الأساطير المؤسسة للإسلام السياسي

السبت 13/يوليه/2019 - 01:13 م
طباعة الأساطير المؤسسة حسام الحداد
 
الكتاب: الأساطير المؤسسة للإسلام السياسي
المؤلف: صلاح سالم
الناشر: الهيئة العامة للكتاب 

يذهب الكتاب الذي بين أيدينا بجزئيه إلى أن الإسلام السياسي، القائم على منطق اختزالي، يدّعي إشراف المقدس مباشرة، على حركة اليومي، فيما يبقى، في الوقت نفسه، مستقلاً عنه، فلا يصير مدنساً، وهو تناقض تُعريه نزعة تاريخية، ترى القدسية غير ممكنة في عالم الشهادة، فما إن يهبط القدسي على سطح الدنيوي، حتى تتولد الاحتكاكات بينهما، هينة في المبتدي، عاصفة في المنتهى، ومعطلة في كل حين.
وهنا يذهب إلى أن التصورات الاختزالية التي يستنبطها الإسلام السياسي، عن العالم وعن كيفية التأثير فيه إنما تمثل يوتوبيا جديدة، تستبدل النزعة الغائمة لدى الفكر اليوتوبي التقليدي عن عالم مثالي في مكان ما، بنوع من الحنين الأبدي إلى عالم آخر مثالي ينتمي إلى مكان معروف، وزمن يتسم بالقدسية لدرجة يعلو بها على المساءلة. وهكذا يمثل الإسلام السياسي، وفق المؤلف، نوعاً من اليوتوبيا الرديئة الأكثر اغتراباً عن حركة التاريخ، إذ يحمل كل عيوب الفكر اليوتوبي الوضعي، ويزيد إليها الوثوقية الكاملة (الساذجة) إزاء الحقيقة التاريخية المركبة، وهو ما يجعله أسيراً لاغتراب مزدوج ينتج تطرفاً وإرهاباً ويمارس عنفاً عدمياً يخرج عن إطار المعقولية. ويستخدم الكاتب معوله التاريخي، في تهديم الادعاءات الكبرى (الأساطير) التي يلبسها الإسلام السياسي رداء القدسية الزائفة، وذلك عبر أربعة فصول متوالية.
برغم استخدامه لمصطلح "أساطير" يعترف الكاتب أنها ليست الأدق، ويفضل عنها "أقنوم"، ويميز بينهما بأن للأقنوم تاريخًا حيًا يعود إليه من يتبعوه، بينما تنبع الأسطورة من محض الخيال، خرج الكتاب في جزءين، عرض كل منهما أسطورتين من أساطير الإسلام السياسي.
ويتبنى الكتاب منهجًا نقديًّا جادًّا لأحد أكثر الأطر انغلاقا في عالمنا، وهي ظاهرة الإسلام السياسي، التي تكاد تفتك بمجتمعاتنا، وتهدد الآخرين حولنا، إعمالًا لمنطق اختزالي يهيمن على جُل فصائلها، وقبل أن يفند أساطيره الأربع يؤسس الكاتب لرؤيته مستعرضا تاريخ الأفكار المثالية، قائلا إنه برغم نبلها فهي لم تكن أبدا فاعلة في التاريخ، إذ لم يستطع المؤمنون بها أن يحققوها على الأرض، بل يمكن القول إنها استخدمت، كالأديان أحيانا، ركيزة لفرض الهيمنة السياسية، بدلا من أن تلعب دورها الأصلي، كمصدر إلهام للضمير البشري.
وربما كانت أول يوتوبيا (قديمة) هي جمهورية أفلاطون، التي حاول فيها الفيلسوف إرساء القوة (السياسية) على أرضية (المعرفة) الفلسفية، ليكون الحاكم (حكيما) قادرا على نشر الفضيلة ورعايتها من خلال إشاعة المعرفة وترسيخها؛ حيث ذهب أفلاطون، ومن بعده أرسطو، إلى الثقة بالروح الإنسانية، فالإنسان لا يرتكب الخطأ وهو عارف له، بل نتيجة الجهل به، وما إن يعرف حتى يغادر حظيرة الشر إلى فضاء الخير. وعلى الطريق الفردوسي هذا دعا أفلاطون إلى تحقيق حلم المساواة.
ولكن إذا علمنا أن تلك المساواة المشاعية التي تأسست عليها جمهورية أفلاطون قد انطوت على استبعاد للعبيد والنساء ناهيك عن الأطفال، بدلا من مكافحة الرق، واحترام النساء، كما انطوت على احتقار للفكرة الديمقراطية نفسها باعتبارها شعبوية قد تتناقض مع معرفة الحكماء وسلوك الفضلاء، أدركنا إلى أي مدى كانت المثالية الأفلاطونية حاضنة لقيم استبدادية ونزعات هيمنة ومفاهيم أبوية، رغم بريقها والذي ربما كان عصيا على الكشف في زمانه.
وثمة يوتوبيا نبعت من قلب عصر النهضة، تتجسد لدى توماس كمبانيلا (1568 – 1639)، يوتوبيا هجين من عناصر حديثة (اشتراكية)، وأخرى دينية (مسيحية)؛ حيث قدم في كتابيه "دولة المسيح" و"مدينة الشمس" مجتمعاً قريبًا من المجتمع الشيوعي الذي تسقط فيه الملكية الخاصة، وتزول منه الروح الفردية، كما تنتهي الأسرة وتنمو بديلا عنها حياة جماعية مشاعية، إذ يتم تخطيط كل شيء ومراقبة كل الأفراد والوفاء بحاجاتهم المادية والروحية، وهو ما يريح الإنسان من عبء المسئولية والاختيار، ويحل المشكلات والتناقضات الاجتماعية كافة، ويقود التاريخ إلى نوع من السكون العميق، حيث تعكس "مدينة الشمس" لدى كمبانيلا العالم المادي نفسه، الذي لا يحكمه سوى القوانين الطبيعية في تراتبها وانتظامها بل وحتميتها.
وثمة أخيرا، يوتوبيا معاصرة (شيوعية) بنت أحلامها على (الاشتراكية العلمية)، التي عولت على قيمتين متطرفتين: الأولى هي النزعة المساواتية المطلقة، والثانية النزعة العلمية المتطرفة. وكلاهما معا صاغتا نموذجا للإنسان أقرب واقعيا إلى (الروبوت) الأشبه بالترس الصغير في الآلة الكبيرة، إنه في الأخير كائن وظيفي يلعب دورا في (المؤسسة) وليس إنسانا حقا يعيش الحياة. وهكذا نزعت الشيوعية كل ممكنات الحرية لدى الإنسان كي تمنحه حياة (منظمة) خالية من الألم، غير أن المفارقة الكبرى أنها زادت من ألمه، بالقدر نفسه الذي خصمت به من حريته، فكان سقوطها المدوي بعد أن برز خداعها الكلي، ولكن يبقى السؤال: هل كانت الشيوعية هي اليوتوبيا الأخيرة أم أن التاريخ لا يزال حاملا أوهامًا أخرى قد يقذف بها في وجوهنا يوما ما؟
إن التصورات الاختزالية التي يستنبطها الإسلام السياسي، عن العالم وعن كيفية التأثير فيه إنما تمثل يوتوبيا جديدة، تستبدل النزعة الغائمة لدى الفكر اليوتوبي التقليدي بنوع من الحنين الأبدي إلى عالم آخر مثالي، ولكنه ينتمي إلى مكان معروف، وزمن يتسم بالقدسية لدرجة يعلو بها على المساءلة، ولما لا وهو الماضي التليد الذي يتجاوز موقعه في الزمن كي يحلق دوما فوق كل العصور والأزمنة. وهكذا يمثل الإسلام السياسي نوعا من اليوتوبيا الرديئة الأكثر اغترابا عن حركة التاريخ، إذ يحمل كل عيوب الفكر اليوتوبي الوضعي، ويزيد إليها الوثوقية الكاملة إزاء الحقيقة التاريخية المركبة، وهو ما يجعله أسيرا لاغتراب مزدوج ينتج تطرفا وإرهابا ويمارس عنفا عدميا يخرج عن إطار المعقولية.
أما الأقنوم الأول فهو أن الدولة' الإمامة الكبرى' قضية عقدية, لا يصح الدين دون إقامتها. ولأن دولة الإسلام الأولي التي قامت بعد وفاة الرسول الكريم( ص) قامت علي هيئة( الخلافة) فقد ترتب علي ذلك أن صارت الخلافة هي فقط الدولة الإسلامية( الشرعية), وما عداها ليس إلا تنازلا عن الحاكمية الالهية( الربانية) لصالح حاكمية إنسانية( دنيوية).
هذا الفهم( الإيديولوجي) إنما يتنكر لحقيقة أن الإمامة لا تندرج في إطار العقائد, التي يبقي معيار الخلاف فيها هو' الإيمان' و'الكفر', بل في إطار' الفروع' التي يبقي معيار الاختلاف حولها' الصواب' و'الخطأ'!. وهو ما تتفق عليه جل المذاهب الكلامية, ولم يخالفه سوي الشيعة الذين قالوا بالوجوب الإلهي للإمامة مع ما يترتب علي ذلك من العصمة والكمال. كما يسكت عن حقيقة أخري وهي أن حاكمية الإنسان علي الأرض هي حاكمية مفوضة إليه, باعتباره الطرف الثاني في عهد الاستخلاف, الذي يمثل الله, جل شأنه, طرفه الأول المانح, ما يمنحه الحق في تأسيس سلطته الزمنية علي اجتماعه البشري, كمجال لفاعليته وحضوره الواعي في التاريخ. ويسكت أخيرا عن حقيقة ثالثة وهي أن الخلافة نفسها, كنمط لبناء الدولة, إنما تشكلت ضمن ملابسات تاريخية, لعبت فيه الصدفة دورا كبيرا, وعبثت بها الأهواء كثيرا حتى استحالت ملكا عضودا, وتحولت من ذروة للعدل والتقدم في البدء إلى وهدة للتخلف والظلم عند المنتهي.
والأقنوم الثاني هو أن الإيمان الصحيح/ إيمان الأوائل يظل هو آلية الفعل الأساسية المؤثرة في صناعة التاريخ, كما كان علي زمن الرسالة, بما يبثه في الفرد المسلم من روح التضحية والجهاد وصولا إلى نموذج' الشهيد', بغض النظر عن الوسائل التي يحوزها, أو يمارس جهاده بها والتي تحتل مرتبة تالية في الأهمية طالما توفرت الرغبة العميقة في بذل النفس, عبورا إلى العالم الآخر' الحقيقي' الذي يخلو من الشر والزيف إلى درجة تدفع كل مسلم صالح إلى طلب الموت/ الشهادة, إذ تقول أحد الأدبيات الرائقة لهذا التيار مفاخرة:' نحن طلاب موت'.
في هذا السياق نلمس تحريفا للفهم الإسلامي الرائق لمعني الجهاد يدفعه باتجاه عدمي تختل معه العلاقة الدقيقة المتوازنة بين طرفي الثنائية الوجودية' الشهادة ـ الغيب' أو' الدنيا ـ الآخرة' لصالح عالم الغيب, إذ يستحيل عالم الشهادة الدنيوي/ الواقعي/ الإنساني إلى مجرد لحظة عرضية بلا قيمة أو معني في ذاتها, ولا دور لها سوي بلوغ عالم الغيب/ الآخرة, الذي من أجله يتم إهدار الوجود الإنساني, عندما يندفع المسلم إلى حافة الموت من دون تعقل, وليس إلى الرضا به إيثارا لله عند الضرورة القصوى.
وهنا تتبدي المفارقة الكبرى, فالكثير من المسلمين صاروا يعرفون كيف يموتون في سبيل الله, ولكنهم لا يعرفون كيف يحيون في سبيل الإسلام, بعد أن تحول مفهوم الجهاد عن صورته الصحيحة التي تعكس نزوعا مثاليا إلى التضحية, ونزوعا أخلاقيا إلى حياة فاضلة, إذ تبدأ بجهاد النفس لردها عن ضعفها وشهواتها, وتنتهي بجهاد طواغيت البشر لتحرير إرادة الإنسان ومنحه حق الاختيار, إلى صورة عنيفة تربطه بنزعة عدمية تصل ذروتها في سلوك الإرهاب, فهنا نصير أمام شر مستطير يمارس بحرارة الإيمان, وإن بإغواء الشيطان!, يمارس من قبل مسلم يدعي أنه أكثر إسلامية, بوعي كامل وإرادة مسبقة, فيقوم بالقتل والإيذاء وهو يكبر باسم الله, مروعا النفس الإنسانية دون ذنب جنت, ومهدرا الرؤية الإيمانية للوجود دون فهم مثبت.
وأما الأقنوم الثالث فهو أن توحد الجماعة المسلمة كفيل وحدة, بإقالة الأمة من عثرتها وتمكينها من زمام التاريخ دونما حاجة إلى النقل عن الآخرين أو الاقتباس منهم, أو حتى التلاقح معهم, فكل معرفة وأي فضيلة موجودة في نصوص الإسلام لا ينال منها الزمان. ومن ثم تصبح الوحدة الإسلامية حول الإيمان الصحيح هو الهدف الأمثل الذي يجب علي مخلصي الأمة التوجه صوبه أما غير ذلك فهو انحراف من كليهما عن القصد والسبيل الصحيح. وهنا يتم تجاهل قيمتي المعرفة, والحرية اللتين صنعتا الحضارة الحديثة, واللذين يبقي الإنسان في غيابهما, مجرد ساكن لكهف عتيق, ولو كان الكهف واسعا وممتدا بطول عالمنا الإسلامي, طالما ظل كهفا, ممتلئا بالظلام والجهل.
هذا التيار, الذي تهيمن عليه أوهام الخلافة, يستعلي علي الوطن فلا يعطيه التقدير الكبير لأنه ليس إلا اختراعا حديثا, محض بدعة, ومن ثم ضلالة, لا تمت إلى الله بصلة. ولأن كل ضلالة في النار فمن المفترض في المؤمن الكيس الابتعاد عنها طلبا للسلامة. ورغم أن كثيرا من مفردات القرآن الكريم فضلا عن روحه تتحدث عن حب العشيرة, وأهمية الانتماء لجماعة, من دون نفي حب المؤمنين جميعا, والانتماء لرسالة الإسلام الكونية, يتجاهل هذا التيار ذاك المغزى وما يرتبه من قيمة للوطن, معيرا كل جهده لشراكة الإيمان وحدها باعتبارها الرابطة الوحيدة( المقطوع بها نصا) لصوغ كيان الجماعة المؤمنة وإن تمددت من الشرق إلى الغرب, ومن الشمال إلى الجنوب, وإن تغير الزمن وتمايزت الأحوال علي نحو يستحيل معه حصرها, والتحكم في تنظيمها, بينما يصير الوطن الذي يظلنا جميعا, إذ نعيش علي أرضه ونتمتع بحمايته, أمرا عابرا, وحتى لو فرضه الواقع كحقيقة راسخة, فأنه يبقي الحقيقة( المرة) التي يقبلونها علي مضض.
وإذا كان الوطن الغالي عندهم هو( الحقيقة المرة) فليس المواطن العادي لديهم سوي ذلك الكائن الغريب, الذي أجبروا علي التعامل معه وتحمل سوءاته, أما المواطن الحقيقي فليس هو الجار القريب, صديق العمل أو زميل النادي والحزب والنقابة, أو حتى رفيق الدم والحرب ضد الأعداء, بل هو فقط الشريك في العقيدة السلفية أو الإخوانية, الأخ في الله, الذي قد يبتعد كثيرا في الأرض وصولا إلى أقصي الشرق في باكستان وماليزيا.

شارك