هل نحن أمام موجة جديدة من موجات الإرهاب؟

السبت 01/يوليه/2017 - 06:07 م
طباعة
 
يمكن تقسيم وتيرة التطور التاريخي للأعمال الإرهابية التي انعكست تأثيراتها على عصرنا الراهن إلى خمس موجات هى: موجة الإرهاب الفوضوي، وموجة الإرهاب العنصري، وموجة الإرهاب العقائدي (الإرهاب الأيدولوجي)، وموجة الإرهاب الديني، وموجة الإرهاب الإلكتروني. والذي يحدد اسم الموجة هو سمات العمليات الإرهابية وأهدافها. ولا تختلف الموجات الإرهابية السالفة الذكر عن بعضها بعض بحدود قاطعة وفاصلة. بل توجد في الأحداث الإرهابية التي تقع في كل العصور امتدادات للسمات والأهداف الأساسية للعمليات الإرهابية في الموجات الأخرى. فعلى سبيل المثال فإنه في موجة الإرهاب الديني نرى بوضوح بصمات الإرهاب الإليكتروني، إذ إن الثورة التكنولوجية التي شهدها عصرنا الحالي لم يتم استخدامها في اعمال السلم والعلم النافع فحسب، بل تم استخدامها أيضًا في أعمال اجرامية تهدد مستقبل الإنسانية كلها. وكما أن موجة الإرهاب الديني  تعيش  أنشط عصورها في وقتنا الحالي فإن الموجة الإليكترونية في الإرهاب شهدت هى الأخرى تطورات كبيرة، وسارت جنبًا إلى جنب مع الإرهاب الديني وساهمت في زيادة تأثيره، وسهلت من انتشاره في ربوع العالم. وحقق الإرهاب الإليكتروني إمكانية للمنظمات الإرهابية مثل "داعش" في سوريا والعراق و"القاعدة" في أفغانستان و"بوكو حرام" في نيجيريا و"الشباب" في الصومال في تأسيس خلايا في أماكن مختلفة من ربوع العالم، كما ساعدهم في الحصول على المعلومات والتمويل وتأمين الأفراد وعمل الدعاية الضالة والمضللة التي تضع الشباب على أولوية أهدافها. ومن المتوقع أن تزيد الجماعات الإرهابية من أنشطتها الإليكترونية في المستقبل، بل يتوقع أن تلحق هذه المنظمات الضرر بالنظام العالمي كله. وكذلك توجد في موجة الإرهاب الديني انعكاسات لموجتي الإرهاب الفوضوي والعقائدي.
 ونحن في الوقت الحالي وأمام حوادث الدهس والطعن التي شهدتها القارة العجوز في الفترة الآخيرة، نرى في انتشارها بوادر لظهور موجة سادسة من موجات العنف والأعمال الإرهابية، تكاد تكون أسهلها لكنها أكبرها من حيث التأثير والنتائج. كما إننا أيضًا ونحن نتقاسم الأحزان مع الشعوب التي تعرضت لحوادث الدهس في الفترة الأخيرة لابد وأن نقف على الأسباب والخصائص المتغيرة للعمليات الإرهابية، وذلك من أجل فهم مؤثر وفعال لهذه العمليات، الشيئ الذي سيسهل علينا طرق مقاومتها ومعرفة وسائل تحجيميها.
 إن تحول الشاحنات والسيارات وسكاكين المطبخ إلى أسلحة عمليات إرهابية يبدو وكأنه أسلوبًا جديدًا في طريقه إلى التوسع والانتشار، وذلك لصعوبة توقعه على المخابرات، وصعوبة تتبعه على قوات الأمن، في مقابل سهولة تنفيذه للإرهابي؛ إذ لا تحتاج منه مثل هذه العمليات إلى تخطيط محكم ولا إلى احترافية عالية، بل غاية ما هنالك هو استخدام الفرد لسيارته أولسكينة مطبخه للقيام بعمله الإجرامي. لذلك فإن مكمن الخطورة في هذه العمليات هو تحفيز "الذئاب المنفردة" على ارتكابها. هذه الذئاب التي لا ترتبط تنظيميًا بالتنظيمات الإرهابية لكنها تشبعت بالفكر الإرهابي واقتنعت به واتخذته منهجًا، وذلك عن طريق متابعة ما تبثه هذه التنظيمات من سموم على الإنترنت، والتي سيكون لنا وقفة معها في مقال آخر إن شاء الله. 
أما من ناحية التأثير والاهداف فإن هذه العمليات بالرغم من سهولتها عن عمليات التفجير إلا أنها أكثر تأثيرًا من ناحية نشر الخوف والذعر والشك بين المواطنين، لأنها قد تكون سببًا في أن يشك الإنسان في أن كل من يقابله في الطريق يمكن أن يكون إرهابيًا، وكل سيارة أو وسيلة مواصلات يمكن أن تكون سلاحًا، وهذا بلا شك خطر عظيم على المسلمين الذين يعيشون في الغرب وخصوصًا في ظل الهجمة الإعلامية الشرسة على الإسلام والمسلمين هناك، وظاهرة "الإسلامو فوبيا" التي من أهم أسبابها جماعات الإرهاب الديني، لأن الإنسان دائمًا إذا حدث له مكروه يشك اولا في المختلف عنه، ومعظم المسلمون في الغرب مميزون سواء بملابسهم أو اللحى التي يطلقها بعضهم، أو بحجاب المرآة. ووفقًا لما قاله بعض شهود العيان فإن الذين نفذوا بعض عمليات الدهس نفذوها وهم يهتفون باسم الله. لذلك يُخشى على المسلمين الذين يعيشون في أوروبا كلها التعرض لصعوبات بالغة في حياتهم في الفترة المقبلة.
فهل كان يعلم منفذي هذه العمليات الإرهابية أن المسلمين الذين يحترمون قوانين البلاد التي يعيشون فيها والذين يتعرضون للإقصاء والتهميش والتصرفات والمعاملات العنصرية لأسباب تتعلق باللون والدين والملبس واللحية هم الذين سيدفعون ثمن عملياتهم الإجرامية؟ هل هم بذلك نفعوا الإسلام والمسلمين أم أضروهم؟ هل صدروا للعالم تسامح الإسلام أم صدروا له طرق مبتكرة في القتل والعنف؟ نعم صدروا للعالم اسلوبًا جديدًا من أساليب العنف وموجة جديدة من موجات الإرهاب، ولنا في حادثة الدهس التي وقعت أمام إحدى المساجد في العاصمة الإنجليزية وقفة في مقال آخر إن شاء الله.  
  

شارك