رحيل هاشمي رفسنجاني.. مكاسب المتشددين وخسائر الاصلاحيين

الإثنين 09/يناير/2017 - 04:02 م
طباعة رحيل هاشمي رفسنجاني..
 
جاء وفاة  الرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني بعد ظهر الأحد 8 يناير 2017،  لتشكل ارتياحا للتيار المتشدد في ايران، وخسارة كبيرة لتيار الاصلاحيين قبل الانتخابات الرئاسية في مايو 2017.

وفاة رفسنجاني:

وفاة رفسنجاني:
أعلن الأحد 8 يناير2016 ، وفاة الرئيس الإيراني الأسبق، رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، علي أكبر هاشمي رفسنجاني إثر أزمة قلبية عن عمر يناهز 83 عاما.
وكانت وكالة الأنباء الإيرانية أكدت في وقت سابق من الأحد، نقل رفسنجاني إلى المستشفى بسبب مشكلات في عضلة القلب.
ونقل رفسنجاني بشكل عاجل إلى مستشفى في شمال طهران إثر تعرضه لهذه الأزمة. وكان قد تولى الرئاسة بين عامي 1989 و1997 ويعتبر قياديا رئيسيا في الجمهورية الإسلامية.
وكان رفسنجاني الذي ولد عام 1934  يعد أحد أكثر رجال الدين والسياسيين الإيرانيين نفوذا، وسبق أن شغل منصب رئيس الجمهورية في الفترة من 1989 إلى 1993، وأعيد انتخابه لفترة رئاسية ثانية عام 1993 وانتهت عام 1997.
وجرى اعتقاله أكثر من مرة ، وقضى نحو ثلاث سنوات في السجن من سنة 1975 وحتى 1977 بسبب نشاطه السياسي زمن الشاه محمد رضا بهلوي، وكان أحد أبرز زعماء المعارضة الإصلاحية في البلاد.
وبعد سقوط الشاه وتولي الخميني للحكم، تم تعيين رفسنجاني في مجلس الثورة، وشارك في تأسيس الحزب الجمهوري الإسلامي، وأسس لنفسه قاعدة سياسية، حيث تولى رئاسة البرلمان الإيراني في الفترة من 1980 وحتى 1989، وتولى مهمة رئاسة القوات المسلحة في الفترة من 1988 وحتى 1989.
ويقول مؤرخون إن رفسنجاني استطاع إقناع المرشد الاعلي في ايرن علي الخميني بالعمل على إعادة صياغة الثورة الإيرانية وفق معطيات أكثر عملية وواقعية. وبسبب سياساته تمكنت إيران من الخروج كإحدى أكبر الدول المستفيدة من غزو العراق للكويت عام 1991 عبر
إعادة تأهيل النظام الإيراني دوليا، وهو ما سمح لاحقا بتحول إيران إلى دولة ضاغطة إقليميا.
وقام مشروع رفسنجاني على التحول من التصادم مع أنظمة الدول الأخرى مباشرة إلى مشروع اجتماعي ودعائي يتسلل إلى عالم الأقليات من خلال كوادر يتم إعدادها بصبر وهدوء ضمن المؤسسات التعليمية والاستخباراتية الإيرانية.
ومع الوقت لاقت هذه الاستراتيجية نجاحا كبيرا في العراق واليمن وسوريا ولبنان وأفغانستان، وبين الأقليات الشيعية العربية المهاجرة إلى أوروبا والولايات المتحدة وكذلك في أفريقيا.

للمزيد عن هاشمي رفسنجاني اضغط هنا 

خسارة الاصلاحيين:

خسارة الاصلاحيين:
تعد وفاة هاشمي رفسنجاني خسارة كبيرة للتيار الاصلاحي في ايران، قبل الانتخابات الرئاسية خلال مايو 2017، ويعد رفسنجاني الأب الروحي لتيار الاعتدال في إيران، والذي يضم أبرز الوجوه المعتدلة من كلا التيارين المحافظ والإصلاحي، وكان أول رئيس لمجلس الشورى بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية عقب انتصار الثورة عام 1979، والتي كان بدوره من أبرز وجوهها. 
واستطاع رفسنجاني أن يقنع الكثيرين بأن النظام يمكن إصلاحه عن طريق تغييرات ثبت لاحقا أنها تجميلية، إذ بقي قلب النظام المتشدد قائما على تصدير الثورة إلى دول الشرق الأوسط.
ويعرف هاشمي رفسنجاني، بأنه داعم للإصلاحيين، فهو ينظر إليه على أنه «أبو الإصلاحيين»، وقد تحدى رفسنجاني خامنئي في الانتخابات الرئاسية الإيرانية في 1997، فهو من لعب دورًا أساسيًّا في انتخاب الإصلاحي محمد خاتمي لرئاسة الجمهورية في وجه مرشح المحافظين أكبر ناطق نوري عام 1997.
ويقول المحلل السياسي الإيراني ورئيس مركز الدراسات الإيرانية العربية في لندن، على نوري زادة ، وهو أحد المؤيدين للحركة الخضراء المعارضة: إن «رفسنجاني مهد الطريق لظهور خاتمي والإصلاحيين، ففي الانتخابات الرئاسية عام 1997 شارك أكبر ناطق نوري في الانتخابات كتحصيل حاصل، على اعتبار أنه الرئيس المقبل، فكل المؤشرات تدل على أن خامنئي اختاره للمنصب، حتى إن صحيفة (كيهان) المحافظة نشرت خبرا عنوانه أن المرشد يفضل ناطق نوري، لكن رفسنجاني رفض ذلك ودعا إلى انتخابات نزيهة، وقال في خطبة صلاة الجمعة في الأسبوع الأخير قبل إجراء الانتخابات: لن أسمح بأي تزوير في الانتخابات ومن يفوز بأغلبية الأصوات سيكون رئيسا للجمهورية»، في تحد ضمني لرغبة المرشد الأعلى، وهكذا وصل خاتمي إلى سدة الرئاسة بدورتين من (1997 - 2005).
وكان دعم  المرشد على خامنئي لأحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية 2005، كان بداية بداية مفترق الطرق بين رفسنجاني وخامنئي. وبعد خسارته انتخابات الرئاسية في 2005، وضع رفسنجاني، نفوذه وماله ومؤسساته الإعلامية وجميع إمكانيته في خدمة الإصلاحيين، ودفع بمير حسين موسوي، رئيس الوزراء الأسبق، إلى الانتخابات الرئاسية في 2009 التي انتهت بالتمديد لنجاد لكنها تمخضت عن ظهور المعارضة الإصلاحية في البلاد.
ومثل اندلاع التظاهرات بسبب نتائج الانتخابات الرئاسية، لفت رفسنجاني انتباه المحتجين بانتقاداته اللاذعة لحكومة أحمدي نجاد.
ودعا رفسنجاني من مدينة مشهد إلى إعادة ثقة الأمة بالنظام وإطلاق السجناء وتعزيز الحريات، كما ألمح إلى أن شرعية «الولي الفقيه» منوطة بقبول الأمة له.
وجاء فوز حسن روحاني بالرئاسة، قبل أكثر من اربع سنوات شكل فوزاً لرفسنجاني نفسه الذي دعم الرئيس الحالي، وهو ما أعطى تيار الاعتدال أوراق قوة وأعاد الإصلاحيين تدريجيا للمشهد السياسي بعد غياب استمر لسنوات إثر احتجاجات الحركة الخضراء، عقب الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها محمود أحمدي نجاد عام 2009. 
ويرى فيه البعض أنه سعى طيلة صعوده السياسي إلى تجسيد الإسلام المنفتح وتأييد التطور السياسي والاقتصادي والانفتاح على الخارج، وأنه كان من مؤيدي الاقتصاد الحر ولم يتردد في القول إن "جمع الثروة قيمة أخلاقية".
دعم رفسنجاني الاتفاق النووي مع القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وقال: "إن الاتفاق المؤقت الذي توصلت إليه إيران مع القوى الـ6 الكبرى في جنيف بشأن برنامجها النووي، كان الخطوة الأصعب لأنه تغلب على عقود من القطيعة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة منذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.
ونشر موقع "رفسنجاني" على الإنترنت تصريحات الرئيس الأسبق الذي وصف الاتفاق النووي بأنه خطوة كبيرة بإمكانها أن تذيب الثلوج في العلاقات بين الغرب، وبين أمريكا وإيران على وجه الخصوص.
ويعتبره البعض في إيران وخارجها أنه صانع الملوك لأن له اليد الطولى في وصول المرشد العام على خامنئي إلى منصبه بعد وفاة الخميني عام 1989، وتبوأ الإصلاحي محمد خاتمي الرئاسة في العام 1997، إضافة إلى دوره في تعيين مناصب رئيس فيلق القدس ورئيس أركان الحرب ورئيس الاستخبارات.
وتتظر الدوائر الغربية إلى رفسنجاني بصفته عامل انفتاح دولي بالإمكان التعويل على وجوده لرفد الوسطية بجرعات إضافية مصدرها واحد من القيادات التاريخية التي رافقت الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران.

التيار المتشدد:

التيار المتشدد:
تعرض رفسنجاني لانتقادات حادة من قبل بعض المتشددين من المحافظين بسبب مواقفه الموالية للإصلاحيين في بعض الأحيان
ويرى مراقبون أن غياب رفسنجاني سيضعف تيار الاعتدال لصالح تيار المحافظين والحرس الثوري الذي يعتمد موقفا متطرفا إزاء الانفتاح على الجوار السعودي، خصوصا أن رفسنجاني كان أول من بادر إلى فتح الحوار مع السعودية، وقد دأب على الدعوة إلى تحسين العلاقة معها رغم قوة التيارات المتشددة الرافضة لمبادرته.
وأثار رفسنجاني الداهية غضب المتشددين أثناء الإعداد لانتخابات مجلس الخبراء والبرلمان في 2016 من خلال الانتقاد العلني لمجلس صيانة الدستور المسؤول عن فحص المرشحين بسبب تنحيته للمعتدلين على نطاق واسع. في انتخابات مجلس الخبراء دعم رفسنجاني كتلة من المرشحين الأقل تحفظا ومن بينهم روحاني.
وسبق الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام أكبر هاشمي رفسنجاني، في رفضه إطلاق شعار «الموت لأميركا» الذي أصبح لازمة للإيرانيين يرددونه بعد كل صلاة جماعة وفي المناسبات والمظاهرات.
لكن رفسنجاني اجتهد ووجد تفسيرا قرآنيا يرفض إطلاق الشعار وألّف كتابا ذكر فيه أن مؤسس «الجمهورية الإسلامية» آية الله الخميني أيد التخلي عن هذا الشعار، الأمر الذي أثار على رفسنجاني غضبة متطرفي التيار المحافظ.
كما كان رفسنجاني، خصما لدودا لآية الله على خامنئي مرشدًا أعلى للجمهورية الإسلامية، ووهاجم النائب المتشدد روح الله حسينيان، المساعد الأمني السابق لرئيس الايراني السابق أحمدي نجاد، بعد مظاهرات الثورة الخضراء في 209،  رفسنجاني، قائلا: «إنك وبعد الفتنة الأخيرة قمت مرارًا بخيانة القائد (خامنئي)، وزعمت في بعض الاجتماعات الداخلية أنك من أنصار القائد؛ لكنك في مدينة مشهد كشفت عن حقدك، وقلت: إذا أعلنت الأمة رفضها لنا فسنرحل، والأمة أعلنت مرارًا عبر شعاراتها أنه لم يعد لك مكانا في قلبها». وأضاف أمام حشد طلابي في مرقد الإمام الخميني «نحن وفي ضوء دعوات القائد، ندعوك إلى العودة للإسلام والنظام».
وفي ابريل 2015، هاجم المتشددون في إيران تصريحات رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني، أكبر هاشمي رفسنجاني، التي أقر خلالها “بوجود ظلم مستمر وقمع متواصل واعتقالات عشوائية وانتهاكات بالسجون الإيرانية، وتلاعب بالانتخابات وأصوات الشعب” والتي أطلقها خلال كلمة له أثناء مراسم تأبين لزوجة الخميني مؤسس جمهورية إيران، في 12 أبريل2015.
فيما يخص ردة فعل القادة العسكريين، فقد نقلت صحيفة “جوان” عن قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري، أنه وجه تهديدا مباشرا لرفسنجاني، متسائلا: “ماذا يعني وصف حماة الثورة بالمتحجرين؟ وأضاف: “عندما يريد النظام الإسلامي أن يطبق العدالة ويحاكم الرؤوس الكبار أمام الرأي العام، فمن الطبيعي أن يقوم هولاء بالتظلم ورفع شعار “وا إسلاماه..”. إنهم يريدون أن يقلبوا العدل ظلما”.
كما نقلت الصيحفة عن المتحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين محسني إيجائي، رفضه لتصريحات رفسنجاني حول سوء المعاملة في السجون، قائلا: “إن لم تستند تصريحات رفسنجاني إلى أدلة، فإنها تندرج ضمن إطار تهمة تضليل الرأي العام”.
أما صحيفة “كيهان” فقد نقلت عن عدد من نواب اليمين المتشدد والأصوليين في مجلس الشورى (البرلمان) ردود أفعالهم تجاه تصريحات رفسنجاني، حيث وصف كل من سيد باقر حسيني مندوب زابل، وأحمد بخشايش مندوب أردستان، ومحمد حسن اصغري و3 نواب آخرين تلك التصريحات بأنها “خيانة للثورة وتشكيك في النظام”.
ويرى مراقبون أن تصريحات رفسنجاني تأتي في سياق حملة دعائية لتعزيز موقعه، والإصلاحيين لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة المزمع إجراؤها بعد 10 أشهر، وبالتالي تعزيز موقع الرئيس الإيراني حسن روحاني المتحالف مع الإصلاحيين.

المشهد الإيراني:

رحيل  هاشمي رفسنجاني، لن يمر بسهولة في إيران، وفتح يفتح باب للصراع بين أجنحة جمهورية العمائم والتي قد تفكك برحيا المرشد الاعلي علي خامنئي، في ظل معاناة لمرض سرطان البروستاتا، وهو ما قد يشكل بداية مرحلة اخري من الصراع في جمهورية الخميني.

شارك