرنسوا الأول، مما خلق وضعاً جديداً: فالعاهلان أعلنا، عندها، عن رغبتهما بافتتاح المجمع. اغتنم البابا، من هذه الرابطة، الفرصة ليعطي ابنه بيترولويجي دوقيتي بارم وبليزانس مجتمعتين. التأم المجمع في 13 ديسمبر سنة 1545 في ترانت، وهو المجمع المسكوني التاسع عشر. فكان البدء الرسمي لمعاكسة الإصلاح البروتستاني. أثار لوثير تيار نقمته على الباباوية في آذار من السنة نفسها، في رسالته الهجائية ضد الباباوية والمؤسسة الباباوية. بلغت النزاعات بين البابا، في أواخر حياته، وبين الإمبراطور الذروة من الحدة، فاتّجه نحو فرنسا ونحو كل القوات، في إيطاليا، التي تقاوم التسلط الإسباني الإمبراطوري المطلق. توفي، في كانون الثاني سنة 1547، هنري الثامن، كما توفي، في آذار، فرنسوا الأول، واغتيل، في 10 سبتمبر، بيترولويجي بمطابقة شارلكان الذي كان يريد استرجاع بارم وبليزانس. كان البابا يظن نفسه سعيداً، لأنه كان قد مدّ يد المساعدة، في بيروز، قبل الاغتيال بوقت قليل، للإمبراطور في حرب سمالكاد. أما آخر صدمة، أصابت البابا في حياته، فهي هرب حفيده المحبوب أوتافيو من روما والذي هدّد بالتحالف مع الإمبراطور ليحتفظ ببارم. 
أدرك بولس، وهو على فراش الموت، الخطأ الذي ارتكبه بتوظيف أقاربه. أما قبره الضخم فقائم في كنيسة القديس بطرس وهو من عمل غوغليلمو ديلاّبورتا، وهو الذي صنع أيضاً لبولس التماثيل النصفية من الرخام والموجودة في المتحف الوطني بنابولي. إن بولس، فعلا، هو بابا مرحلة انتقالية. القديم والحديث تقابلا في شخصه وفي عمله بكل تناقضاتهما. لقد رسم لوتيتيان ذلك الكهل في ثلاث من لوحاته، وهي الأكثر شهرة في متحف نابولي ـ يرى هناك رسم بولس وهو كردينال وأيضاً رسم بيترولويجي ـ أما الرسم الأكثر روعة من أعماله فالذي يمثل بولس مع أوتافيو وإسكندر. إن الجدارة والذكاء الحاد، والدهاء المنذر، والتقدير والاشعاع، كل هذا نراه ينطق في النظرة الخارقة، إنه ديبلوماسي فريد من نوعه، فبولس كان دائماً الأعلى في المحادثات، فقد كان يترك لكل رأي الحق في التوضيح، قبل أن يصيغ حكمه، بكل استقلالية. كان يكنّ كل تقدير للآخرين. فما من أحد قدر أن يحظى بثقته، مع أنه واضح، إذ في سنة 1546، وقد شعر بدنو أجله، تكلم بدون تردد على علاقته مع فيتوريا كولونّا، التي كانت عائلتها من الدّ أعدائه؛ فقد انفتح البابا نفسه على أعظم امرأة في إيطاليا، التي قامت بمفردها وارتقت فوق كل الأحزاب والفئات، وقد أرسلت إليه سنة 1541 قصيدتين فيهما ترجو بألاّ يضطهد أهلها. أما توظيفه لأقاربه فقد بقي مرتبطاً بصيغ النهضة؛ كما أنه كان من عادته استشارة المنجمين ليقولوا له عن الساعة الملائمة لإجراء أعماله، كالأعياد المفرحة التي تركها في الفاتيكان مع الموسيقيين والخطباء والمغنيين والراقصات والمهرجين، أو مثل فقدان الشعور الذي جعله مشتهراً به ذلك في يوم عماد حفيديه توأمي أوتافيو ومرغريت، الذي صادف يوم تتويجه ذاته. وقد كان هذا جديداً، مع أنه كان قد وضع كل استعدادته الحسنة في خدمة إصلاح الكنيسة تاركاً الطرق التي اتبعها سلفاؤه. جعل من الكهل بياترو بمبو، وهو آخر رجل من ذوي النزعة الإنسانية، في دنيا الأدب الإيطالي، كردينالاً. وأوجد محكمة التفتيش سنة 1542 لمحاربة الهرطقة، مع أنه كان يرغب في التفتيش أن يكون بتحفظ من شأنه إعادة الضالين عن طريق الإقناع. وهو البابا الأول الذي له رغبة في العمل على احترام حقوق الإنسان، فأصدر مرسومين شهيرين لصالح ومصلحة الهنود المضطهدين والمنقادين للمغامرين الأسبان؛ وليس الذنب ذنبه إذا بقيت المراسيم والحركة دون نتيجة. أما رابله فقد جعل البابا سخرية، وبيار لاريتان كان، أحياناً، يهجوه بقذارة، وأحياناً يمدحه، حسب ما يتراءى له؛ بينما لاريوست قد مدحه في المقطع السادس والأربعين من قصيدته: رولان الرهيب؛ وكبرنيك قدّم له مؤلفه الجدير بالذكر، الذي بعنوان: "ثورات القوات السماوية" الذي ظهر سنة 1543، قد كان البابا آخر نصير للآداب ينظفئ سراجه في عصر النهضة. أما التمثال الرخامي الجميل، الذي يشهر نشاطاته الهندسية في روما، فموجود اليوم في كنيسة سانتا ماريا إن آركولي. بعد زيارة الإمبراطور سنة 1536، كلّف البابا ميكال أنج بعمل تصميم للتغيير الكامل للكابيتول، الذي قدم شيئاً من مظاهر الاحترام لشارلكان. لم يحدث في عهد بولس هذا سوى نقل تمثال مرقص أوريلوس من اللاتران إلى ساحة الكابيتول وبناء الدرج المزدوج الذي يؤدّي إلى القصر المشيخي (قصر مجلس الشيوخ)، وأكمل ميكال أنج قصر فرنيز الذي بدأ به أنطونيو دا سنغالو، وهو أجمل قصر في روما؛ كما رسم في الكنيسة السكستينية لوحة الدينونة الأخيرة، وأزيح الستار عنها في 31 أكتوبر سنة 1541، ثم رسم جدرانية كنيسة بولين التي بناها سنغالو بأمر من بولس. إن البابا قد جعل سنغالو يغير ويزيّن صالة الملوك، التي لم يتمّ العمل فيها إلا سنة 1573 ولهذه المناسبة صار تدمير كنيسة الأسرار، التي بناها فرا انجليكو بأمر البابا نيقولاوس الخامس. أمر بولس بعمل الشقه الحبرية. أما القصر الذي شاده البابا قرب سانتا ماريا أراكولي فقد دمّر سنة 1886 ليقوم مقامه قصر فيتوريانو. أخيراً وفي سنة 1547 بولس كلّف ميكال أنج بإدارة تشييد كنيسة وساحة القديس بطرس (البازليك) التي تمتاز قبّتها بعلامات فارقة في المدينة الأبدية وعليه، في الوقت ذاته، أن تطل قبتها وتشرف على عصر جديد للكنيسة وحقبة حديثة للباباوية.

شارك