الأب كريستيان فان نسبن: "المسلم والمسيحي إخوة أمام الله"

الثلاثاء 17/مايو/2016 - 11:23 ص
طباعة الأب كريستيان فان
 
حياته وأفعاله كانت متسقة كلها في خدمة الحوار بين الإسلام والمسيحية؛ حيث اتخذ لنفسه شعار (معاً أمام الله في خدمة الإنسان)، وطبقه كواقع معاش.. إنه الأب كريستيان فان نسبن اليسوعي، الذي توفي عن عمر يناهز 78 عاماً، وذلك يوم 2016/5/12 في هولندا. وكان من أهم كبار المختصين في الحوار المسيحي الإسلامي؛ لذلك من المهم التعرف على سيرته وكتاباته من خلال ما كتبه عنه أخاه في الرهبنة اليسوعية الراهب سيمون دويك. 
هولنديّ بالولادة مصريّ بالتبنّي
الأب كريستيان فان نسبن راهب يسوعيّ من أصل هولنديّ ولد في 15 مارس 1938. تلقى تعليمه في مدرسة داخليّة تابعة للرهبانيّة اليسوعيّة، ثم التحق بالرهبانية ذاتها في هولندا سنة 1955 بعد أن أتمّ تعليمه الأساسيّ. ذهب إلى مصر للتخصّص في الفلسفة العربيّة والإسلاميّة في جامعة عين شمس- ثاني أكبر جامعات مصر- ثمّ حصل على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون عام 1987 حول "مفهوم سنن الله في تفسير القرآن الكريم" (تفسير المنار) للشيخ محمد عبده، والسيد محمد رشيد رضا.
عمل الأب كريستيان أستاذاً للفلسفة في إكليريكيّة المعادي "للعلوم الإنسانية واللاهوتية" بالقاهرة، وهي كلية تخريج الكهنة الكاثوليك بمصر ودرّس الإسلاميات في معهد "دار كمبوني" بالقاهرة، وأصبح  عضوًا في الجمعية الفلسفيّة المصريّة، وعضوًا في المجلس الأعلى للثقافة المصريّة لجنة الفلسفة، عضو لجنة الفلسفة والديانات بمكتبة الإسكندريّة. كما اشترك في جمعيّات أخرى هدفها الحوار بين الأديان، منها جماعة "إخوان الصفا" وجمعيّة "الإخاء الدينيّ".
استطاع الأب كريستيان أن ينظر إلى الواقع المصريّ العربيّ الإسلاميّ نظرة منفتحة ملؤها الجدّيّة، والتفهّم، وهدفها خير الإنسان، وهي تعتمد على الصداقة كخطوة أولى للوصول إلى معرفة الآخر في إنسانيّته، ثم الفهم، والدراسة المنهجيّة.
أمّا سرّ انجذاب الأب كريستيان إلى الإسلام فيعود إلى أيّام الابتداء في الرهبنة اليسوعيّة. فقد تعرّف هناك- وهو لا يزال راهباً شابّاً- على الإسلام عندما كلّمهم أحد الرهبان عن عمل الرهبانية اليسوعيّة في وسط إسلاميّ بمنطقة الشرق الأدنى، فتأثّر بذلك الكلام أيما تأثّر، وامتلأ حماساً للعمل مع المسلمين. ويعبّر الأب كريستيان عن هذه الخبرة بقوله: "كانت هذه هي المرّة الأولى التّي فيها يدخل الإسلام إلى حياتي بصورة مباشرة وصريحة. أخيراً صار المسلمون أشخاصاً أحياء من لحمٍ و دمٍ وليسوا مجّرد مفهوم". وتأثّر الأب كريستيان بالحركة الروحيّة الّتي اقترحها "لويس ماسينيون" للتضامن مع المسلمين من خلال فكرة "البدليّة"- الاحترام العميق للإسلام والمسلمين وبالتالي احترام ثقافتهم وحياتهم الدينية.
بعد سنتين من دراسة اللغة العربيّة في بكفيا "لبنان"، أُرسل الراهب الشابّ كريستيان إلى مصر للتخصّص في الفلسفة العربيّة والإسلاميّة بجامعة عين شمس عام 1962. وهناك التقى بصديق عمره "محمود رجب" وهو شابّ سليل أسرة متديّنة، فوالده شيخ أزهريّ. استقبلت عائلة محمود كريستيان كأحد أفراد العائلة، فاختبر الراهب الشابّ في هذا البيت إيمان المسلمين من خلال الشيخ رجب وابنه الّذي كان يختلف كلّ منهما عن الآخر في طريقة إيمانه، ومع ذلك كانا "معاً أمام الله". واختبر كريستيان إنسانيّة الإسلام عند مؤمنين أتقياء آخرين، ولعبت الصداقة دوراً هامّاً في فهمه للدين الإسلاميّ، إذ إنّه يعتبر العلاقات الإنسانيّة باب الولوج إلى فهم دين الآخر من خلال مشاعره.
تعرّف الأب كريستيان أيضاً إلى إيمان الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة وما تحمله هذه الكنيسة من خصوصيّة مصريّة خالصة. كان يحضر اجتماعات للصلاة ينظّمها الطلاب في الجامعة فتعرّف على عقليتّهم وحساسيتهم الخاصّة وطريقتهم في الصلاة والتعبير عن إيمانهم، فكوّن فكرة عميقة عن إيمان المصريّين، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيّين.
لقد جمع في نظرته إلى الإسلام والمسلمين الدراسة مع النقد والصداقة، فجاءت نظرته واقعّية حيّة تنبض بالحياة وبعيدة عن جمود الأحكام المسبقة. واكتشف الأب كريستيان أنّه بوسع حياة المؤمنين الروحيّة أن تقرّبهم أكثر من العقائد إذ تضعهم معًا أمام الله. وهذا ما سمح له بالاشتراك في مختلف الجمعيات التي تهدف إلى الحوار ومن أهمّها جمعية "إخوان الصفا". 
"لست مستشرقًا" 
لم يعتبر كريستيان نفسه مستشرقاً، فالمستشرق في رأيه هو"من ينظر إلى الشرق من الخارج"، أمّا هو فقد اعتبر نفسه مصريّاً بالتبنّي، فهو ينظر إلى الشرق كشرقيّ. فقد تمكن الأب كريستيان من زيارة بلاد عربيّة وأخرى غير عربيّة ذات أغلبية مسلمة مثل الجزائر وإندونيسيا، ممّا أتاح له اكتشاف مسلمين متفرّدين في خبرتهم عن التجربة المصريّة.
لقد شرع الأب كريستيان ببناء جسرٍ في سبيل تعرّف الإنسان على الآخر عبر تخطّي الخوف من المجهول الّذي يجعل الإنسان يتّخذ مواقف عدائيّة تجاه الآخر بدون سبب حقيقيّ. وقدّم الصداقة باباً أساسيّاً للولوج إلى الآخر بدون هواجس ولا خوف من الضياع في الآخر. إذ إنّ الكلّ "مسلمين ومسيحيّين إخوة أمام الله". إذا تساوى الكلّ صارت النظرة إلى الآخر نظرة إنسانيّة تُساعد على الحوار.
غادر الأب كريستيان الشرق الأوسط مطلع عام 2010 عائدًا إلى وطنه الأم هولّندا، لكنّ روحه بقيت حاضرة بيننا خاصة الدارسين الشباب الّذين قضوا معه فترة التنشئة الأولى "الابتداء" في دير شبرا الشهير، وكذلك الكثير من اليسوعيّين ممن عملوا معه في حقل الحوار الإسلاميّ المسيحيّ.
الأدعية المشتركة 
من أهم كتب الأب كريستيان كتاب الأدعية المشتركة بين الإسلام والمسيحية؛ حيث وضع فيه نصوصًا متقاربة تدعو الله لجلب الخير والرحمة ليصل رسالة التقارب الحقيقي بين المسلم والمسيحي في الدعاء لله. 

شارك