«الزكاة».. التائهة بين السلفيين والأزهر

الأربعاء 13/يونيو/2018 - 02:58 م
طباعة هناء قنديل
 
ما بين عام وآخر، ينتظر محمد البائع المتجول، الذي يعتمد على عمله اليومي لكسب ما يسد رمق أسرته المكونة من 5 أفراد بخلاف زوجته، حلول عيد الفطر المبارك؛ للحصول على زكاة أهل الخير، الذين يخرجونها شعيرًا وقمحًا وأرزًا، يحمل ما تَحصَّلَ عليه من زكاة، ويمضي وهو يتساءل كيف يستفيد منها؟ أيبيعها لينفق ثمنها في العيد؟ أم يأكلها راضيًّا بما قسم الله له.

وحال الرجل هو حال الكثير ممن تجوز عليهم زكاة الفطر في رمضان، والذين قدر لهم أن يكون ما يتحصلون عليه موضوع خلاف متجدد بين الأزهر والسلفيين كل عيد، وما بين النقود والطعام يستعد البسطاء، ورقيقو الحال، لاستقبال زكاة الفطر أيًّا كانت، وكيفما اتفق الفقهاء وأهل الرأي. 

هذه النماذج المتباينة من الأسر التي تحظى بزكاة الفطر نقودًا، وغيرها ممن حصل عليها حبوبًا، وتعاني في بيعها، لتحويلها إلى نقود، تضع القائلين بوجوب إخراجها حبوبًا، ولا شيء غير ذلك، أمام مسؤولية كبرى لحل تلك المشكلة للأسر التي تتلقى زكاتها وفق هذا الرأي، والإجابة عن سؤال حول كيفية تحقيق الاستفادة المرجوة من هذه العبادة المقصود بها أصلًا التخفيف عن الفقراء والمحتاجين!

«الزكاة».. التائهة
أزمة السلفيين
وما إن أعلن مجمع البحوث الإسلامية عن القيمة المفروضة لزكاة الفطر هذا العام، وهي 13 جنيهًا، حتى تفجر الخلاف السنوي بين الأزهر الشريف، والسلفيين، الذين يصرون على عدم جواز إخراج هذه الزكاة نقودًا، ووجوب إخراجها حبوبًا، وفق ما أفتى به عدد من شيوخ هذا التيار المتشدد.

في المقابل مازال علماء الأزهر الشريف، ومن ورائهم فقهاء دار الإفتاء، يؤكدون جواز إخراج هذه الزكاة نقودًا، بل ويرون أن إخراجها في شكل أموال أكثر فائدة للفقراء، في ضوء التطورات الاقتصادية والاجتماعية الحالية.

ولعل استمرار هذا الخلاف، الذي تحوَّل إلى أزمة موسمية، تتفجر بنهاية شهر رمضان من كل عام، دون أن يتم حسمها حتى الآن، يستدعي النظر فيما يقوله التاريخ الإسلامي، حول هذه الزكاة، وهل سبق أن استعيض عن الحبوب بالنقود، على مدار القرون الأولى للدولة الإسلامية؟ وكذلك متى تفجر هذا الخلاف لأول مرة؟ وهل هناك أقوال للفقهاء الكبار تكفي لحسم تلك المسألة بشكل قاطع؟

«الزكاة».. التائهة
قاعدة ذهبية
وضع فقهاء الإسلام قاعدة ذهبية لحل الخلافات المتعلقة بالأحكام والمعاملات، التي لم يرد فيها نص قاطع بالقرآن أو السنة، وتقول: «الخروج من الخلاف مستحب، فإن اضطررت فقلّد من أجاز».

ومفاد هذه القاعدة، أنه إذا تمكن الإنسان من الابتعاد عن القضية المختلف عليها فهذا الأفضل، لكنه إذ وجد نفسه مضطرًا؛ فإن له أن يقلد من أجاز الفعل، فإن كان الذي أجاز من أهل الاجتهاد فلا غضاضة في ذلك؛ لأن من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر.

أما إن كان من أجاز ليس من أهل الاجتهاد، فيتحمل الإثم وحده؛ لأنه تصدى للفتوى دون علم، وسيكون جسرًا يعبر عليه الناس إلى الجنة ثم يُرمى به في النار.

تطبيق هذه القاعدة على الخلاف المتعلق بقضية زكاة الفطر، يحسم الخلاف نهائيًّا، إذ إنه من كان قادرًا على إخراج الحبوب، دون أن يجد مشقة، أو يضر بالفقير الذي سيتلقى هذه الزكاة، فإن له أن يفعل، أما إن كان المزكي لا يجد الحبوب، أو يعلم أن الفقير الذي سيتلقاها منه، لن يستفيد منها، فإن له أن يقلد من أجاز إخراجها نقودًا، دون أن يكون هناك إلزام عليه بإتيان فعل دون الآخر.

«الزكاة».. التائهة
علّة الزكاة
الكثير من العلماء يرون أن إخراج الزكاة نقودًا هو الأولى في هذه الأيام، مادام هناك من العلماء من أباح ذلك، وهذا رأي الحنفية، فالفقراء الذين يصر المزكون على منحهم حبوبًا كالأرز وغيره، يلجؤون إلى بيعها للحصول على المال اللازم لتوفير حاجاتهم الضرورية، وتحقيق الاستفادة المرجوة من هذه الزكاة.

وبالنظر إلى علة تشريع هذه الزكاة، وهو إعانة الفقراء على مواجهة أعباء الحياة، وإدخال السرور عليهم في العيد؛ يستوجب أن تكون الزكاة مما ينفع الفقير، ولا شك أن أكثر ما ينفع الفقير هذه الأيام هو النقود، وليس الحبوب، كما أن تجاهل الواقع الذي يعيشه الفقراء هذه الأيام، يُعدُّ انفصالًا عن المقصد الشرعي من هذه الفريضة، وانحرافًا ينزل الأحكام في غير موضعها؛ حيث إن حاجة الفقراء تغيرت عما كانت عليه في العصور الأولى للدولة الإسلامية.

«الزكاة».. التائهة
رأي الأزهر
يرى مجمع البحوث الإسلامية، التابع للأزهر الشريف، جواز إخراج قيمة زكاة الفطر، التي تقدر في الأساس بصاع من غالب قوت البلد، وهو في مصر القمح والدقيق؛ وذلك تيسيرًا على المزكي، ومتلقي الزكاة، وسدًّا للحاجات باعتبار الشخص أكثر دراية باحتياجاته.

أما عن توقيت إخراج الزكاة فأوضح المجمع، أنه يجوز إخراج زكاة الفطر في أثناء شهر رمضان، كما أنه يستحب أيضًا إخراجها قبل صلاة العيد، ويكره تأخيرها لما بعدها. 

يصر شيوخ السلفية على القول بأن: «زكاة المال تكون نقدًا، وزكاة الفطر تكون من الطعام، مستندين بظاهر الحديث -لا روحه ومعناه- أن النبي صلى الله عليه وسلم، أخرج زكاة الفطر طعامًا، وكذلك فعل الصحابة والسلف، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، وفي الحديث فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، زكاة الفطر صاعًا من طعام، وفق ما رواه البخاري ومسلم». 

«الزكاة».. التائهة
ماذا يقول التاريخ؟
اعتمد الإسلام على نظام الزكاة؛ لإحداث التوازن بين الفقراء والأغنياء، واضعًا مبادئ ونسبًا للتطبيق، تكفل بسهولة ويسر توفير حق الفقير في مال الغني، من دون أن يشعر الأخير بتأثير ذلك على ثروته.

ويتفق العلماء على أن استقرار نظام الزكاة، وتطبيقه بحذافيره؛ كفيل بالقضاء على الفقر داخل المجتمع الإسلامي؛ لأن التكافل الاجتماعي في الإسلام يعتمد على بناء فكري متكامل له أساسه العقائدي والأخلاقي.

ويستمد التكافل الاجتماعي في الإسلام أساسه من مبدأ شرعي، هو الولاية المتبادلة بين المؤمنين في المجتمع، إذ يقول الله تعالى: «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيرحمهم الله إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (آية: ٧١ سورة: التوبة). 

«الزكاة».. التائهة
التنظيم التاريخي للزكاة في الإسـلام
فرضت الزكاة العامة على المسلمين في السنة الثانية للهجرة، بعد فرض الصيام؛ الأمر الذي يوضح أن زكاة الفطر سبقت باقي أنواع الزكاة العامة.

وعندما بدأ المسلمون ترسيخ أركان دولتهم، زادت الحاجة إلى تنظيم إداري للزكاة، وهو ما تم عبر تأسيس بيت المال في عهد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.

وكان بيت المال موجودًا فعليًّا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- لكن تنظيمه كان فرديًّا، وفي عهد أبوبكر الصديق كان لبيت المال حضور أيضًا، خاصة بعد استتباب الأمر عقب وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وانتهاء حروب الردة التي خاضها الصديق، ضد من منعوا الزكاة، وارتدوا عن الإسلام؛ بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- أما في عهد عمر، فتم تنظيمه مؤسسيًّا، ووضع عمال وموظفين به.

وكانت الحاجة لبيت مال يعمل بنظام مؤسسي، ظهرت واضحة في عهد الصديق، بعد أن كثرت الزكاة والغنائم وسائر الموارد المالية، ما استدعى ضبط مصارفها بنظام دفتري محكم، وهو ما أقدم عليه الفاروق عمر بن الخطاب فور توليه الخلافة، فوظف جامعي الزكاة، وطوَّر الأنماط الإدارية.

واستمر الخليفة عثمان بن عفان على نهج الفاروق في إدارة أموال الزكاة، لكن بعد وفاة عثمان وقعت خلافات فقهية أدت إلى انخفاض موارد الزكاة التي ترسل إلى الخلافة، وبعد قيام دولة بني أمية اشتد الخلاف، ورفض الناس أداء الزكاة للولاة، إلى أن عادت تدفق بقوة فور تولي عمر بن عبدالعزيز سدة الحكم.

وفي العصر العباسي زادت رقعة الدولة، وعظمت قيمة ضريبة الأرض الزراعية، «الخراج»، فقلَّ الاهتمام بتنظيم الزكاة، وقلَّ أيضًا الاعتماد عليها كمورد من موارد الدولة، واستمر تدهور وضع الزكاة في عهد الدولة الأندلسية التي ورثت العصر العباسي، وبعدها الدولة الفاطمية، وكذلك الأمر في عهد العثمانيين.

البداية بالدولة الأموية
ويقول الدكتور ناجي هدهود، أستاذ الحضارة بمعهد البحوث والدراسات الآسيوية، بجامعة الزقازيق، في توضيح لـ«المرجع»: إن الدولة الأموية، مثلت أول دولة نظامية بعد عصر الخلفاء الراشدين، لذا يُعدُّ ما وضعته من قواعد لتنظيم الحياة الاجتماعية، هو البداية الحقيقية للمجتمع الإسلامي.

وخلال عصر هذه الدولة الذي امتد لأكثر من ٩١ سنة، كان لمؤسسها معاوية بن أبي سفيان توجه اجتماعي، فكان يعطي النفقات للفقراء في صورة عينية، وكانوا يحملون بطاقات تحدد فيها الكمية المخصصة لكل فرد منهم. 

«الزكاة».. التائهة
تاريخ إخراج زكاة الفطر نقدًا
اختلف الفقهاء من أهل العلم في حكم إخراج زكاة الفطر نقدًا على مدار التاريخ، منذ عهد الدولة الأموية، وذلك على قولين، أولهما عدم جواز إخراجها نقدًا، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، ودليلهم أنه لم يرد نص بذلك، والأصل الوقوف عند ما ورد.

وثاني الرأيين هو جواز إخراجها نقدًا، إما على الإطلاق وهو مذهب الأحناف والإمام البخاري، وقول الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبدالعزيز، والإمام الحسن البصري وغيرهم، أو جواز ذلك مع التقيّد بالحاجة، وهو رأي مروي عن بعض الحنابلة، واختاره ابن تيمية.

واستدل ابن تيمية على جواز إخراج زكاة الفطر نقودًا، بأن العبرة بإغناء الفقراء عن السؤال، فما دام الإغناء يتحقق بالنقود؛ فإنه يجوز إخراج الزكاة بها.

واستدل أصحاب الرأي الذي يجيز إخراج هذه الزكاة نقودًا، بما أخرج ابن أبي شيبة، من أن أبا أسامة نقل عن عوف قوله: «سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بالبصرة يقول فيه: (يؤخذ من أهل الديوان من أعطياتهم، عن كل إنسان نصف درهم)، قاصدًا زكاة الفطر».

ونقل وكيع عن قرّة قوله: «جاءنا كتاب عمر بن عبدالعزيز في زكاة الفطر يقول (نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته نصف درهم) فلا بأس أن تعطى الدراهم في صدقة الفطر».

«الزكاة».. التائهة
زكاة الفطر والحاكم بأمر الله
يذكر التاريخ أن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، كان غريب الأطوار، وصاحب قرارات عجيبة، ومنها أنه أسقط ركن الزكاة، وكان تفسير ذلك على لسانه نفسه فهو يتهم الأغنياء بأنهم بأدائهم الزكاة عصموا أنفسهم من عوز الفقير وأبرأوا ذمتهم، وأصبحت الدولة لا يد لها عليهم، وأنه بإسقاطه ركن الزكاة سمح لنفسه بأن يتدخل ليأخذ منهم ما يريد ليكفي به عوز الفقراء.

«الزكاة».. التائهة
السلفيون جهلاء
من جانبه، هاجم الدكتور محمد الشحات الجندي، عضو مجمع البحوث الإسلامية، السلفيين في تصريحات لـ«المرجع» واصفًا إياهم بالجهلاء؛ ردًّا على فتواهم بأنه لا يجوز إخراج زكاة الفطر بالنقود، وأنه ينبغي أن تخرج حبوبًا فقط، موضحًا أن هذا الرأي يضيّق على الفقراء، وأضاف عضو مجمع البحوث الإسلامية، أن سبب جواز إخراج زكاة الفطر بالنقود هو ألا تتكدس الحبوب عند الفقراء، وهم في أمس الحاجة للنقود.

شارك