أزمة الحداثة والإسلام السياسي

الأحد 14/يوليه/2019 - 02:15 م
طباعة أزمة الحداثة والإسلام حسام الحداد
 
الكتاب: عودة الديني.. أزمة الحداثة والاسلام السياسي
المؤلف: حسام كصاي
الناشر: دار روافد
 
كثيرا ما أكد الباحثون في مجال علم الاجتماع والأديان على أن عودة الديني التي تتخذ أشكالاً مرضية وعنيفة، علاوة على أنها غالباً عودة ضد الدين، تعبير عن أزمة الديموقراطية الغربية وإخفاق الحضارة المادية في تحقيق ما وعدت الإنسان به. كما تعني هذه العودة في البلدان الإسلامية فشل مشروع التحديث، أو اختزال الحداثة في التحديث، فهي عودة مرتبطة بسلسلة إخفاقات، وتعبير مريض عن تلك الإخفاقات، ورد فعل أكثر منها عودة واعية، ومظاهرها التاريخية تؤكد ذلك.
وكما يقول جرامشي إنها عودة تدخل في باب تلك الأعشاب الضارة التي تنبت، بعد انهيار نظام قديم وقبل ظهور نظام جديد، فترسخ الانكفاء إلى وهم هوية وتؤبّد الهروب إلى الأمام. وتقوم هذه العودة على الأقل في سياقنا العربي بأكبر عملية سطو على الدين، مرسّخة قيم الاستبداد، ومتحالفة معه. إنها عودة تفرغ الديني من قيمه الثورية وتفرغ مفاهيمه الأساسية، المؤسسة للمسؤولية الإنسانية، من مضامينها الأخلاقية، فتفهم الاستخلاف طاعةً، والإيمان انتماء جماعياً، والتدين خروجاً سياسياً، في نوع من محو الذات وتبددها.
وصدق جورج قرم حين أكد أن عودة الديني ظاهرة سياسية ليس لها من الدين سوى الاسم، وحين يربطها بعولمة أميركية لم تتورع عن استعمال الدين واستغلاله لأغراض سياسية.
وعلى هذا النهج أو مقاربا له يتناول الكتاب  الذي بين أيدينا ظاهرتي الحداثة والإسلام السياسي وأثرهما في تحول الدين إلى ‏أيديولوجيا، وتوظيف الدين في السياسة، وتجريده من صفة القداسة، وجعله مجرد ‏ظاهرة، كما يتطرق لقضية العنف والتطرف والإرهاب المتزايدة بوتيرة كبيرة في العقود الماضية، وفي هذا السياق، يقول كصاي “تعتقد الغالبية من الكتاب والباحثين العرب وغيرهم من الأوروبيين والمستشرقين بأن الراديكالية الإسلامية ناجمة بسبب التهميش الاجتماعي وحسب، إنها وجهة نظر تحمل في طياتها نوعا من الصواب والتقدير المنطقي، لكن ليس كل الصواب أو مجمل الحقيقة، وهنا لا نقلل من شأن التهميش الاجتماعي والفقر والتغييب والجهل والتخلف والعوز والفاقة، لكن لا نعول – بالوقت ذاته – عليه كسبب وحيد وفريد”.
ويضيف “من أدلتنا في ذلك إن قادة الحركات الأصولية “الراديكالية الإسلامية” ليسوا من طبقة الفقراء والمحتاجين، بمعنى ان الأصولية الراديكالية ليست بسبب الفقر والعوز وحده، وإنما بأسباب أخرى من انفصام شخصي وسقوط اجتماعي وانهيار نفسي يحاولون تعويض ذلك النقص بركوّب موجة الدين لسبب بسيط هو إن الدين متاح ومشاع للجميع حق توظيفه للقاصي والداني الداخل والخارج، القريب والبعيد وهذه هي مشكلة الدين اليوم!، والمشكلة الأكبر إن بالوقت الذي سعت “الأصولية الراديكالية” إلى “عودة دينية” للإسلام المبكر بحلة معاصرة إلا إنها لم تقدم لنا إلا إسلاما بعباءة طائفية حزبية، إسلام يحقق مصالح النخبة المتأسلمة – التي تحمل معنى “الشيوخ المودرن” – إضافة لرعاية مصالح الغرب أكثر مما يراعي مصالح العامة والأمة”.
وينطلق كصاي في كتابه مؤكدا على أن فهم ظاهرة عودة الديني وتداعياتها في الوطن العربي يتطلب النظر للظاهرة في إطارها الأوسع والأشمل، موضحا أن هذه ليست حكرا على المشهد العربي ولا الإسلامي بل هي ظاهرة ممتدة ومنتشرة في مختلف دول العالم وتبدو كواحد من المظاهر والتجليات الأساسية لمنظومة العولمة، وفي هذا السياق يقول “موضوع العودة إلى الأصول وإحياء الدين ظاهرة عالمية، فهناك تصور متنام حول علاقة العودة الدينية بالتطورات السياسية والفكرية الطارئة والمحدثة، وأكثر من ذلك أصبح الواقع يتحدث عن علاقة وطيدة بين العولمة وتجلياتها من جانب، والعودة الدينية في البيئة العربية من جانب آخر”.
ويشير إلى أن الأزمة لا تكمن في عودة الديني، ولكن في الصورة والإطار الذي يعود من خلالها، فهناك عودة دينية هدفها إحياء قيم العدل والحرية والمساواة والدعوة لتحرير الإنسان والسعي لطرح إجابات وحلول للأزمات والأسئلة التي يواجهها المسلمون في عالمنا المعاصر مثل سؤال الهوية والديمقراطية وقيم المواطنة وعلاقة الدين بالدولة، في حين على النقيض من ذلك هناك صورة أصولية متشددة وشديدة القتامة والجهل هي من تتصدر المشهد الآن “عودة الديني اليوم هي عودة عكسية للدين، تقدم دينًا حزبيًا، دينًا هامشيًا، شيئًا أقل ما يقال عنه هو دين الطوائف والمذاهب، ومفتاح فولاذي لأبواب الحروب الأهلية والفتن الطائفية”.
ويوضح كصاي أن هذه الصورة الأصولية والمتطرفة للإسلام التي تقدمها الجماعات الإرهابية شارك في صناعتها ودعمها بشكل رئيسي العديد من الدول والأنظمة الغربية والعربية التي رغم ما يبدو من العداء المتبادل الآن بين تلك الأنظمة وهذه الجماعات إلا أن كلًا منهما يدرك أن وجوده مرتبط بالآخر “لم تكن الدوائر الغربية (الكولونيالية)، راغبة في عودة إسلام تحرري، إسلام ينبذ العنف ويدعو للتحرر من العبودية، حتى لا ينافس الحضارة الغربية على صدارة العالم، وبالتالي عملت على تشويه الإسلام بمفاهيم الفاشية والراديكالية والإسلاموفوبيا، فالإسلام المتطرف هو أحد المنتجات التي صنعتها معامل الدوائر الغربية لتصنع خصمًا وعدوا جديدا للغرب”، ويضيف كصاي “يشهد العالم العربي اليوم عودة متشددة للدين عبر توظيف إيديولوجي متشدد هدفه الوصول إلى سلطة الحكم، في مقابل أنظمة مهيمنة منذ الستينيات تحاول البقاء في السلطة من خلال استثمار عودة الإسلام المتشدد، من أجل خلق ذريعة للبقاء”.
وهنا يتناسى كصاي تلك الآراء الفقهية والفتاوى التي تؤسس لهذه الجماعات داخل التراث الإسلامي وسكوت المؤسسات الدينية أو اغفاله قراءة هذا التراث قراءة نقدية تحليلية تلك القراءة التي كلما حاول باحث التعرض لها اما يتم تكفيره او اتهامه بازدراء الاديان والأمثلة كثيرة على هذا.
ومن وجهة نظر الكاتب أن للدين دور بارز في حياة وواقع المجتمعات العربيات، ولكن هذا الدور يحتاج إعادة صياغة ورؤية جديدة تتعامل مع الواقع والمتغيرات الجديدة التي يعيشها العالم، مشيرًا إلى مجموعة من الركائز والمحاور الرئيسية التي من الضروري العمل عليها وهي أولًا إقامة علاقة سليمة بين الدين والدولة عن طريق الديمقراطية باعتبارها النظام الذي يعطي فرصة لمناقشة كافة الأفكار ويرسخ لقيم التعددية والشورى التي أكد عليها الإسلام، متناسيا ان هناك اختلاف في الاساس بين المدارس الفقهية وبالتالي المؤسسات الدينية والحركات الاسلامية على اختلاف مرجعياتها حول مفهوم الشورى ومقاربته بالديمقراطية، حيث انه يكاد يكون هناك اجماع بان الشورى في النظام السياسي الاسلامي ليس لها سلطة تنفيذ قراراتها وان مجلس الشورى ليس له قوة المجالس النيابية "الديمقراطية" في سن القوانين والزام المجتمع بها، بل هي هيئة استشارية رأيها غير ملزم لأحد.
 ثانيًا مواجهة التطرف الديني عبر بناء نموذج إسلامي تحرري قادر على تقديم صورة مغايرة تمام للصورة التي تروجها الجماعات المتطرفة والإرهابية باعتبارها المعبر عن الإسلام،  ثالثًا إنقاذ الدين من رجال الدين عبر تحرير الإسلام من محتكري الدين الذين سلبوا روحانية وقداسة الإسلام ولعبوا دور رئيسي في الوصول للوضع المأزوم الذي نعيشه.
كما بؤكد كصاي على أن إنتاج خطاب إسلامي تحرري سيكون محصلة مجهود مجتمعي كبير من خارج المسجد ومن داخله، من المفكرين والمثقفين ومن رجال الدين ومن السياسيين ومن جموع الشعب فالدين ليس حكر على فئة ولا طائفة بعينها فضلًا عن كون التغير والثورة الدينية التي يحتاجها الإسلام تتطلب مجهود ضخم ومتواصل “مثلما تفوقت أوروبا في ثورتها على اللاهوت المسيحي، فالعرب بحاجة لثورة على غرار الثورة الأوروبية، فإنقاذ العرب من براثن التعصب والتطرف لا يمكن إلا من خلال قراءة عقلانية وتنويرية لتراثهم الديني، وهذه القراءة الجديدة ليست معادية للدين في جوهره، أو روحانيته وأخلاقياته المثالية، وإنما هي معادية للتفسير المتعصب والظلامي للإسلام”.

شارك