لبنان في مهب العاصفة: يوم دامٍ في بيروت والجنوب مع دخول التصعيد مرحلة "الأرض المحروقة"
الإثنين 06/أبريل/2026 - 10:04 ص
طباعة
حسام الحداد
شهدت الجبهة اللبنانية في الخامس من أبريل 2026 أحد أعنف فصول التصعيد العسكري منذ انزلاق البلاد إلى أتون المواجهة الشاملة في مارس الماضي، حيث شنت الطائرات الإسرائيلية سلسلة غارات متزامنة استهدفت العمق اللبناني والمناطق الحدودية دون سابق إنذار. ولم تقتصر هذه الهجمات على الأهداف العسكرية، بل طالت أحياءً سكنية مكتظة في ضواحي بيروت وجنوبها، مما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح، وسط حالة من الذهول الشعبي جراء استهداف مناطق إيواء النازحين والمنشآت القريبة من المراكز الصحية الحيوية، كمستشفى رفيق الحريري الجامعي، في مؤشر واضح على اتساع رقعة "المناطق المحرمة" وتصاعد الكلفة الإنسانية للصراع.
يأتي هذا التصعيد الميداني كجزء من استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى فرض واقع أمني جديد على طول الخط الأزرق، عبر محاكاة نموذج "الأرض المحروقة" لإقامة منطقة عازلة، وهو ما أكدته تصريحات القيادة العسكرية الإسرائيلية خلال زياراتها الميدانية لجنوب لبنان. ومع تجاوز حصيلة القتلى في الجانب اللبناني حاجز الـ 1400 شخص، وانضمام حزب الله رسمياً للصراع كظهير للجبهة الإيرانية، تحول لبنان إلى الساحة الأكثر اشتعالاً وتضرراً ضمن المواجهة الإقليمية الكبرى، في ظل انسداد كامل للأفق السياسي وتزايد المؤشرات على استمرار العمليات البرية والجوية لفترة غير محددة.
غارات إسرائيلية جديدة أمس وهو أحد أعنف الأيام منذ بدء التصعيد في مارس:
غارات إسرائيلية جديدة أمس (5 أبريل/الأحد) أسفرت عن مقتل 11-15 شخصاً على الأقل، وهو أحد أعنف الأيام منذ بدء التصعيد في مارس. وفقاً لتقارير رويترز، استهدفت الغارات الإسرائيلية عدة مناطق لبنانية بشكل متزامن، مما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وعسكريين، وسط تصعيد مستمر يأتي ضمن الجبهة اللبنانية للحرب الأوسع. أكدت التقارير أن هذا اليوم شهد أعلى حصيلة قتلى في الأسابيع الأخيرة، مع تركيز الضربات على أحياء سكنية ومناطق نازحين، دون الإعلان المسبق عن معظم الغارات.
استهدفت الغارات أحياء في جنوب بيروت، وخصوصاً حي الجناح، حيث قُتل 4-5 أشخاص وأُصيب عشرات آخرون (حوالي 39-52 جريحاً حسب التقارير الميدانية). وذكرت فرانس 24 أن إحدى الغارات أصابت مبنى سكنياً قرب مستشفى رفيق الحريري الجامعي مباشرة، مما أثار حالة من الفوضى داخل المستشفى وأدى إلى إصابة مرضى وطاقم طبي بالذعر الشديد. كما أشارت التقارير إلى أن الغارات شملت مناطق أخرى في محيط العاصمة، مع تدمير جزئي لمبانٍ سكنية وإلحاق أضرار مادية كبيرة بالبنية التحتية المحلية.
كما طالت الغارات بلدة كفرحاتا في جنوب لبنان، حيث أصيب 7 أشخاص بينهم طفلة تبلغ من العمر 4 سنوات وأفراد من عائلة نازحة. وفي عين سعادة شرق بيروت، أفادت مصادر الجارديان بمقتل 3 أشخاص آخرين جراء غارة منفصلة، بالإضافة إلى مقتل جندي لبناني في إحدى الغارات الجنوبية. أكدت هذه التقارير أن الضربات تركزت على مناطق تضم نازحين من الجنوب، مما زاد من حدة الخسائر المدنية وأثار مخاوف من توسع دائرة النزوح.
وصف سكان محليون الغارات بأنها نفذت "دون إنذار"، مع تدمير منازل كاملة وإصابة مرضى بالذعر داخل المستشفيات. وفقاً لما نقلته رويترز وفرانس 24 والجارديان معاً، أعرب الأهالي عن صدمتهم من سرعة الضربات وغياب أي تحذير مسبق، مما أدى إلى حالات هلع جماعي وصعوبة في إجلاء الجرحى. يأتي ذلك وسط تحذيرات دولية متكررة من تفاقم الوضع الإنساني في لبنان.
الجيش الإسرائيلي يتعهد بتكثيف الضربات:
الجيش الإسرائيلي يتعهد بتكثيف الضربات في جنوب لبنان. وفقاً لتقارير الجارديان، زار قائد الجيش الإسرائيلي اللواء إيال زامير قواته المتمركزة في جنوب لبنان أمس (5 أبريل)، في خطوة تهدف إلى رفع معنويات الجنود وتعزيز التنسيق الميداني وسط التصعيد المستمر. أعلن زامير خلال الزيارة عزمه على تكثيف الهجمات بشكل كبير، مشدداً على أن الجيش سيواصل استهداف "البنية التحتية لحزب الله" بكل الوسائل المتاحة، ووصف العمليات الجارية بأنها "ضرورية لتأمين الحدود الشمالية لإسرائيل".
وأكد اللواء زامير أن التكثيف سيطال كل الأهداف المرتبطة بحزب الله، سواء كانت عسكرية أو لوجستية. ونقلت الجارديان عنه تصريحات مباشرة أمام القوات، حيث أشار إلى أن الضربات الجوية والبرية ستزداد وتيرتها في الأيام المقبلة، مع التركيز على تدمير الأنفاق والمخازن والمواقع التي يستخدمها الحزب. جاءت هذه التصريحات بعد يوم من الغارات الأعنف التي شهدها لبنان مؤخراً، مما يعكس تحولاً في الاستراتيجية الإسرائيلية نحو مرحلة أكثر شدة في الجبهة الجنوبية.
يأتي هذا التعهد ضمن عملية برية مستمرة ينفذها الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية منذ أسابيع. وأوضحت الجارديان أن القوات الإسرائيلية تقوم حالياً بعمليات تمشيط واسعة النطاق في عدة قرى جنوبية، بهدف السيطرة التدريجية على مناطق استراتيجية. تشمل العملية إقامة نقاط عسكرية متقدمة وتوسيع نطاق التوغل البري، مع الاعتماد على دعم جوي مكثف لتقليل الخسائر في صفوف الجنود الإسرائيليين.
ويهدف الجيش الإسرائيلي من خلال هذه العملية إلى إقامة "منطقة أمنية" واسعة على طول الحدود اللبنانية. بحسب ما ذكرته الغارديان ، تشمل هذه المنطقة تدمير منازل ومبانٍ سكنية تقع بالقرب من الخط الأزرق، على غرار النموذج الذي طبقته إسرائيل سابقاً في قطاع غزة. يرى مراقبون أن الهدف الرئيسي هو منع أي تواجد عسكري لحزب الله في المنطقة الحدودية، مع ما يترتب على ذلك من آثار إنسانية كبيرة على السكان المحليين والنازحين.
الخسائر الإجمالية منذ بدء التصعيد (2 مارس 2026) بعد انضمام حزب الله إلى الحرب دعماً لإيران:
الخسائر الإجمالية منذ بدء التصعيد (2 مارس 2026) بعد انضمام حزب الله إلى الحرب دعماً لإيران. وفقاً لتقارير أسوشيتد برس، تجاوزت الخسائر اللبنانية حاجز الألف وأربعمائة قتيل منذ اندلاع التصعيد في 2 مارس، وذلك بعد دخول حزب الله الرسمي في الصراع لدعم إيران. تشمل هذه الأرقام ضحايا مدنيين وعسكريين، وتُعد الأعلى منذ بداية الأزمة، مع استمرار الغارات والعمليات البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان ومحيط بيروت.
أكثر من 1400 قتيل لبناني، بينهم 126 طفلاً على الأقل. أشارت أسوشيتد برس (إلى أن نسبة كبيرة من الضحايا هم من المدنيين، خاصة في المناطق الجنوبية والضواحي الشرقية لبيروت، حيث أدت الغارات المتكررة إلى سقوط أطفال ونساء وأفراد عائلات نازحة. يعكس هذا الرقم المأساوي مدى التأثير الإنساني الشديد للعمليات العسكرية، وسط تحذيرات متكررة من منظمات إغاثية دولية حول تفاقم الوضع الصحي والنفسي للسكان.
الجيش الإسرائيلي يقول إنه قتل أكثر من 1000 من عناصر حزب الله، بينما قتل 11 جندياً إسرائيلياً على الأقل في الجنوب. نقلت أسوشيتد برس عن المتحدثين العسكريين الإسرائيليين أن الجيش نجح في استهداف أكثر من ألف مقاتل من حزب الله خلال العمليات الجوية والبرية، معتبراً ذلك إنجازاً استراتيجياً. في المقابل، أقر الجانب الإسرائيلي بمقتل 11 جندياً على الأقل جراء الاشتباكات والصواريخ في الجبهة الجنوبية، مما يبرز استمرار الخسائر المتبادلة رغم التفوق الجوي الإسرائيلي.
لبنان يشهد نزوحاً غير مسبوق، مع أوامر إخلاء تغطي نحو 15% من أراضيه. وفقاً لرويترز، تجاوز عدد النازحين المليون شخص، أي ما يقارب خُمس سكان لبنان، في أكبر موجة نزوح تشهدها البلاد منذ عقود. أصدر الجيش اللبناني والسلطات المحلية أوامر إخلاء إلزامية شملت مناطق واسعة في الجنوب والضواحي، مما أدى إلى اكتظاظ مراكز الإيواء وتفاقم الأزمة الإنسانية في ظل نقص حاد في المساعدات والموارد.
الجبهة اللبنانية ضمن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران:
السياق الأوسع: الجبهة اللبنانية ضمن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. وفقاً لتقارير أسوشيتد برس، اندلعت الحرب الأساسية في 28 فبراير 2026 بضربات مشتركة أمريكية-إسرائيلية مكثفة على أهداف إيرانية استراتيجية، شملت مراكز قيادة ومنشآت عسكرية. جاء ذلك كرد فعل على تصعيد إيراني سابق، مما أدى إلى تحول الصراع إلى حرب مفتوحة متعددة الجبهات. أعلن حزب الله، المدعوم من إيران، انضمامه الرسمي إلى القتال في 2 مارس بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل، معتبراً ذلك دعماً مباشراً لطهران في مواجهة الضربات الأمريكية-الإسرائيلية.
ردت إسرائيل بسرعة وبقوة على تدخل حزب الله، من خلال غزو بري واسع النطاق في جنوب لبنان مصحوب بغارات جوية مكثفة. أشارت أسوشيتد برس إلى أن العمليات الإسرائيلية شملت توغلات برية لإقامة منطقة أمنية عازلة، بالإضافة إلى قصف جوي طال مناطق في بيروت الجنوبية والبقاع. أدى ذلك إلى توسع الجبهة اللبنانية بشكل دراماتيكي، حيث أصبحت امتداداً مباشراً للصراع الرئيسي مع إيران، مع استمرار الاشتباكات اليومية بين القوات الإسرائيلية وحزب الله.
اليوم (6 أبريل) تركز الأخبار الدولية بشكل أساسي على الضربات الإيرانية المضادة والتطورات المتعلقة بموعد ترامب النهائي بشأن مضيق هرمز. وفقاً لتقارير أسوشيتد برس ، يتابع العالم الآن الردود الإيرانية على الضربات الأمريكية-الإسرائيلية، إلى جانب الإنذار النهائي الذي أصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران بشأن إعادة فتح المضيق الحيوي للتجارة العالمية. رغم ذلك، يظل الوضع في لبنان حاضراً بقوة كواحد من أخطر التداعيات الإقليمية للحرب الأوسع.
ومع ذلك، تستمر الجبهة اللبنانية كـ"التداعيات الأخطر" للحرب، حيث أعلن حزب الله إطلاق صاروخ كروز على سفينة حربية إسرائيلية أمس. أفادت فرانس 24 بأن الحزب أكد استهداف سفينة إسرائيلية على بعد حوالي 68 ميلاً بحرياً قبالة الساحل اللبناني، مدعياً أنها كانت تستعد لشن هجمات على الأراضي اللبنانية. نفت إسرائيل معرفتها بالحادث تماماً، مما يعكس استمرار التوتر العسكري في هذه الجبهة رغم تركيز الاهتمام الدولي على الجبهة الإيرانية الرئيسية.
تطورات أخرى:
تطورات أخرى في الجبهة اللبنانية. وفقاً لتقارير فرانس 24 ، أغلقت سوريا معبر المصنع الحدودي الرئيسي مع لبنان بشكل مؤقت، وذلك بعد تهديد إسرائيلي مباشر باستهدافه. جاء القرار السوري كرد فعل فوري على اتهامات إسرائيلية بأن المعبر يُستخدم لأغراض عسكرية، خاصة في نقل أسلحة أو تعزيزات لحزب الله. أدى الإغلاق إلى تعطيل حركة النقل والمساعدات بين البلدين، مما زاد من صعوبة الوضع الإنساني للنازحين اللبنانيين الذين يعتمدون على هذا الطريق الرئيسي.
وأوضحت فرانس 24 أن التهديد الإسرائيلي جاء ضمن سياسة الضغط على الدول المجاورة للبنان. أكدت دمشق أن الإغلاق مؤقت وسيتم إعادة فتحه فور انتهاء التهديدات، لكن الخطوة أثارت مخاوف من توسع الصراع إلى الحدود السورية-اللبنانية. يُعد معبر المصنع شريان حيوي للتجارة والمساعدات الإنسانية، وإغلاقه يعني عزل لبنان جزئياً عن الإمدادات الخارجية في وقت يعاني فيه من نزوح جماعي غير مسبوق.
من جانبه، أعرب رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام عن تشاؤمه الشديد حيال الوضع. نقلت فرانس 24 تصريحاته التي قال فيها إن "لا نهاية في الأفق" للحرب، مشدداً على أن التصعيد الإسرائيلي المستمر يجعل أي حل سياسي بعيد المنال في الوقت الحالي. دعا سلام إلى بدء مفاوضات عاجلة تهدف إلى إنقاذ المنازل غير المدمرة بعد، معتبراً ذلك أولوية وطنية للحفاظ على ما تبقى من البنية التحتية والسكانية في لبنان.
في سياق متصل، جددت الولايات المتحدة تحذيرها لمواطنيها بالمغادرة الفورية من لبنان. أفادت بي بي سي بأن وزارة الخارجية الأمريكية أصدرت بياناً جديداً يصف الوضع في لبنان بأنه "متقلب للغاية" ويحمل مخاطر أمنية عالية بسبب استمرار الغارات والعمليات العسكرية. شددت التحذيرات على ضرورة الابتعاد عن جميع المناطق الحدودية والعاصمة، مع التأكيد على أن الوضع قد يتدهور بسرعة في أي لحظة.
خاتمة :
تتجه الجبهة اللبنانية نحو مزيد من الغموض والتعقيد، حيث تتشابك العمليات الميدانية مع الضغوط السياسية والاقتصادية الخانقة، لا سيما بعد إغلاق الشرايين الحدودية مع سوريا وتصاعد التحذيرات الدولية من كارثة إنسانية غير مسبوقة. وبينما ينصب الاهتمام العالمي على "الموعد النهائي" الذي وضعه ترامب بشأن الممرات المائية الدولية، يظل الداخل اللبناني يواجه منفرداً تبعات النزوح المليوني والدمار الهيكلي، في وقت تبدو فيه دعوات الحكومة اللبنانية للتفاوض "لإنقاذ ما لم يُدمر بعد" صرخة في وادٍ سحيق أمام إصرار الأطراف المتحاربة على حسم المواجهة بالخيار العسكري، مما يضع مستقبل البلاد على المحك في ظل حرب إقليمية لم تعد تعترف بالحدود التقليدية للنزاع.
