مشاهد من تقسيم الوطن في مسرحية "الربيع العربي"

الخميس 21/أبريل/2016 - 10:04 م
طباعة
 
بدأت بشائر الربيع العربي بقطف ثمارها فى كل من سوريا وليبيا واليمن، وها هو رئيس الوزراء القطري السابق يكشف عن أوراق اللعبة التى تبعثرت مؤخرًا، ويدفع ملايين من العرب الأبرياء الثمن، وبدا للعيان تفعيل خطة التقسيم التي كانت مجرد فكرة، والآن يجري تنفيذها على أرض الواقع.
ربما من يقرأ هذه السطور يعتبر الأمر قاسيًا، ولكنها الحقيقية المؤسفة، فمنذ بدء ثورات الربيع العربي فى 2011، والأنظار تتجه نحو الشعوب لتحقيق الديمقراطية وتداول سلمي للسلطة، ومحاولة ترسيخ دعائم الدولة الدستورية الحديثة، بعد عقود من الاستبداد السياسي والديني، ولكن للآسف، كان هناك من يعبث بالمنطقة ودولها وشعوبها، واستغلال الفقر والجهل السياسي ومطامع دول يعتبرها البعض شقيقة، ولكنها للأسف كانت مدخلًا نحو التقسيم وإثارة الفوضي، واستغلال الشعوب لتحقيق مصالح خاصة.
وبالعودة لتصريح حمد بن جاسم رئيس الوزراء القطري السابق الذي كشف فى مقابلة مع صحيفة "الفاينانشيال تايمز" البريطانية  بقوله" عندما بدأنا التورط في سورية عام 2012، كان لدينا الضوء الأخضر بأن قطر من شأنها أن تقود ذلك، لأن السعودية لم تكن في ذلك الوقت تريد القيادة، وبعد ذلك كان هناك تغيير في السياسة والسعودية لم تبلغنا أنها تريدنا في المقعد الخلفي، لقد انتهى الأمر إلى التنافس وهذا لم يكن صحيا".
للأسف هكذا تعاملت قطر مع سورية الدولة العربية الشقيقة، وما ترتب على ذلك من تشريد ونزوح الملايين إلى خارج الديار، وسقوط مئات الآلاف من القتلى والمصابين نتيجة الحرب السورية، وبدا للعيان أن هناك محاولات من قطاع من السوريين لتحقيق الديمقراطية على حساب نظام سياسي مارس عليهم القمع والاستبداد، إلا أنه خلف الستار كانت هناك نوايا سيئة،  وتنافست دول عربية شقيقة على تقسيم سورية، وهو ما برز من خلال تزويد قطر وتركيا بالسلاح لجماعات معارضة مسلحة أطلق عليها "المعارضة المعتدلة" لمحاربة قوات الجيش السوري الذى بدأ الإعلام العربي والأجنبي يطلق عليه "قوات النظام"، وحينما فشلت هذه الجهود نتيجة انضمام عناصر إيرانية ومقاتلين من حزب الله اللبنانى إلى الجيش السوري، واطالة امد الحرب، اضطرت السعودية للتدخل صراحة وتزويد فصائل معارضة بالسلاح لمواجهة الجيش السوري، وهنا كان التركيز على هدم قواعد ومؤسسات الدولة السورية، فى الوقت الذى كان فيه تنظيم "داعش" وجبهة النصرة" ذراعا تنظيم القاعدة في الشام يجدان كل الدعم من دول ومؤسسات عربية، وكأن الجميع اتفق على هدم الدولة السورية كلها!
والنتيجة الطبيعة لكل ما دار، هو الاستفزاز الإسرائيلي من خلال عقد الحكومة برئاسة بنيامين نتنياهو  اجتماعا على هضبة الجولان المحتلة لأول مرة، والبدء في الحديث عن ممارسة إسرائيل لأعمال السيادة على هضبة الجولان، وأنه لن تعود لسورية مرة أخري، بالرغم من الغضب الدولى على استحياء نتيجة هذه الخطوة، يبدو وكأن الأمر لن يتعدى بيانات الشجب والإدانة ليصبح الأمر واقعًا فوق الجميع.
على الناحية الأخرى هناك دعوات بتقسيم سورية وتحويلها لنظام فدرالي، وهو المقترح الذي بدأ فى الظهور بقوة مؤخرًا، بالرغم من اتفاق موسكو وواشنطن العام الماضي على أن سورية دولة علمانية موحدة، ولكن يبدو أن تغيير قواعد اللعبة بعد تدخل السعودية ثم روسيا، غير من قواعد اللعبة، وأصبح المقترح على رأس الحلول فى مباحثات السلام السورية فى جنيف، وللأسف هناك معارضة سورية محسوبة على السعودية لا تخجل من الإعلان عن إمكانية تحقيق هذا المقترح، والزعم بأن الشعب السوري هو من يحدد هل يمكن العمل بالنظام الفدرالي فى سورية أم لا، وهو ما يعد تنازلا كبيرا من المعارضة التى لا يعرف أحد كيف تتحدث باسم ملايين السوريين وهم يسكنون الفنادق الفاخرة وتدعمهم دول عربية وأجنبية، فى حين يموت ملايين السوريين داخل الديار أو خلال عبورهم للبحر  المتوسط بحثا عن فرص أفضل للحياة، فى حين ترفض الحكومة السورية مقترح فدرالية الدولة السورية بالأساس.
ومن سورية إلى اليمن السعيد، الذى يتعرض لنفس السيناريو، ومع سقوط آلاف القتلى والمصابين نتيجة الحرب المستمرة تحت ستار الشرعية، وما خلفته عاصفة الحزم من هدم الدولة اليمنية والبنى التحتية وتشريد الآلاف في بلادهم، وبالرغم من المحاولات الأممية للصلح بين الأطراف المتصارعة، يظهر بوضوح مقترح فدرالية اليمن، من أجل إرضاء الأطراف المتصارعة، وهكذا خلال أشهر قليلة ربما نجد اليمن قد تحول إلى دولتين على مرأى ومسمع الجميع بمباركة أممية.
ويبدو أن ليبيا ليست أفضل حالا من سورية واليمن، حيث تتزايد المطالب  بتقسيم ليبيا إلى ثلاث فدراليات، هي طرابلس وبرقة وفزان على غرار الإرث الدستوري التاريخي الذي انطلق مع استقلالها عام 1951 إبان حكم الملك الراحل إدريس السنوسي، وتأسست تكتلات فدرالية في طبرق والبيضاء وبنغازي بالإضافة إلى تكتل فدرالي أمازيغي هو الأول من نوعه في الغرب الليبي.
وبالرغم من انتقال رئيس حكومة  الوفاق الوطنية فايز السراج إلى طرابلس، إلا أن تباطؤ برلمان طبرق المعترف به دوليا في منح الثقة للحكومة، وامتناع رئيس حكومة الإنقاذ خليفة الغويل في طرابلس عن تسليم السراج مقرات الوزارات إلى القادم الجديد، يعقد المشهد الليبي، ويجعل من مخاوف تقسيم ليبيا سيناريو قابلًا للتنفيذ فى أي وقت.
ربما كانت هذه مجرد مشاهد قصيرة لما بعد ثورات الربيع العربي،  لكنها مشاهد مفزعة وتنم عن أخطارٍ تتزايد، لم يتوقف معها الاستبداد بكل أشكاله، وتستمر سيناريوهات تقسيم الشرق الأوسط على قدمٍ وساق
   
 

شارك