إعلام «داعش».. طفرة جديدة في الأداء الإعلامي والإلكتروني للتنظيم

الإثنين 26/مارس/2018 - 11:09 م
طباعة إعلام «داعش».. طفرة
 
إلقاء القبض على فريق تصوير تابع لتنظيم "داعش" بمدينة عدن اليمنية، بحوزته أجهزة تصوير عالية التقنية بينها كاميرات وعدسات، وطائرات خاصة بالتصوير الجوي، أعاد إلى الأذهان كيف استطاع هذا التنظيم استغلال التكنولوجيا الاعلامية وآلياتها المتطورة في بسط نفوذه وسيطرته على فضاءات واسعة على شبكة الانترنت أكثر مما هو بكثير على الأرض، وبالتزامن مع واقعة ضبط هذه المعدات، اخترق هاكر تنظيم داعش، مساء الأحد الماضي، الموقع الإلكتروني لوكالة الصحافة الفلسطينية (صفا)، وكذلك انكشف الستار خلال الفترات الأخيرة، عن العديد من التقنيات والتكتيكات التي كان يستخدمها التنظيم وما زال في بعض البؤر التي يتواجد بها.
 وقبل الخوض في كيفية استغلال التنظيم الداعشي للثورة التكنولوجية الهائلة، وحقق من خلالها طفرة مذهلة في مسيرة الإرهاب الأسود، نعود بالتفصيل إلى سرد العديد من الوقائع وما تم الكشف عنه من خلالها، كي يتسنى فهم ودراسة مستوى الجهود التي بذلت لخلق هذا التنظيم وتحقيقه لكل هذا الخراب والدمار في العديد من بقاع العالم.

إعلام «داعش».. طفرة
استديو عالي المستوى في اليمن: 
وبداية من البيان الصادر عن أمن عدن شان واقعة ضبط موقع إعلامي للتنظيم، قال البيان إن الفريق مكون من 3 أشخاص، وإن عملية إلقاء القبض عليه، كانت بالتنسيق مع قوات التحالف العربي بقيادة السعودية، ووفق البيان فإن الأمن عثر على عبوات ناسفة بالغة الصغر وضعت بداخل عُلب خاصة بالمصوغات الذهبية ورُبطت بواسطة أسلاك خاصة بأجهزة تفجير عن بُعد، وأضاف: "كما تم العثور - بداخل الوكر الذي تتخذه خلية داعش بعدن مخبأ لتخزين الأسلحة والمتفجرات - على عدّة التصوير الذي يستخدمها الفريق لتسجيل وصايا منفذي العمليات الانتحارية بينها شعار التنظيم باللون الأسود والذي يُستخدم كخلفية ظهرت دائماً في الصور التي نشرها التنظيم لمنفذي العمليات الانتحارية"، مشيرًا إلى أن من بين المواد الخطرة التي عُثر عليها في الموقع، أحزمة ناسفة جاهزة للتفجير وأصابع ديناميت وأكياس تحوي مادة السي فور شديدة الانفجار بالإضافة إلى كميات من الأسلحة والمتفجرات بجميع أنواعها.
وأكدت شرطة أمن عدن أن هذه العملية النوعية الناجحة التي نفذتها الوحدة الأمنية الخاصة بمكافحة الإرهاب، تأتي بعد يومين من تنفيذ عملية مماثلة تم فيها القبض على قيادي بارز في التنظيم، لافتاً إلى أن القيادي اعترف "بوقوفه خلف عمليتي تفجير جولد مور والمنصورة وعمليات اغتيال طالت منتسبين لأمن عدن"، وفق البيان.
هاكرز في فلسطين: 
وفي نفس الأثناء، اخترق هاكر تنظيم داعش، مساء الأحد الماضي، الموقع الإلكتروني لوكالة الصحافة الفلسطينية (صفا)، ووجه التنظيم رسالة تهديد للوكالة وللعاملين بها، حيث وضع الهاكر صورة على واجهة الموقع كتب عليها بالغتين العربية والإنجليزية، وتضم الصورة أيضًا علم تنظيم (داعش) و صور ستة شبان موضوع عليهم علامة "الأكس" باللون الأحمر.
كما عرض الهاكر على واجهة الموقع رسالة جاء فيها: والله لنأخذن صغيركم بكبيركم, وحركم بعبدكم, فأعدلوا عما انتم عليه، وقال رئيس تحرير وكالة (صفا) ياسر أبو هين، إن حادث اختراق موقع الوكالة مفاجئ ومستنكر ومدان، واتهم الاحتلال الإسرائيلي بالوقوف وراء الفعل الذي يحاول إخماد صوت الحقيقة والإعلام الوطني الحر،  وبين أن موقع "الفيسبوك" حذف صفحة الوكالة التي تحتوي على ما يزيد عن مليون و300 ألف معجب بالإضافة لحسابات الصحفيين والناشرين عليها.
طفرة تكنولوجية: 
الوقائع السابقة تؤكد بشكل كبير حجم الطفرة التكنولوجية الحديثة، وتضاعف استخدام وسائل الاتصال الحديثة، وبدأ استغلال التنظيمات المسلحة الإرهابية، وعلى رأسها داعش، هذه الوسائل وتوظيفها لما يخدم مصالحها، فلم تعد هذه التنظيمات تعتمد على الوسائل القديمة التقليدية، في ضم العناصر وتجنيد الأعضاء، وبدأت تبتعد عن التجنيد عبر المساجد أو أشرطة الكاسيت أو الكتيبات والمطويات، التي كانت توزع على الشباب، للترويج للفكر والدعاية له، واتجهت إلى مواقع التواصل الاجتماعي، بصورة مكثفة لعرض أفكارهها المتطرفة ووعملياتها الإجرامية التي لاقت القبول عند البعض والاستحسان واستطاع من خلالها تجنيد العديد من العناصر، لاسيما في دول أوروبا، وقد نجح في ذلك إلى حد كبير، وهو ما دعا هذه المواقع مؤخرا لفرض العديد من الإجراءات على هذه المواد المحرضة على العنف، التي تبث من خلالها، وهذا ما قالته دراسة مصغرة للباحث المتخصص في شأن الحركات الاسلامية، هاني ياسين.

وفي سبيل تحقيق ذلك جعل التنظيم لديه جيشا يعمل على العالم الافتراضي يضم خبراء في التعامل مع الإنترنت، لقيام بدور الترويج والتجنيد والاستقطاب والدعاية الهجوم والدفاع في الوقت ذاته، ومن ثم يرى بعض المحللين من بينهم الباحث في شؤون الحركات الإسلامية وقضايا التطرف، إدريس الكنبوري، أن تنظيم داعش هو الابن الشرعي لمواقع التواصل الاجتماعي، وأنه وليد الثورة التكنولوجية في وسائل الاتصال.
واستطاع التنظيم القيام بعمل عدد من التطبيقات التي تناسب أجهزة الموبايل و الأجهزة الرقمية، على سبيل المثال قيامه بتطوير تطبيق تحت مسمى “فجر البشائر”، يقوم بنشر التغريدات، التي وافق عليها مدراء داعش الإعلاميون، تلقائيا على حسابات المشتركين في الخدمة.
دورات تدريبية:
وتساءل الباحث كيفية توظيف داعش الإنترنت لخدمة أفكاره، بقوله إن التنظيم  استفاد من الإنترنت في عقد دورات تدريبية شرعية، وأخرى عسكرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي على مجموعات من طلبة الجامعات، يتم استقطابهم عن طريق عناصر منتمية لتلك الجماعات مندسة وسط الطلاب، إضافةً إلى استغلال المجموعات الشبابية على فيسبوك.
وذكرت وحدة المتابعة بمرصد الإفتاء المصرية، أن التنظيمات المسلحة والمتطرفة اتخذت عدة أسماء لتلك الدورات تدور حول أسس العقيدة الإسلامية وتنمية المهارات الذاتية والشرعية، وتقوم بتحصيل مبالغ مالية من الشباب مقابل حضورهم تلك الندوات بهدف الاستعانة بتلك الحصيلة المادية في توسعة نشاطهم، ومثلت الدورات، التي يعقدها التنظيم، موضوعات تهم الشباب وتجذبه إليها فلجأوا إلي عناوين براقة تهم الشباب وتغريه مثل “شباب أحلى” و”البرمجة والتدين” و”خطط الزواج” و”نفسك يكون لحياتك لازمة” وغيرها.
الترويج والدعاية للتنظيم والتجنيد: 
كما أشار الباحث إلى الأهداف كان التي يسعى إليها داعش عبر وسائل التواصل الاجتماعي هي بث أفكاره لأكبر شريحة ممكنة من الشباب، الذين يمثلون العدد الأكبر من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أشارت آخر إحصائية لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن 64% من مستخدمي هذه الوسائل في الدول العربية من شريحة الشباب دون الثلاثين عاما.
وكان يمثل التجنيد الهدف الرئيس، الذي يسعى إليه التنظيم، عبر استخدامه لمواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا في شريحة الشباب، على اعتبار أن هذه المواقع تمثل رافداً مهمًّا لتجنيد الشباب، ووفقًا لدراسات غربية خلصت إلى أن 80% من عمليات تجنيد الشباب في صفوف الجماعات المتطرفة تتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
الدعم والتمويل والإعلام: 
من ضمن الأهداف من مواقع التواصل هو طلب الحصول على التمويل المادي، من خلال بعض رجال الأعمال الداعمين للتنظيم أو من خلال التبرعات الفردية التي تقدم بزعم مساندة العمل الإسلامي، والذي يعتبره بعض نوع من الجهاد بالمال.
جعل تنظيم “داعش” فضاء الإنترنت، تربة إعلامية خصبة، استطاع من خلالها إطلاق عشرات النوافذ الإعلامية له، تمثلت في عدد من المواقع التي أطلقها التنظيم، وأيضا المدونات والمجلات الإلكترونية ووكالات الأنباء التابعة للتنظيم والتي صارت مقصداً للعديد من المهتمين بأخبار التنظيم للبحث عنها وكذلك عبر البيانات التي تحمل توقيع الدولة الإسلامية أو إحدى الولايات التابعة لها.
الإرهاب والتخويف والتكليفات: 
يرى البعض أن الذي ساعد داعش في بداية ظهوره، هي الطريقة التي ظهر بها والتي كانت تمثل نمطا جديداً من الإرهاب، إذ عمد التنظيم إلى تصوير وتسجيل معظم حالات القتل بحق معارضيه ليبدو في مظهر القوة، والذي غر البعض واستطاع خداعه، ومع فريق من المتخصصين التابعين للتنظيم، وعبر اختيار نوعية المواد التي يقوم بنشرها لتحدث الأثر الكبير في نفوس البعض من اظهرا التنظيم بمظهر القوة والسيطرة.
يستخدم التنظيم مواقع التواصل الاجتماعي، وتطبيقات التواصل الجديدة، في تبليغ التعليمات والتوجيهات لأعضاء التنظيم، خصوصاً في المناطق البعيدة عن مركز الإدارة، كذلك الخلايا النائمة أو الذئاب المنفردة، التي يقوم التنظيم بتحريكهم وتوجهيهم بشكل غير مباشر للقيام بعمليات إرهابية، في بعض الدول التي يريد التنظيم توجيه ضرباته إليها، وإلى هنا انتهت دراسة ياسين.
أيام "الموصل الأخيرة: 
وبالعودة إلى الأيام الأخيرة للتنظيم على أرضي مدينة الموصل العراقية، اكتشف العالم اعتماد التنظيم على الطائرات بدون طيار، التي يحمّلها بالقذائف ويرميها على تجمعات القوات المعادية له في العراق، ما دفع القوات العراقية إلى اتخاذ تدابير، والتفكير في كيفية مواجهة هذه الطريقة المتنامية في هجوم التنظيم، على جهاز اللاسلكي ينطلق صوت معلناً عن وقوع إصابة جديدة جراء سقوط قذيفة مورتر أطلقها التنظيم، وحدّق شرطي عراقي من بين أوراق الأشجار في المواقع المعادية على الضفة الأخرى لنهر دجلة، وظل الشرطي محني الرأس لكي يتفادى نيران القناصة، لكن عينه كانت تراقب السماء أيضاً، ولم تكد تمضي دقائق حتى أطلق المتشددون طائرة بلا طيار حلَّقت فوق رأسه. كانت تستطلع المنطقة وألقت مادة متفجرة. ثم سقطت قذائف المورتر على مسافة قريبة فانطلق الشرطي يعدو بحثاً عن منطقة آمنة.
ويستخدم تنظيم "داعش" منظومات إشارة واستطلاع متطورة في حربه بمدينتي دير الزور والميادين، نظرا لرغبته الشديدة بالحفاظ على مواقعه العسكرية في تلك المنطقة، التي تعد أهم المواقع في سوريا لعدد من الأسباب، ليس التواجد الكثيف لآبار النفط والغاز أبرزها، بل هناك أهمية لوجستية مرتبطة بمناطق تواجد التنظيم في العراق الذي تجمعه بسوريا حدود مشتركة، إضافة لكون دير الزور والميادين تقعان على أغنى الأراضي الزراعية في المنطقة وأكثرها ثروة حيوانية وهذا يدفع عائلات المسلحين للاستقرار الدائم.
وتمكنت وحدات الجيش السوري العاملة في الميادين من ضبط منظومات متنوعة  يمتلكها تنظيم "داعش"، بعضها مختص بالإشارة والاتصال العسكري كشبكات تواصل سلكية وأخرى لاسلكية ومحطات بث فضائي عالية التقدم ومعظمها صناعة غربية، فيما تعكس الأنظمة الاستطلاعية المصادرة رغبة التنظيم في الحفاظ على كامل جغرافيا المنطقة والسعي لمنع اختراقها عبر إحضاره لمئات الطائرات المسيرة بعضها كبيرة الحجم وقادرة على تنفيذ مهام قتالية، كذلك الآلاف من المناظير الليلية والنهارية وأخرى حرارية دقيقة التأثير.
وكشفت تقارير أن عناصر داعش الفارين من سوريا تركوا ورائهم كميات هائلة من التسجيلات والوثائق الاستخباراتية، تثبت احتفاظ داعش بسجلات دقيقة تتضمن المسائل المالية والتوجيهات والأوامر الميدانية والإدارية التي تحمل ختما رسميا للتنظيم، وعلى مدى السنوات الماضية، استولى التحالف الدولي على كمية ضحمة من البيانات المخزنة على أجهزة الحاسوب الخاصة بداعش وأماكن مخصصة للتخزين في شمالي سوريا، 

شارك