«الحُدَيْدَة» بوابة انحسار «الحوثيين» ومفتاح تحرير صنعاء
تتواتر حاليًّا الأنباء عن تقدم قوات المقاومة اليمنية، بقيادة قائد
قوات الحرس الجمهوري «طارق صالح» ابن شقيق الرئيس الراحل علي عبدالله صالح،
و«ألوية العمالقة» و«المقاومة التهامية» في مدينة «الحديدة» الساحلية واقترابها
الوشيك من تحرير مطار المدينة، وذلك بفضل دعم جوي وعسكري من قبل قوات التحالف
العربي.
ويعد التقدم الأخير تطورًا نوعيًّا كبيرًا في
الحرب اليمنية المستمرة منذ انقلاب «الحوثي» في سبتمبر 2014، وبدء عملية «عاصفة
الحزم» في مارس 2015؛ ما يفتح الباب أمام تحرير باقي المدن اليمنية، خاصة العاصمة
«صنعاء».
ُثالثًا: دلالات وتبعات التقدم في «الحديدة»
يحمل تقدم قوات المقاومة اليمنية بقيادة «طارق صالح» العديد من
الدلالات والتبعات التي من شأنها التأثير على مستقبل جماعة الحوثي سياسيًّا،
وأيضًا التأثير على تطور الأزمة اليمنية، وأخيرًا التأثير على توازن القوي في
المنطقة.
أ. تبعات تحرير «الحديدة» المرتقب على مستقبل الحوثي: من المحتمل أن
يكون لتحرير «الحُدَيْدَة» المرتقب العديد من الدلالات والتبعات حول مستقبل جماعة
الحوثي في اليمن، فتحرير المدينة يعد ضربة معنوية كبرى للتنظيم سيحمل المزيد من
الآثار السلبية، من أهمها بروز الخلافات الحوثية- الحوثية إلى السطح، التي بدأت
تتنامى بعد مقتل الصَّمَّاد في أبريل 2014.
ونظرًا لما تمثله المدينة من نقطة التواصل الوحيدة مع العالم
الخارجي، خاصة إيران، فإنه لو حُررت المدينة فإن ذلك يعني الانقطاع الكامل بين
الحوثي وإيران، خاصةً في ظل وجود حظر جوي عربي في اليمن، وهو ما يعني أمرين؛
أولهما إنهاء التهديدات الحوثية المتكررة للملاحة في البحر الأحمر، وثانيًا دفع
التنظيم إلى التقوقع مرة أخرى في كهوف صعدة شمال اليمن والعودة إلى وضع ما قبل
سبتمبر 2014.
ب. تبعات ودلالات تحرير «الحُدَيْدَة» المرتقب على مستقبل الأزمة
اليمنية: سيحمل تحرير «الحديدة» المرتقب العديد من التبعات والدلالات الميدانية
والسياسية التي ستؤثر على مستقبل الأزمة اليمنية، فميدانيًّا ستستعيد الشرعية
اليمنية الساحل الغربي بالكامل؛ لما يمثله من أهمية قصوى لجميع الأطراف، ومن
المؤكد أن تحرير المدينة سيؤدي في النهاية إلى انهيار الجبهة الغربية لميليشيات
الحوثي، ومن ثم فك الحصار عن مدينة «تعز»، وتحرير الأجزاء التي يسيطر عليها تنظيم
الحوثي، ومن ثم يصبح الطريق خاليًا لتحرير العاصمة صنعاء، وطرد الميليشيات الحوثية
منها، أما سياسيًّا فمن المرجح أن ترضخ جماعة الحوثي للحلول الدولية الرامية إلى
حل الأزمة اليمنية، أملًا في الاحتفاظ ببعض المكاسب السياسية؛ ما يفسر محاولات
رئيس الوفد التفاوضي التابع للحركة «محمد عبدالسلام» في هذه الآونة تقديم بعض
الحلول السياسية؛ أملًا في تعطيل تقدم قوات المقاومة اليمنية.
ولعل أهم التبعات إعادة تشكيل خريطة الصراعات اليمنية من جديد، فدحر
«الحوثي» يلازمه صعود «سلفي»، فدورة عجلة التاريخ سريعة للغاية، ففي عام 2011 عانى
سلفيو دماج من حصار تنظيم الحوثي لهم؛ ما أدى إلى ترحليهم، والآن يتقدم «طارق
صالح» مصحوبًا بكتائب «أبي العباس» السلفية نحو طرد تنظيم الحوثي من الساحل
الغربي، وفرض حصار على ما تبقى من تمركزات الحوثي.
خريطة الصراعات اليمنية القادمة ستشمل موقف قوى عديدة، أبرزها
الإخوان المسلمون، وحزبهم «التجمع اليمني للإصلاح»، بقيادة علي محسن الأحمر، فموقف
الجماعة طوال الحرب كان غامضًا ومتواريًا إلى الوراء قليلًا، لكن مستقبلًا بعد
الحرب وصعود قوى التيار السلفي اليمني سيدفع «التجمع» إلى البحث عن تموضع جديد في
خريطة الصراعات اليمنية؛ أملًا في عدم القضاء عليه، واستمراره في معادلة الحكم
والسلطة في اليمن، وهو ما قد يواجَه بمعارضة سلفية قوية.
في الساعات القليلة الماضية بدأ يتكشف عن ملامح صراع سياسي جديد في
اليمن، طرفاه «طارق صالح» والرئيس «عبدربه منصور هادي»، فالنجاحات المتلاحقة
لـ«طارق» تسببت في حرج شديد للرئيس «هادي»، فخلال 3 شهور نجح «طارق» في الاقتراب
من تحرير الساحل الغربي، أما الرئيس هادي فطوال السنوات الثلاث الماضية فشل في
تحقيق المزيد من التقدم الميداني؛ الأمر الذي أظهر «طارق صالح» بصورة رجل اليمن
القوي والزعيم المرتقب للدولة اليمنية؛ ما دفع الرئيس «هادي» إلى تدارك الوضع،
واستبدال بعض القيادات العسكرية المتراخية، مثل قادة العمليات في «نهم» و«صرواح»؛
أملًا في تحقيق بعض المكاسب العسكرية لموازنة نفوذ «طارق صالح» المتنامي في صفوف
الجيش اليمني.
ج. تبعات ودلالات تحرير «الحديدة» المرتقب على توازنات القوى في
المنطقة: يحمل تحرير الحديدة المرتقب العديد من التداعيات على مستقبل منطقة الشرق
الأوسط، من أهمها على الإطلاق تقليم أظافر إيران في المنطقة بعد تحجيم نفوذ
ميليشيا الحوثي، وإبعادها عن منطقة البحر الأحمر، فضلًا عن تأمين البعد الجيوسياسي
السعودي الذي طالما هددته إيران، من خلال خلق مَوَاطن للتوتر على الحدود اليمنية
السعودية، وإطلاق الصواريخ الباليستية في العمق السعودي، ويمكن اعتبار تحرير
المدينة المرتقب علامةً على نجاح التحالف العربي؛ لإعادة الشرعية في اليمن، وهو ما
يعد أول عمل عربي مشترك نجح في تحقيق أغراضه.
وأخيرًا توشك الأزمة
اليمنية على انتهاء أحد فصولها المتعرجة، المتمثلة في صعود وانحسار تنظيم الحوثي؛
لتبدأ فصول جديدة من الصراعات اليمنية في المستقبل، من المرجح أن يكون أبطالها
تنظيمات الإسلام الحركي؛ حيث كشفت الأحداث اليمنية الأخيرة تصاعد المكون السلفي،
وعدم رضاء البعض عن توجهات «التجمع اليمني للإصلاح» المحسوب على الإخوان.
