(الشيخ السادس والثلاثون للجامع الأزهر).. مصطفى عبد الرازق

الخميس 08/سبتمبر/2016 - 12:39 م
طباعة (الشيخ السادس والثلاثون
 
الشيخ السادس والثلاثون للأزهر. 
المشيخة: السادسة والثلاثون. 
مدة ولايته: عامًا وشهرين، من (محرم 1365هـ ديسمبر 1945) إلى (24 ربيع الأول 1366هـ - 15 فبراير 1947م). 
المذهب: الشافعي. 
الوفاة: 24 ربيع الأول 1366هـ - 15 فبراير 1947م.
تتناول هذه النافذة، تاريخ مشيخة الأزهر، وتاريخ بطاركة الكنيسة المصرية من خلال التسلسل الزمني.. بغرض التعرف عن قرب على تاريخ الأزهر الشريف والكنيسة المصرية، والأدوار الدينية والاجتماعية والسياسية والفكرية لهؤلاء الأعلام (المشايخ والبطاركة).. باعتبار ذلك جزءًا أصيلًا وفاعلًا من تاريخ مصر
 هو مصطفى بن حسن بن أحمد بن محمد بن عبد الرازق المولود في عام 1304 هـ - 1885م في قرية أبو جرج بمحافظة المنيا وهو الابن الرابع لحسن باشا عبد الرازق، وتوفي 24 ربيع الأول 1366هـ - 15 فبراير 1947م، ليكون بذلك الشيخ السادس والثلاثين للجامع الأزهر على المذهب الشافعى وعلى عقيدة أهل السنة. 
نشأته وتعليمه 
نشأ في قرية أبو جرج بمحافظة المنيا، قضى طفولته في قريته، وتعلم بها مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم وعمره ما بين العاشرة والحادية عشرة ثم انتقل وهو في سن العاشرة إلى القاهرة، والتحق بالأزهر ليُحَصِّل العلوم الشرعية واللغوية، فدرس الفقه الشافعي، البلاغة والمنطق والأدب والعروض، والتفسير، والحديث، والتوحيد، والتصوف، والفقه، وأصول الفقه، وعلم الكلام، والنحو، والصرف، والعروض، والمعاني والبيان، والبديع والأدب، والتاريخ، والسيرة النبوية، على يد كبار مشايخ عصره ودرس على يد كبار علمائه. 
وواصل دراسته في الأزهر الشريف بتشجيع من والده الذي كان يتدارس معه العلوم أثناء الإجازات الدراسية،كتب الآداب ودواوين من الشعر، ونمت موهبته وثقافاته فقرر أنشأ صحيفةً عائلية مع إخوته وأقاربه، ثم أنشأ "جمعية غرس الفضائل" مع شباب أسرته ايضا، وكانوا يتناوبون فيها الخطابة في مساء الجمعة من كل أسبوع، وكان هو أمين سر الجمعية، واستمرت هذه الجمعية من عام 1900 إلى عام 1905م ومع ظهور الصحف العامة بدأ في نشر مقالاته الأدبية والقصائد بها، ثم انصرف عن الشعر إلى الدراسات الأدبية، وبدأ في التردد على دروس «الإمام محمد عبده» في عام ١٩٠٣م في الرواق العباسي الذي يعد من شيوخه الأوائل، فأصبح من خواص تلاميذه، وتأثر به وبمنهجه وأفكاره الإصلاحية.
وكان الشيخ الإمام محمد عبده م يباشر وقتها الدعوة الاجتماعية، ويقود الحركة الإصلاحية، فلقي استجابة عامة من المثقفين، والأزهريين ونقدًا من بعض علماء الأزهر. 
ثم تخصص الإمام مصطفى عبد الرازق خلال دراسته بالأزهر في الفلسفة، ثم حصل على شهادة العالمية سنة عام 1326هـ ١٩٠٨م، ولم ينل هذه الدرجة إلا واحد أو اثنان من المتقدمين للامتحان معه، وكان عددهم كبيرًا، وأصبح عضو بالجمعية الأزهرية التي أنشأها محمد عبده، وأصبح رئيسًا لها. وبعد شهرين من نجاحه انتدب للتدريس بمدرسة القضاء الشرعي، في ذاك الوقت كان الأزهر يموج بالثورة مطالبًا بإصلاح مناهجه، وتكونت (جمعية تضامن العلماء) وكان في مقدمة أعضائها، وأسس أيضًا الجمعية الأزهرية وانتخب رئيسًا لها، ومارست نشاطها بجد وإتقان، ثم عين موظفا في المجلس الأعلى للأزهر ومفتشاً بالمحاكم الشرعية وسافر إلى فرنسا في عام 1909م لدراسة اللغة الفرنسية والفلسفة في جامعة السربون، وحضر دروس (دور كايم) في علم الاجتماع، كما درس الأدب وتاريخ الفلسفة والأدب الفرنسي، ثم انتدب ليتولى تدريس اللغة العربية في كلية (ليون) ودرس بها أصول الشريعة الإسلامية على يد أستاذه «إدوارد لامبير» ثم أعدَّ رسالة الدكتوراة عن الإمام الشافعي تحت عنوان "الإمام الشافعي أكبر مشرعي الإسلام"، وتعاون مع برنارد مشيل في ترجمة كتاب العقيدة الإسلامية إلى اللغة الفرنسية ورسالة التوحيد" للإمام محمد عبده. 
وعندما قامت الحرب العالمية الأولى عام 1914م عاد مع كثير من زملائه إلى مصر، وفي سنة 1915 عُيِّنَ سكرتيرا بجامعة الأزهر،بأمرٍ من السلطان حسين كامل وترجم خلال تلك الفترة كتاب (طيف خيل ملكي) للأميرة قدرية بنت السلطان حسين كامل إلى العربية، وأثناء عمله بالمجلس الأعلى للأزهر أصبح بيته منتدى يؤمه رجال الفكر والثقافة وعلماء الدين، يتباحثون في شتى العلوم ثم سكرتيرا عاما للمجلس الأعلى للأزهر ثم رئيس للمجلس ثم قدم استقالته منه بعد إبعاده من الأزهر خوفا من أفكاره السياسية والاجتماعية، بسبب مواقفه السياسية المناصرة للحركة الوطنية التي كان يقودها آنذاك سعد زغلول فعين مفتشًا بالمحاكم الشرعية كإجراء تأديبي، لكنه استثمر هذه الفترة في الكتابة والبحث والترجمة، والمعرفة، فكان يعقد الندوات في بيته ويتوافد عليه أهل العلم والثقافة والفقه والفلسفة من كل مكان. 
في سنة 1916م انتخب عضوًا في (الجمعية الخيرية الإسلامية)، ثم وكيلا لها سنة 1920م، ثم رئيسًا لها سنة 1946م حتى وفاته، وانضم إلى حزب (الأحرار الدستوريين) خلال تلك الفترة وفي عام 1346هـ- 1927م عين أستاذًا مساعدًا للفلسفة الإسلامية بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا)، واختير أستاذًا للفلسفة دون بجامعة القاهرة سنة 1935م، ونال رتبة الباكوية سنة 1937م، ثم أصبح أستاذ كرسي في الفلسفة، وتولى الشيخ مصطفى عبد الرازق وزارة الأوقاف ثماني مرات، وكان أول أزهري يتولاها، وظل متمسكًا بارتدائه الزي الأزهري حتى وفاته وكانت الأولى في عام 1938م حتى 1942م، وأثناء عمله وزيرًا عُيِّنَ عضوًا بالمجمع اللغوي سنة 1940م، وفي سنة 1941م نال رتبة الباشوية، وتنازل عنها عندما تولى مشيخة الأزهر وظل وزيرًا للأوقاف حتى تم تعيينه شيخا للأزهر عام 1945م وتم اختياره أميرًا للحج في أكتوبر سنة 1946م، ولبث في رحلته 40 يوما ثم عاد ليتفرغ لاستئناف وجوه الإصلاح في الأزهر وفي 15 فبراير سنة 1947م حضر إلى مكتبه بالأزهر فرأس جلسة المجلس الأعلى للأزهر ثم عاد إلى بيته فتناول طعامه، ونام قليلًا ثم استيقظ فتوضَّأ وصلى، ثم شعر بإعياءٍ شديدٍ، فتم استدعاء الطبيب ولكنه توفى في : 24 ربيع الأول 1366هـ - 15 فبراير 1947م.
شيوخه 
تتلمذ الشيخ مصطفى عبد الرازق على يد الشيخ محمد عبده، وكان بين الإمام محمد عبده وبين حسن باشا والد الشيخ مصطفى مودة وصداقة وثيقة انعكس أثرها عليه، وتأثر الطالب الشاب بالإمام تأثرًا كبيرًا، ووجهه الإمام توجيهًا رشيدًا، ومدحه الشاب بقصائد عديدةٍ، وكان يراسله سرا وينشر رسائله دون توقيع الراسل لكى لا يصب الأزهريون جام غضبهم على الطالب اليافع، وعندما عاد الإمام محمد عبده من رحلته في أوروبا حيَّاه الطالب الشاب مصطفى بقصيدة قال فيها:
أقبل عليك تحية وسلام يا ساهرًا والمسلمون نيام
إن يقدروا في الغرب قدرك حقه فلمصر أولى منهم والشام
فيك الرجاء لأمة لعبت ما يلهى الصغار، وجدت الأيام
ثم أَلَّفَ عنه كتابًا يتحدث فيه عن الجهود التي يبذلها في سبيل إصلاح الأزهر، وإعادته إلى ما كان عليه في حياة العيني، والعسقلاني، والسخاوي، والمقريزي، وابن خلدون وغيرهم، والذي كان الأزهر يعدُّ في حياتهم ملتقى لأئمة العلوم والفنون المتعددة من طب وفلك وهندسة، بجانب العلوم الدينية واللغوية ومن شيوخه أيضًا الشيخ بسيوني عسل أستاذه في الفقه، والشيخ محمد حسنين البولاقي، والشيخ أبو الفضل الجيزاوي وغيرهم. 
فترة ولايته 
تولى الشيخ مصطفى عبد الرازق مشيخة الأزهر لمدة تقارب عامًا وشهرين من محرم 1365هـ ديسمبر 1945 حتى وفاته في 24 ربيع الأول 1366هـ - 15 فبراير 1947م وقاوم كبار العلماء بالأزهر تعيينه؛ لأنه كان من المعهود دائمًا أن يكون شيخ الأزهر من جماعة كبار العلماء، ولا يُعيَّنُ بهيئة كبار العلماء إلا من تولى وظائف معينة في القضاء الشرعي، أو درَّسَ بالأزهر مدة معينة، ولم يكن الشيخ كذلك، فلم يعترف كبار العلماء بتدريسه بالجامعة المصرية، فقامت الحكومة بإصدار قانونٍ جديدٍ ينص على أن يكون التدريس بالجامعة المصرية مساويًا للتدريس في الكليات الأزهرية، في الترشيح لمشيخة الأزهر، فوافق معظم علماء الأزهر إلا قليلا منهم، عمل على إدخال بعض الإصلاحات إليه، فأدخل اللغات الأجنبية، وأرسل البعثات إلى الخارج.
قالوا عنه 
ترك الشيخ مصطفى عبد الرازق أثرًا كبيرًا في العامة والعديد من المقربين منه حيث يقول عنه الشيخ محمد عبد اللطيف دراز "عرفته أستاذًا في الجامعة ووزيرًا وشيخًا للأزهر، وخالطته طويلًا وخبرته أشد الخبرة في كل ما ينبغي أن يَعرِفَ صديقٌ عن صديقٍ وأخٌ عن أخٍ، فأشهد ما تغير وما تقلب به الدهر".
ويقول عنه الشيخ أبو العيون واصفًا إدارته للأزهر"كان يجمعنا إليه، ونضع الاقتراح في مسألةٍ معينةٍ من مسائل الإصلاح، وتداول الرأي، ويدلي هو برأيه كالمستفهم، وفي النهاية يستقيم الأمر على الأساس الذي أرساه في نفسه وسريرته، وأنه لا يقطع برأي دون إجماعٍ منَّا على استحسانه ونفعه، وكان سبيله في الإقناع الرفق واللين والحجة والبرهان".  
وقال عنه الإمام الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر في كتابه (الحمد لله في حياتي) قال: "إن الشيخ مصطفى عبد الرازق عالم فيلسوف، حيي حليم، كريم بماله ووقته لطلبة العلم ولغيرهم، خرج جيلا من النابهين في الجامعة، وأسهم في الحركة العلمية بجهود عظيمة، وألف وحاضر وكتب المقالات، ووجه تلاميذه إلى التحقيق والتأليف والترجمة، وفتح مكتبته الفنية بشتى الكتب ونوادرها لكل طالب علم مجد".
وقال فريد وجدي في رثائه، واصفًا أخلاقه: "لم أر فيمن قابلت من القادة والزعماء، أكرم خلقًا في غير استكانةٍ، ولا أهدأ نفسًا في غير وهنٍ، ولا أكثر بشاشةً، في غير رخوةٍ، من الشيخ مصطفى عبد الرازق، وكل ذلك إلى حزمٍ لا يعتوره لوث، واحتياط لا يشوبه تنطع، وأناةٍ لا يفسدها فتور، وإدمانٍ على العمل ينسى معه نفسه، وهي صفات كبار القادة، وعلية المصلحين، ممن خلقوا لمعالجة الشئون المعقدة، وحسم المنازعات الشائكة ولتوفيق المطالب المتنافرة".
وعقب ولايته لمشيخة الأزهر نشرت جريدة "لوموند" الفرنسية حديثا نسبته إليه، زعمت فيه أنه قال: "إن فرنسا أحرزت مكانًا ممتازًا في نشر الثقافة بين المسلمين، وأرجو ألا تتخلى عن خطتها لتحتفظ بحب العالم الإسلامي لها"، فرد شقيقه الشيخ على عبد الرازق مدافعًا عنه "إن العلم لا وطن له، وإننا نتلقى عن الغرب معظم ما فاتنا من مدنية ومن حضارة وعلوم، وينبغي أن نفرق بين المعارف وبين الاستعمار، فإننا نأخذ المعارف ونحارب الاستعمار".  
مواقفه وآراؤه 
 كان للشيخ مصطفى عبد الرازق العديد من المواقف والآراء المستنيرة، منها: 
 علم الكلام 
 تأكيده على أن "الإسلام جاء ليقرر أن الدين الحق واحد، هو وحي الله إلى جميع أنبيائه، وهو عن الأصول التي لا تتبدل بالنسخ، ولا يختلف فيها الرسل، وهو هدى أبدا أما الشرائع العملية فهي متفاوتة بين الأنبياء، وهي هدى ما لم تنسخ، فإذا نسخت لم تبق هديًا.. وكان على القرآن أن يجادل مخالفيه، ردَّا للشبهات التي آثارها أهل الأديان والملل والنحل حول الدين، هذا الجدل في العقائد عرض له القرآن للحاجة، وعلى مقدارها، من غير أن يشجع المسلمين على المضي فيه، بل هو جعل التنفير منه أولاً". 
" إن منطق المسلمين هو أصول الفقه". 
"إن الذين يفكون العقول من أغلالها إنما يمهدون لها السبيل إلى الحق والدين من أسمى حقائق الوجود".
الدين والفلسفة 
 اعتبر "أن الفلسفة الإسلامية ليست تلك التي نجدها عند ابن سينا والفارابي، ولكنها تكمن في منجز العرب المسلمين في علم الكلام ومصادر فلسفة التشريع الإسلامي".
و"أن الدين والفلسفة يبتغيان سعادة البشر، غير أن الدين يقوم على التصديق والإيمان ومصدره القلب، بينما الفلسفة تقوم على النظر والفكر ومصدرها العقل، لذلك فهما متفقان في الغاية مختلفان في الوسيلة، ولا يجوز أن نخلط بينهما ولا أن نفسر الدين بالفلسفة، وإنما ينبغي أن ننظر إلى كليهما باستقلالية عن الآخر".
الوهابية 
 هاجم الأمام المذهب الوهابى وأصحاب النزعة الوهابية المتشددة الذين يهدمون القباب الفنية ويكفرون الناس قائلا: "إنهم لا يتبعون دين الإسلام وإنما يتبعون دين أهل نجد».
 وقال: «ولقد نبرأ بدين هيئة كبار العلماء الذي يدفع بالكفر كل نزوع إلى العلم والفهم والذوق، فلما جاءنا دين أهل نجد يهدم على من فيها قبابا قد تكون آثارا فنية وتاريخية، يعرف خطرها أهل الفن والتاريخ»، قائلا في النهاية: "إن الدين بريء من مثل هذه الدعاوة وإنما يشوه الدين أولئك الذين يريدون كيدا وتضليلا وقيدا للعقول والقلوب ثقيلا"
الفن 
كان الشيخ مصطفى عبد الرازق يحب الفن ويحترمه وكان شغوفًا بالفن والموسيقى والشعر والمسرح، ويقول عنه "إنه يفيد الإنسان في البحث عن قيم الحياة؛ لأنه إحساس نابض في الوجود من قيم جمالية يعمل الفنان على إبرازها، وإن الذين يتوهمون أن الدين يعارض الفن يدلون على أنهم يسيئون فهم طبيعة الدين وطبيعة الفن، وإن المسلمون الأوائل أدركوا علة تحريم بعض الفنون كالأمر مثلا بعد الرسم أو النحت خشية أن يرتد الناس إلى عبادة الأصنام، فلما زالت العلة وزال الخوف من عبادة الأصنام زال التحريم". 
 وقد جاهر بإعجابه بأغاني أم كلثوم والقصائد الشعرية التي تغنيها فتنمى الذوق وتكسر الغربة بين العامة واللغة العربية الهادفة، واعتبر صوتها «نعمة من نعم الدنيا»، وكتب عن مسرحية أهل الكهف لتوفيق الحكيم وكان يرى أن الفن يزرع السمو في نفوس البشر.
وذات مرة قال له أحد تلامذته المقربين: لماذا تنفق كل هذه الأموال على الطلاب؟ فقال له مستنكرا: أتريد أن نتركهم على فقرهم واحتياجهم حتى يتركوا العلم؟ 
 العنصرية 
عاش حياته رافضًا للتعصب من كل شكل ولون، داعيًا إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، حالما بالعودة إلى منبع الدين الصافى وبساطته المعجزة في أيام عهد النبوة؛ حيث الإيمان يملأ القلوب والعدل يملأ الربوع، والنور يتوغل في الأنحاء، والأمل يحدو الجميع.
 كان يستهجن الدعاوى الأوروبية التي تدعي أن الجنس الأوروبي أرقى من بقية الأجناس، ورد على تلك الفكرة مرارًا متحصنا بالأبحاث العلمية الحديثة؛ ذلك لأنه إن كانت الغلبة الآن للأوروبيين فقد كانت قديما للعرب ومن قبله للمصريين والعراقيين والفارسيين بما يعني أن التفوق أمر نسبي زمني لا علاقة له بالجنس وسموه.
وانتصر الإمام للبسطاء والفلاحين والضعفاء، مؤكدًا على أن الفلاح المصري أكثر الناس عناء في السعى إلى تحصيل العيش وأقلهم متاعًا وأضيقهم.
 المستشرقون
 بذل الشيخ مصطفى عبد الرازق جهدًا كبيرًا في الرد على المستشرقين وتعريف مفهوم الإسلام، فقد كان الأوروبيون يقولون إن الإسلام يعنى الاستسلام والطاعة العمياء، فرد قائلا " إن الإسلام يعنى تحرى الرشد وتزكية النفس، وذلك يعنى الطاعة الإرادية وليس الانقياد الأعمى، والإسلام يعنى الاستسلام حقا لكن لله فحسب، أي أنه يعنى «الإيمان» بالله وملائكته وكتبه ورسله والقضاء خيره وشره والبعث والحساب، وأن كلمة إسلام مشتقة من كلمة «سلم»، وهي تعنى التخلص من الشوائب والموبقات الظاهرة والباطنة التي «يسلم» المرء منها، كما تعنى الإذعان لله وحده لا شريك له وعدم الإذعان لغيره.
وقال: لا فرق بين لفظي مسلم وكلمة مؤمن، فكلاهما يستعمله الله ويقصد بهما نفس الأشخاص الذي يؤدون نفس الأفعال، وأن الخوض في هذا الأمر إنما هو من قبيل «تمحلات الفرق» وأن قضية الفرق بين اللفظين ما هي إلا قضية «مصطنعة اصطناعًا»، فالدين عند الإمام يخاطب الروح والقلب ويقيم وزنا كبيرا للقلب الذي يأتي كثيرا بمعنى العقل أو الضمير، ويتجلى هذا في الحديث الأشهر «إنما الأعمال بالنيات» والنية محلها القلب، وأن العبادات البدنية كالصلاة والصيام والقيام والحج لا ينظر الله إليها بحسب صورتها الظاهرة، وإنما يتنظر إلى القلوب المختبئة وراء العبادات، ومدى صفائها وصدقها وخشوعها، وأن الإيمان هو شرط صحة الأعمال، والإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل".
الفلسفة بالدين 
تعرض الإمام إلى مشكلة علاقة الفلسفة بالدين وهي العلاقة التي وقعت فيها مساجلات عديدة أشهرها ما دار بين الإمام أبوحامد الغزالى والفيلسوف ابن رشد، وهو الرأى الذي يتشابه مع رأى الإمام أبى حامد الغزالى، لكن الشيخ مصطفى عبد الرازق يرفض فكرة أن تكون الفلسفة خادمة للدين لأن ذلك يضر بالفلسفة والدين على حد سواء، فضرره بالدين يتلخص في أنه يعكر صفو العقائد المقدسة ويجعلها قابلة للأخذ والرد والمناقشات العقلية المتناقضة، كما أن الفلسفة تكتسب بالأدلة بعيدا عن المشاعر القلبية التي تميز الوصول إلى حقائق الدين التي تملأ قلوب المؤمنين، أما الضرر الواقع على الفلسفة من خلطها بالدين فهو أنه يكسبها قدسية ليست بها، ويحدد نتائجها قبل إجراء مباحثها، وذلك يحد من حرية البحث ويحصنها من النقد، وهو ما لا يجب ولايغفل الشيخ دور العقل في الدين، بل على العكس فإنه يعليه ويعتبره «صديق النقل» إذ لا إيمان إلا للعاقلين، ولا حساب ولا عقاب إلا لمن يستفتون عقولهم فتفتيهم.
الدين والشريعة 
أكد الشيخ على أن الإسلام جمع بين الدين والشريعة، قائلا: «أما الدين فقد استوفاه الله كله في كتابه الكريم ولم يكل الناس إلى عقولهم في شيء منه، وأما الشريعة فقد استوفى أصولها وترك للاجتهاد تفاصيلها».
الاجتهاد 
رأى الشيخ أن مسألة الاجتهاد ضرورة وواجب وعلى كل الأئمة في كل العصور، عدم غلق باب الاجتهاد لتدعيم الإسلام للحرية الفكرية ويقول في ذلك "قد تنبهت العقول وزالت غشاوة الغفلة عن بصائر الناس، ففهموا أن الدين ليس غلا للقلوب ولا قيدا على الأفكار، لكنه كما كان الإمام محمد عبده يقول قد كفل للإنسان أمرين عظيمين وهما استقلال الإرادة واستقلال الرأى والفكر، وبهما تكتمل إنسانية الإنسان ويستعد أن يبلغ السعادة، وأنه لا خطر على العقل الواعى من الشتت والزيغ، وذلك لأن البشر صنفان مخلص ومغرض، من أخلص لله فسيخلص له في كل الأحوال حتى لو أعمل عقله، ومن دخل الهوى قلبه فسيميل نحو أغراضه في كل شيء حتى لو ادعى أنه لا يعمل إلا بالنقل.
 قائلا كلمته الشهيرة في هذا الأمر: «إن الذين يفكون العقول من أغلالها إنما يمهدون لها السبيل إلى الحق والدين من أسمى حقائق الوجود». 
العادات الخاطئة 
حارب الإمام الكثير من العادات الاجتماعية الخاطئة ومنها تقبيل أيادى العلماء كمظهر لاحترامهم، قائلا: إن الذين يمدون أيديهم الطويلة إلى الأفواه لينشروا جراثيم المرض يبذرون معها بذور الذلة في الأنفس الطيبة؛ لأن الدين ينمى علاقة الإنسان بخالقه وبنفسه وإخوانه من أفراد فالدين ملازم للحياة من يضع دستورها ويجد فيه الإنسان الزاد في حياته والنور الذي يهديه إلى الطرية المستقيم».
وعارض الشيخ الغلو في الاعتقاد بكرامات الأولياء، قائلا: "إن الإسلام لا يقر واسطة بين العبد وربه وأن يفتى الشيوخ بجواز لبس القبعة من عدمه بينما هم يختلفون في تحديد كيفية رؤية هلال رمضان".
الوطنية 
أقر الإمام حق الأمم في أن يكون لها أعياد قومية تنمى الشعور الوطني؛ لأن حب الوطن من الإيمان، في رد واضح وحاسم على من يتمسكون بالأعياد الدينية فقط.
 ورأى "إنه من غير الممكن أن يعرف الواحد أمزجة الشعوب الشرقية الإسلامية إلا من خلال الدين وأكثر ما يخاف الإمام على الأمة منه هو ضعف الشعور الديني وضعف الشعور الوطني، وأن الدين الصحيح لا يعارض التقدم في المظاهر الاجتماعية الحديثة من حضارة وعمران، وأن الدين لن يكون عائقًا أمام تقدم المسلمين، وعلى المسلمين ألا ينسوا مبادئهم وهويتهم الدينية أمام التقدم العلمي والمدنى والحضاري، وداعيًا إلى التمسك بأصالة القديم واحترامه وفي ذات الوقت أن ننهل من الجديد وتقدمه. 
حرية المرأة 
أكد الأمام على مطالب المرأة بالحرية والعمل قائلا: "إنه يتوجب علينا أن نأخذ بالتدرج في هذا الشأن؛ لأن المرأة حديثة عهد بالتعليم والخروج إلى الحياة العامة كما يرجو أن تعمل المرأة في الأمور الخيرية التي يتغافل عنها الرجل لتتكامل وظيفة المرأة مع الرجل وتتحقق الفائدة للمجتمع".
مؤلفاته
 كان للشيخ مصطفى عبد الرازق العديد من المؤلفات حيث كان مفكرًا وأديبا، وعالم بأصول الدين والفقه الإسلامي واعتبر مجددا للفلسفة الإسلامية في العصر الحديث، وصاحب أول تاريخ لها بالعربية، ومؤسس المدرسة الفلسفية العربية التي أقامها على الإسلام ولذلك فله العديد من المؤلفات في الفقه والحديث والتفسير والفلسفة والاجتماع، وفي الشعر، ومن أهم مؤلفاته:
1- ترجمة "رسالة التوحيد" لمحمد عبده إلى الفرنسية بالاشتراك مع برنارد ميشيل.
2- مذكرات مسافر.
3- مذكرات مقيم.
4- جمع أخوه الشيخ على عبد الرازق مجموعة من مقالاته التي نشرها في الجرائد والمجلات في كتاب تحت عنوان "من آثار مصطفي عبد الرازق" مع مقدمة لطه حسين، وصدر في سنة 1377 هـ - 1957م.
5- نسخ العديد من أعداد مجلة "العروة الوثقى".
6- نسخ كتاب الإمام محمد عبده الذي ألفه عن الثورة العرابية.
7- جمع تراث جمال الدين الأفغاني، وما لم يستطع إحرازه مطبوعًا نقله بخط يده.
8-كتب أدبية عن البهاء زهير الشاعر المعروف، ونشرت سنة 1349 هـ 1930م.
9- تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، سنة 1363 هـ - 1944م وهو أشهر كتبه وأهمها.
10- في سيرة الكندي والفارابي وصدر سنة 1364 هـ - 1945م.
11- كتاب "الإمام الشافعي"، وصدر ضمن سلسلة أعلام الإسلام سنة 1364 هـ - 1945م.
12- الدين والوحي والإسلام.
13- فيلسوف العرب والمعلم الثاني " محمد عبده وسيرته"، ونشره في عام 1365 هـ - 1946م، وهو يجمع مقالاته ودراساته عن أستاذه، وركز فيه على الجانب الإصلاحي والفلسفي من حياة الإمام
14- رسائل موجزة بالفرنسية عن الأثري الكبير بهجت بك.
15- رسائل بالفرنسية عن معنى الإسلام ومعنى الدين في الإسلام.
وله أيضا مذكراتٌ ومجموعة مقالاتٍ وأحاديث لم تنشر حتى الآن، من أهمها:
1ـ مؤلف كبير في المنطق.
2ـ مؤلف كبير في التصوف.
3ـ فصول في الأدب.
4ـ مذكراته اليومية.

شارك