أسامة بن لادن.. خرج من رحم «الإخوان» ليؤسس «القاعدة»

الإثنين 06/أغسطس/2018 - 09:40 ص
طباعة أسامة بن لادن.. خرج أحمد سامي
 
دومًا ما يرتبط ذكر التنظيمات الجهادية باسم «أسامة بن لادن»، ليس لأن الرجل قاد تنظيم القاعدة لتنفيذ العملية الإرهابية الأهم في التاريخ الحديث في سبتمبر 2001، والتي أسهمت لاحقًا في تغيير ملامح الشرق الأوسط، ولكن أيضًا لأن حياته تعد ملهمة للمتطرفين الذين يتخذون من تفضيله للجهاد على العيش في موطنه السعودية برفاهية، مثالًا يُقتدى به في إقناع الشباب بالانضمام إلى صفوفهم. 

ولد «بن لادن» في مارس عام 1957، بمدينة الرياض في المملكة العربية السعودية، لعائلة ثرية من أصول يمنية؛ حيث امتلك والده شركة «بن لادن للإنشاءات المدنية»، واستطاع زعيم القاعدة فيما بعد توظيف ثروته لخدمة أغراضه الجهادية، فوفر من خلالها دعمًا ماديًّا للمجاهدين العرب في أفغانستان؛ ما ساعده على تبوؤ مكانة مرموقة بينهم، قبل أن يتمكن من ترسيخها بشخصيته الكاريزمية التي لقت تجاوبًا من أتباعه. 

وفي جامعة الملك عبدالعزيز -حيث كان يدرس الاقتصاد- انضم «بن لادن» إلى جماعة الإخوان (أسسها حسن البنا في مصر عام 1928)، وفق ما كشفت عنه «وثائق آبوت أباد» التي حصلت عليها الولايات المتحدة في منزله عقب قتله في مايو 2011، حيث جاء فيها أن «بن لادن» كان ملتزمًا بمنهج الإخوان رغم محدوديته، كما كشفت الوثائق تأثره بـ«عبدالمجيد الزنداني»، مؤسس تنظيم الإخوان في اليمن، والمصنف إرهابيًّا من قبل الولايات المتحدة. 

في نفس السياق، أكدت تصريحات أيمن الظواهري، زعيم التنظيم القاعدة حاليًّا، هذه المعلومات، حيث ذكر في كلمة له عرضتها مؤسسة السحاب (الذراع الإعلامية للقاعدة) في 30 يناير 2015، أن «بن لادن» كان عضوًا في تنظيم الإخوان، وأنه ذهب إلى باكستان، إبان الغزو السوفييتي لأفغانستان، وفق توجيهات التنظيم، قبل أن يمرَّ إلى بؤرة الصراع في أفغانستان وفق رؤيته الخاصة. 

الأب الروحي
ولعب عبدالله عزام، الأب الروحي للجهاد الأفغاني، دورًا في التأثير على «بن لادن»؛ من أجل التوجه إلى أفغانستان على عكس توجيهات التنظيم القاضية بالذهاب إلى باكستان لنقل الدعم إلى مقاتلي أفغانستان، حيث جاء في فيديو لـ«حذيفة عبدالله عزام» ضمن برنامج «تحت المجهر» الذي عرضته قناة الجزيرة القطرية في 20 فبراير 2003، أن أسامة بن لادن زار الأردن في عام 1984، وهناك التقى «عزام» واستفسر منه عن أوضاع الجهاد في أفغانستان، وعن الدعم الذي يتلقاه المجاهدون.

واتفق الاثنان على أن يزور «عبدالله عزام» السعودية وأداء فريضة الحج، ومن ثم التوجه معًا إلى أفغانستان في حالة تمكن «بن لادن» من تسوية أموره في السعودية.

بالطبع، لم يجد بن لادن أي صعوبة في السفر إلى باكستان من أجل الجهاد؛ حيث تبنت الدول العربية آنذاك دعم المجاهدين الأفغان لمواجهة السوفييت، وصرح بذلك ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في 26 مارس من العام الحالي، أثناء زيارته للولايات المتحدة، وقال: إن السعودية ساعدت على تدفق المقاتلين إلى أفغانستان من أجل مواجهة السوفييت بتنسيق مع حلفائها الغربيين.

وفي بداية وجوده في أفغانستان، عمد «بن لادن» إلى تقديم الدعم المالي للمقاتلين، قبل أن يؤسس بيت الأنصار الذي كان مهمته تقييد أسماء الوافدين، ثم تدريبهم وإرسالهم إلى معسكرات الجهاد في أفغانستان.

وتزامن مع ذلك تأسيس عبدالله عزام ما يُسمى بـ«بيت الخدمات»؛ لتقديم خدمات لوجستية للمقاتلين الأفغان، وفي نهاية الثمانينيات، أصبح «بن لادن» عاملًا فاعلًا في القتال ضد السوفييت؛ حيث كان له دور رئيسي في معركة «جلال آباد» التي أرغمت السوفييت على الانسحاب من أفغانستان في عام 1989.

تأسيس القاعدة
وقبل ذلك بعام، أسس «بن لادن» القاعدة؛ لتكون أداته الجديدة لتهديد الأمن العالمي، ورغم أن تنظيم القاعدة كان يمارس أعماله قبل تأسيسه في 1988، إلا أن بن لادن ورفاقه اختاروا تأسيس كيان جامع لعمل بيت الأنصار وبيت الخدمات، حيث استقبل التنظيم الجهاديين وإرسالهم للمعارك، علاوة على تقديم الدعم اللوجستي لهم. 

وشكّل انتهاء الغزو السوفييتي لأفغانستان مرحلة جديدة في صراع «بن لادن» مع القوى الدولية، حيث توجهت بوصلته بعد ذلك إلى الغرب، انطلاقًا من الدور الذي يلعبه في ترسيخ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

إضافة إلى ذلك، شكل الرفض الغربي لسيطرة طالبان على أفغانستان دورًا في تنامي العداوة بين الطرفين، حيث كان بن لادن مؤيدًا لحكومة طالبان، وبرز ذلك بوضوح في مبايعته لـ«الملا محمد عمر» زعيم حركة طالبان في أبريل 2011. 

وبعد عودته إلى السعودية، أسهمت حرب الخليج الثانية في تفاقم الخلاف بين بن لادن والحكومة السعودية، حيث عرض بن لادن على السعودية فكرة الاستعانة بالجهاديين الأفغان؛ للمساهمة في حماية أرض المملكة من أي غزو عراقي محتمل، إلا أن السعودية رفضت وفضلت الاستعانة بالقوات الدولية.

أزمة مع السعودية
وتوجه «بن لادن» إلى أفغانستان مرة أخرى، ثم قصد السودان في عام 1992 ليمكث فيها خمس سنوات متتالية، وسُحبت منه الجنسية السعودية في عام 1994؛ بسبب اتهامه بالوقوف خلف مقتل السفير السعودي بباكستان.

واتخذ «بن لادن» من السودان مقرًّا لإدارة عملياته الخارجية، حيث أزعجه التدخل العسكري الأمريكي في الصومال في ديسمبر 1992؛ ما دفع أنصاره لتفجير مركز التجارة العالمي في فبراير 1993 عن طريق عبوة ناسفة، ما أسفر عن مقتل 6 أشخاص وإصابة 1000 آخرين، وفي أكتوبر من العام نفسه، تم مقتل 18 شخص تابعين لبعثة إنسانية خاصة بالأمم المتحدة في هجوم نفذه أشخاص على علاقة بـ«بن لادن» في العاصمة الصومالية مقديشو.

أخذ الصراع بين بن لادن والولايات المتحدة مسارًا جديدًا بإعلان «بن لادن» الحرب على الولايات المتحدة في 23 أغسطس 1996، من خلال «وثيقة إعلان الجهاد ضد الأمريكيين الذين يحتلون أرض المسجدين المقدسين»، في إشارة إلى الحرمين الشريفين، وفي اعتراض واضح على الوجود العسكري الأمريكي في السعودية.

وعلى إثر الحرب التي أعلنها بن لادن، تمكن تنظيم القاعدة في 7 أغسطس 1998 من تنفيذ عملية إرهابية نوعية، إذ فجر السفارة الأمريكية في كل من نيروبي بكينيا، ودار السلام بتنزانيا، عن طريق سيارتين مفخختين؛ ما أدى إلى مقتل 214 شخصًا في نيروبي و11 شخصًا في دار السلام. 

ولم تختلف نهاية «بن لادن» عن نهاية كل الإرهابيين الذين يقضون جُلَّ حياتهم فارين من العدالة حتى تأتيهم اللحظة الفارقة، إما بإلقاء القبض عليهم أو قتلهم؛ فقد قتل بن لادن في الثاني من مايو عام 2011، في مقاطعة «أبوت آباد» في باكستان، ليسدل بذلك الستار على الشخصية الجهادية الأكثر تأثيرًا في العصر الحديث.

شارك