جهيمان العتيبي.. وتأسيس السلفية المحتسبة

الأربعاء 07/نوفمبر/2018 - 03:59 م
طباعة جهيمان العتيبي.. حسام الحداد
 
تمهيد:
لم يكن يتخيل أي من متابعي الشأن السياسي والاقتصادي في المملكة العربية السعودية، أن ينجح ولى العهد السعودي محمد بن سلمان، في تحقيق ما يصبو إليه في خطته التي أعلنها بعنوان رؤية المملكة 2030.
فالأمير الشاب  "محمد بن سلمان"، رفع راية التحدي، ليس في الخارج فقط، لكن داخل المملكة أيضا، وحمل شعار التطوير في مواجهة الرجعية، وخاض معارك ليحل الفن في مواجهة هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والاستثمار محل الاقتصاد الرجعى القائم على بيع النفط، معلنا بوضوح أعداءه في الداخل من قوى التطرف والرجعية، وفى الخارج من تنظيمات إرهابية ونظام ملالي يسعى لفرض سيطرته على المنطقة. لكن الواقع الذى حققه ولى العهد منذ إطلاق «رؤية 2030»، تخطى كل ما هو واقعى وإن قلنا قد اقترب من الخيال على الأقل بالنسبة لمخيلة المقيمين داخل السعودية والمرتبطين بها وجدانيا وثقافيًا في كل بقاع الأرض. وحدد الأمير محمد بن سلمان ولى العهد السعودي مثلث الشر الذى يواجه المملكة والمنطقة والعالم بأسره بقوله: «نجد في المثلث أولا النظام الإيراني الذى يريد نشر أيديولوجيته الشيعية المتطرفة، جماعة الإخوان المسلمين، وهى تنظيم آخر متطرف؛ وهم يريدون استخدام النظام الديمقراطي لحكم الدول وبناء خلافات ظل في كل مكان، وبعد ذلك يحولونها إلى إمبراطورية إسلامية حقيقية». أما عن الضلع الثالث، فيقول ولى العهد: «الإرهابيون- القاعدة وداعش- الذين يريدون أن يفعلوا أي شيء بالقوة». واقتصاديا، قرر الأمير الشاب ألا يسير في نهج من سبقوه بالاعتماد على الاقتصاد الريعى القائم على بيع النفط، بل قرر فتح بلاده لكافة أنواع الاستثمار، فأعلن مشروع نيوم وغيره من المشروعات التي يسعى بن سلمان لأن تحمل اقتصاد بلاده خلال المرحلة المقبلة.
وهناك نقاط أخرى ذات أهمية بالغة، تتعلق بالخصوصية الدينية والفكرية والثقافية للمجتمع السعودي، حيث الفكر الوهابي السلفي، والتيارات التكفيرية والإخوانية و«الصحوية»- المستمدة من أفكار السلفية المتشددة، التي لازمت هذا البلد لعقود طويلة، وتسببت فى كثير من الأحيان في بزوغ الفكر المتطرف والإرهابي في كل أنحاء العالم، وخاصة منطقة الشرق الأوسط، حيث نشأ التيار الوهابي مع التأسيس الأول للسعودية، على يد الشيخ محمد بن عبدالوهاب بسلفه وخلفه.
وكشفت كل التصريحات التي أطلقها «بن سلمان» في كل لقاءاته، عن أن المملكة باتت على مقربة من التخلص تمامًا من الأيديولوجيا التي تحكمت في كل تحركات عموم المجتمع السعودي، والتي تمثلت في عقيدته السلفية وتحديدًا الوهابية الحنبلية، والتي كانت تسيطر على مناهج التعليم العامة، وبرامج الدعوة العامة من العلماء والدعاة داخل المؤسسات الدينية وخارجها.

مدخل:
في محاولة للعثور على جذور العنف في المجتمع السعودي في شكله المنظّم سواء على الصعيد الفكري، أو الانخراط في الجماعات "الجهادية" المسلّحة، ما زالت المساعي البحثية تتجه لاختبار طبيعة الأصول الاجتماعية والأيديولوجية التي أنتجت شبكة القاعدة ومقاتلين ينتمون إلى الفكر السلفي المتشدد "داعش". فموجة العنف الديني الذي وصل ذروته التدميرية في الحادي عشر من سبتمبر، وماتلاها بعد عقد كامل بظهور تنظيم الدولة في العراق والشام وعدد غير قليل من الدول الإسلامية ناهيك عن تواجد أفرع لهذا التنظيم في بعض الدول الأوروبية، يرجعها البعض إلى نوفمبر 1979، حين احتل مئات من الإسلاميين الراديكاليين غالبيتهم من السعوديين فيما قدّم الباقون من بلدان أخرى، الحرم المكي في مطلع العام الهجري وكان بداخله مائة ألف حاج.
في كتابه الصادر بعنوان (حصار مكّة) يصف ياروسلاف تروفيموف، تلك العملية بأنها الأولى للجهاد العالمي، التي ألهمت الجهاديين المستقبليين للقاعدة الذين سعوا إلى إشعال حرب حضارات على مستوى العالم وإعادة الوهج للإسلام وفق التفسير السلفي. وفيما أحال الثوّار منارة الحرم إلى عش للقنّاصين، فإن العائلة المالكة المهزوزة فرضت حظراً إعلامياً مطبقاً على الأخبار وقامت بإرسال قوات لمواجهة المنتفضين في مكة.(1)
وتكشف هذه الورقة عن بدايات تلك الأحداث والتعريف بشخصية "جهيمان العتيبي" وكيف تأسست حركته، كما يقوم الباحث بعرض أهم وثائق جهيمان والتي تعرض لرؤية جهيمان عن الحكم ومنهج السلفية المحتسبة في تكفير الحكام، مما يعطي لها المبرر بإعلان الحرب عليهم.
******

البدايات
قبل الحديث عن جهيمان نتعرف على تلك الخلفية التي كانت نتيجتها ظهور هذه الجماعة، ففي كتابه "أيام مع جهيمان" يقدم لنا ناصر الحزيمي جوانب مهمة لهذه الحركة حيث يرجع الكاتب بالزمن إلى سنة 1974م عند بداية تعرفه على الجماعات الإسلامية كمُتديّن وليس كمُنتمٍ إلى إحداها، ويصف هذه الفترة بأنها البداية الحقيقية لظهور الصحوة الإسلامية، وانحسار قوى اليسار. بعد مرور عامين حدث اللقاء الأول بينه وبين قيادات الجماعة السلفية في الكويت، فانتظم في حضور ديوانياتهم، التي فهم منها منهجهم العقائدي، وتبنّى نفس موقفهم من الجماعات الأخرى مثل جماعة الإخوان المسلمين، والتبليغ.
لم يمكث الكاتب في الكويت سوى ستة أشهر ليغادرها بعد ذلك إلى مدينة الرياض بالسعودية، وهناك احتك بشباب جماعة الإخوان المسلمين الذين قسمهم إلى فئتين: الأولى: فئة رئيسية معترف بها من قبل التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، تركز على كتابات سيد قطب، الثانية: يطلق عليها مسمى "جماعة دار العلم" وكانت تتبنى كتابات حسن البنا.
يمكن اعتبار نقطة التحول الفكري للكاتب حدثت مصادفة ففي أول عمرة يؤديها، جلس في حلقة تدريس علم شرعي لشيخ جريء وواثق يجيب من يسأله أو يُحاججه بالكتاب والسنة، ويردد اسم الشيخ ناصر الدين الألباني كثيرًا، ولما سأل عنه عرف أنه الشيخ علي المزروعي المدرس في مدرسة دار الحديث بالمدينة المنورة، من هذه اللحظة قرر أن ينضم للدراسة في مدرسة دار الحديث، والتي كانت تسيطر عليها الجماعة السلفية المحتسبة بقيادة الشيخ السعودي الراحل عبد العزيز بن باز، فأصبح الكاتب بعد بدء دراسته في الدار أحد أعضاء الجماعة، والذين ذكر أن أعمارهم كانت لا تتجاوز الخامسة والعشرين. ولا يخلو الكتاب من ذكر بعض الشواهد على التحولات التي حدثت في تلك الفترة، من ضمنها ظهور أول محل لأشرطة التسجيل الإسلامية في الرياض عام 1977م في منطقة مليئة بمحلات أشرطة الأغاني، وأيضًا انتشار المكتبات التي تبيع مؤلفات الحركات الإسلامية. ويعقد الكاتب مقارنة بين رجال الحسبة آنذاك وفي الوقت الحالي، حيث يشير إلى أنهم في تلك الفترة لم يكونوا متسلطين بالشكل الذي نراه الآن، فقد كانوا كبارًا في السن يدعون الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، ولذلك كان المجتمع ينظر إليهم على أنهم جزءٌ من نسيجه.(2)

من هو جهيمان؟
هو جهيمان بن محمد بن سيف الضان الحافي الروقي العتيبي (16 سبتمبر 1936 - 9 يناير 1980) وهو الموظف في الحرس الوطني السعودي لثمانية عشر عاماً.. درس الفلسفة الدينية في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، وانتقل بعدها إلى الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. وفي المدينة المنورة، التقى جهيمان بـ محمد بن عبد الله القحطاني، أحد تلامذة الشيخ عبد العزيز بن باز. زوج جهيمان العتيبي أخته لمحمد القحطاني لتبدأ بعدها حادثة الحرم المكّي الشهيرة .
يؤمن المسلمون بقدوم مجدد للدين كل مائة عام بقول الرسول صلى الله عليه وسلم "يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لأمتي دينها"(3)  كما تؤمن بعض الطوائف بقدوم المهدي المنتظر والذي يوصف بأنه من آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، واسمه "محمد"، واسم أبيه يوافق اسم أبي النبي، ويلوذ المهدي بالمسجد الحرام ليكون المنطلق الأول له من هناك ثم يتوجه للعراق.
أطراف المعادلة أصبحت كاملة من وجهة نظر جهيمان بمطلع قرن هجريّ جديد، وبصهر يسمّى "محمد بن عبد الله"، لم ينقص المعادلة إلا بيت الله الحرام ليلوذ إليه "المهدي المنتظر"، وهذا ما تمّ بعد صلاة الفجر في 20 نوفمبر 1979. دخل جهيمان وجماعته المسجد الحرام في مكة المكرمة لأداء صلاة الفجر يحملون نعوشاً للصلاة عليها صلاة الجنازة بعد صلاة الفجر، وما أن انفضّت صلاة الفجر، قام جهيمان وصهره أمام المصلين في المسجد الحرام ليعلن للناس نبأ المهدي المنتظر وفراره من "أعداء الله" واعتصامه في المسجد الحرام. قدّم جهيمان صهره محمد بن عبد الله القحطاني على أنه المهدي المنتظر، ومجدد هذا الدين، وذلك في اليوم الأول من بداية القرن الهجري الجديد.
قام جهيمان وأتباعه بمبايعة "المهدي المنتظر" محمد بن عبد الله القحطاني، وطلب من جموع المصلين مبايعته، وأوصد أبواب المسجد الحرام، ووجد المصلّون أنفسهم محاصرين داخل المسجد الحرام. يروي بعض شهود العيان إنهم كانوا قناصة ماهرين لدرجة إنهم يقنصون العسكر السعوديين من أعلى المنارة وكانت أحياء مكة ترى الأدخنة من جهة الحرم بكل وضوح نتيجة للمبادلة بالنار داخل الحرم ويروي آخرون بقاءهم في المسجد الحرام 3 أيام والتي من بعدها أخلى جهيمان سبيلهم لمرافقتهم النساء والأطفال وبقى كمّ لابأس به من المحتجزين في داخل المسجد. ويذكر أنه بمساعدة الجيش الذي استخدم المياه والكهرباء لشل حركتهم واستطاعت بعدها القوات دخول الحرم المكي وتخليصه، سقط على إثرها الكثير منهم ومن بينهم محمد القحطاني.

تأسيس الحركة
تأسست حركة جهيمان عندما وجدوا ثغرة الاحتساب فأنشاء جماعته التي هدد بن باز لاحقاً بإصدار فتاوى ضدها إن هي استمرت على منهجها لقيام ثورة المهدي المنتظر ولكن إصدار جهيمان لما سمي بالرسائل السبع المطبوعة في الكويت، ما كانت سوى محاولة لصد إصدار أي فتوى ضد حركته، قام جهيمان بحركة نشر واسعة لرسائله في محاولة لتأليب الرأي العام ضد الحكومة ثم وجد ثغرة أخرى كان يأمل أن تكون عاملًا مساعدًا للتمكن وهي المهدية، لاحظ جهيمان شخص يدعى محمد بن عبد الله القحطاني الذي استطاع إقناعه بأنه المهدي المنتظر مع بداية مئوية جديدة حسب التاريخ الهجري مطلع عام 1400، كما استطاع توظيف عدد من اتباعه وإقناعهم بظهور المهدي حينها تم الاستئذان من وزير الدفاع لإلقاء محاضرات في مساجد الثكنات والقواعد العسكرية وحصلوا على الموافقة (4)
ويهدف التنظيم إلى التكفير بشكل عام واعتزال المجتمع وتقدمه وحضارته بشكل خاص بعد أن تم التوسع في بث العديد من البيانات والنشرات لاستقطاب المؤيدين واستغلال النساء والأطفال لتوزيعها على أفراد المجتمع لتوضيح فكرهم الظلامي الذي اعتنقوه في الوقت الذي كانت فيه خطى التعليم في بداياتها، الأمر الذي سهل مهمتهم في استقطاب الأعداد الكبيرة التي آزرتهم في أفكارهم المنحرفة.
وبعد أن لمس التنظيم الذي قاده "جهيمان" تعاطفًا من المؤيدين أعلن تهيئة صهره محمد بن عبدالله القحطاني لتولي منصب “المهدي المنتظر” ليواصل التضليل على المجتمع لتصديق أفكارهم مستشهدين بالعديد من الدلائل والقرائن التي نسجها خيالهم ليتم بعدها التشاور في آلية لتحقيق أهدافهم من خلال بث ما اعتنقوه من فكر أمام الملأ في المسجد الحرام بمكة المكرمة.
وفي موسم حج العام نفسه واصل التنظيم خططه باحتلال المسجد الحرام في مكة المكرمة مع بزوغ فجر اليوم الأول من القرن الهجري، مستغلين حرمة المكان وزيادة أعداد المسلمين لبث سمومهم وأفكارهم المنحرفة إلا أن رجال الأمن تصدوا لهم في معارك ضارية دارت رحاها في أقبية المسجد بعد أن نجحوا في التسلل للمسجد قبيل صلاة الفجر والتمويه على حراس أبواب المسجد بإدخال أسلحة وذخائر متنوعة كانوا يحملونها مع ملابسهم لتنفيذ جريمتهم.

احتلال الحرم وتحريره
تعد أول عملية لجماعة السلفية المحتسبة والتي أثارت انتباه العالم في هذا الوقت هي عملية اقتحام الحرم المكي في 20 نوفمبر 1979 والتي قادها جهيمان العتيبي وسوف يقوم الباحث في هذا الجزء بسرد تفاصيل العملية من أكثر من مصدر نشر تفاصيلها بعد أكثر من ربع قرن ومن بين هذه المصادر "ناصر الحزيمي"(5) الذي كان يوما رفيقا لجهيمان العتيبي، وكذلك بعض أوراق السفارة الأمريكية المفرج عنها في 2009 (6)، والتي تخص هذا الحادث.
 
20 نوفمبر 1979
قبل انطلاق أذان فجر غرة القرن الهجري الجديد 1400، وعبر منافذ مخصصة لدخول الشاحنات؛ تمكن بعض رجال جهيمان من إدخال شاحنتين محملتين بالتمر والماء والذخيرة إلى الحرم المكي. وعقب انطلاق أذان الفجر بصوت الشيخ عبد الحفيظ خوج، ووسط مئات المصلين الذين تدفقوا إلى صحن الحرم ومياه الوضوء تَقْطُرُ من أطرافهم ومن لحاهم - تمكن قرابة مائتي شخص من الدخول إلى الحرم الشريف، حاملين عددًا من النعوش للصلاة على أصحابها، بيد أنها كانت نعوشًا من نوع آخر، لا تحمل جثامين موتى، وإنما تحمل أسلحة وذخيرة بهدف احتلال الحرم المكي الشريف، وفي مقدمتهم "جهيمان العتيبي".
بعد أقل من ثلث ساعة من رفع الأذان، ووسط عشرات الآلاف من المصلين -غالبيتهم من الحجاج الذين قضوا مناسكهم وآخرون قدموا لأداء العمرة- أعلن الشيخ خوج عن إقامة الصلاة، فتقدم الشيخ محمد بن عبد الله السبيل ليؤم المصلين الذين التفوا في خشوع حول بيت الله الحرام.
بعد أن فرغ الشيخ السبيل من الصلاة التي قرأ في ركعتيها الأولى والثانية بعض آيات من سورة "التوبة"؛ علت أصوات بعض المصلين، وبدت حركةٌ مريبة في كافة أنحاء المسجد، قبل أن يتقدم شاب ذو ملامح حادة متجهمة، ليستولي على "الميكروفون" المخصص للإمام.
وجه الشخص الذي استولى على "الميكروفون" نداءً إلى جموع المصلين، طالبهم فيه بالجلوس، والاستماع لبيان هام، وسط حالة من الاضطراب التي سادت أرجاء البيت الحرام، فيما تدافع بعض المصلين نحو صحن الطواف لاستجلاء ما يحدث.
في تلك الأثناء، تسرب بعض أتباع "جهيمان" حاملين أسلحة "قناصة" إلى مآذن الحرم، فيما تكتل آخرون أمام الأبواب لمنع خروج المصلين، وإجبار الجميع على الاستماع للخطبة المرتقبة.
حاول أحد أفراد الجماعة المسلحة إغلاق باب للحرم يقع في الجهة الجنوبية، فاشتبك مع أحد حراس المكان الذي حاول منعه، فانطلقت رصاصة من سلاحه صوب حلقة معدنية في الباب، فارتدت على الرجل المسلح وأردته قتيلا، فدب الرعب في نفوس الجميع، وتتابعت الرصاصات المرتبكة المذعورة تعوي في أرجاء الحرم الشريف، وسط صرخات المصلين الذين كان بينهم أطفال ونساء، وعلى وقع هذه المأساة، بدأ أحد أفراد الجماعة خطبته.
تحدث أحد رجال الجماعة ويدعى "خالد اليامي" بصوت غريب على آذان زوار البيت العتيق، عن "المهدي المنتظر" وعلاماته وأهدافه وكيفية مبايعته، ساردًا بعض الأحاديث التي تصف "المهدي" وتتحدث عن علامات ظهوره، قبل أن يصل في خطبته إلى مراده قائلًا: "فاعلموا أيها المسلمون، أنه انطبقت هذه الصفات كلها على هذا المهدي الذي سوف تبايعون بعد لحظات بين الركن والمقام"، معلنًا أن "المهدي" موجود الآن داخل صحن الحرم لتلقي البيعة!
فور انتهاء الخطبة التي صدمت الجميع، بدأ "جهيمان" وأتباعه في إجبار المصلين على التقدم نحو الكعبة بين الركن والمقام، ومبايعة زوج أخته "محمد بن عبد الله القحطاني" بصفته "المهدي المنتظر".
أمام منظر الأسلحة التي لم تشاهد داخل صحن الحرم من قبل، وجد بعض المصلين أنفسهم مجبرين على التقدم لمبايعة "المهدي المزعوم"، إلا أن آخرين رفضوا الانصياع، وحاولوا التحدث إلى رجال "جهيمان" ومناقشتهم في دعواهم، فعلت الأصوات وعمت الفوضى.
ووسط حالة الارتباك، تمكن الشيخ عبد الله السبيل من السير وسط الزحام، حتى وصل إلى غرفة له في الحرم، وقام بالاتصال مباشرة بالشيخ ناصر بن حمد الراشد رئيس شؤون الحرم آنذاك، وأخبره بالأمر وأسمعه طلقات الرصاص.
خلال دقائق، وفور أن اكتشفت السلطات أن ما يحدث بالحرم هو حدث جلل غير اعتيادي، وجه وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز بمحاصرة الحرم المكي مع التزام الهدوء وعدم مواجهة المسلحين منعًا لإراقة الدماء، فنفذت القوات توجيه الأمير بمشاركة رجال الجيش السعودي، وفرضوا سيطرتهم على المكان تمهيدًا لبدء التفاوض مع "جهيمان" ورجاله حقنًا للدماء في بيت الله الحرام.
عندما شاهدت جماعة "جهيمان" القوات السعودية وهي تحاصر الحرم، بادرتهم بإطلاق الرصاص من مآذن الحرم الشريف، معتقدة أنهم يمنعون الحجاج من التوافد لمبايعة "المهدي"، لتبدأ المواجهة المسلحة بين أروقة البيت العتيق في مشهد توقف أمامه التاريخ طويلًا.
بدأ الخبر ينتشر خارج أروقة الحرم، ودب القلق إلى النفوس خوفا على بيت الله الحرام، وبدأت وكالات الأنباء تتناقل معلومات مرتبكة وغير دقيقة عما يجري في الحرم المكي، فيما أعلنت بعض الإذاعات وفاة إمام الحرم الشيخ السبيل برصاص جماعة مسلحة.
وصل الأمير نايف إلى مكة المكرمة ليشرف بنفسه على العملية وعلى الخطط المتعلقة بتحرير الحرم، فيما أسرعت القوات السعودية إلى إبعاد زوار الحرم عن المكان تجنبًا للرصاص العشوائي الذي كانت تطلقه جماعة "جهيمان".
بعد 4 ساعات من المواجهات، خلع الشيخ السبيل المشلح والشماغ، ونزل إلى باب أحد الأقبية، وسار بين المسلحين خافض الرأس متخفيًا بين بعض الحجاج الذين كان أغلبهم من إندونيسيا، حتى تمكن من الخروج.
بعدما اتضحت الصورة كاملة أمام الملك خالد بن عبد العزيز وجه دعوة عاجلة لعدد من كبار علماء المملكة، وأطلعهم على الموقف، واستفتاهم في شأن تلك الفئة الضالة، فأفتوه بأن الواجب دعوتهم إلى الاستسلام ووضع السلاح، فإن فعلوا قبل منهم وسجنوا حتى ينظر في أمرهم شرعًا، وإن امتنعوا وجب اتخاذ كل الوسائل للقبض عليهم ولو أدى إلى قتالهم وقتل من لم يحصل القبض عليه منهم.
وصلت قوات الحرس الوطني إلى الحرم المكي قادمة من جدة والطائف واتخذت أماكنها بجوار قوات الجيش استعدادًا لتنفيذ الاقتحام وتحرير البيت العتيق، مستخدمة في ذلك مصفحات من نوع m113 مزودة برشاش عيار 30، وقبل التنفيذ بدقائق، وصلت توجيهات الملك خالد بالحرص على سلامة المحتجزين داخل الحرم وسلامة مبنى الحرم، وإعطاء المسلحين فرصة للاستسلام، فوجهت القوات السعودية عبر مكبرات الصوت، نداء إلى "جهيمان" ورجاله، طالبتهم فيه بالخروج من الحرم، وإطلاق سراح الرهائن المحتجزين، ووقف احتلال أطهر بقعة على وجه الأرض احترامًا لقدسية المكان، إلا أن "جهيمان" رفض الطلب، وعاود إطلاق الرصاص.

21 نوفمبر 
في صبيحة اليوم الثاني، بدأت القوات السعودية خطة الهجوم، التي تمثلت في إحداث ثغرات في أبواب وجدران الحرم للسماح للمدرعات بالدخول، ووقع اختيارهم على ناحية المسعى للتنفيذ، لأن المسعى مغطى، وهو ما يمنع رصاص القناصة المتمركزين في المآذن من الوصول إلى القوات السعودية.
كان أول من أشارت أصابع الاتهام بوقوفهما وراء هذا الحادث على طرفي نقيض، أولهما شيعة إيران، وثانيهما الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما دفع الجانبان للنفي رسميًّا أي علاقة لهما بالواقعة.
أصدر وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز أول بيان رسمي بشأن الواقعة، معلنًا اتخاذ كافة التدابير للسيطرة على الموقف، وحماية أرواح المسلمين المتواجدين بالمسجد الحرام.
وجدت القوات السعودية صعوبة في تحرير الحرم مع الحفاظ في الوقت ذاته على أرواح الرهائن داخله، خاصة أن جماعة "جهيمان" كانت تجبر الرهائن على التجمع داخل صحن الحرم ليكونوا في مرمى القناصة، فحاولت القوات السعودية تنظيم عملية "إسقاط مظلي" لعدد من الجنود، إلا أن التجربة لم تنجح في فك الحصار، حيث تمكنت جماعة "جهيمان" من قنص المظليين وقتل عدد كبير منهم، فيما عمدت بعض وكالات الأنباء إلى إذاعة شائعة مفادها أنهم تمكنوا من إسقاط مروحية تابعة للقوات السعودية فوق صحن الحرم.

22 نوفمبر
في اليوم الثالث للحصار، شعر "جهيمان" بأن الأطفال والنساء سيشكلون عبئًا عليه، خاصة مع محدودية الطعام الذي تمكنوا من تهريبه إلى الحرم، فقرر إطلاق سراحهم، مع الاحتفاظ بجميع الرجال حتى كبار السن منهم.
في اليوم ذاته، كان محمد بن عبد الله القحطاني بين رجاله، يحاول إقناعهم بأنه "مخلد" ولن تتمكن القوات السعودية من قتله، فكان يعيد إلقاء القنابل التي تسقط عليهم باتجاه القوات وهو ينادي "أنا المهدي يا أعداء الله"، وفي إحدى المرات انفجرت قنبلة بين يديه، ولم يتمكن الرجال من إنقاذه، فتركوه وفروا هاربين دون أن يستوثقوا مما إذا كان تُوفي أم أصيب على إثرها فقط، لتسحب القوات جثمان "القحطاني" خارج الحرم، دون أن تدري أنه "المهدي المزعوم".
شكل مقتل عبد الله القحطاني صدمة كبيرة لكل من شاهده يُقتل، وسرى الخبر بين المسلحين، وعندما علم "جهيمان" بالواقعة غضب واتهم كل من يروج لمقتل "المهدي" بـ"عدم اليقين" وأنه يسعى إلى إثارة الفتنة بين صفوف رجاله، مؤكدًا أن "القحطاني" لا يمكن أن يُقتل لأنه "المهدي المنتظر" وإنما حُصر في مكان ما من الحرم، وسيخرج منه عقب انتهاء الأزمة لتلقي البيعة.
واصلت القوات السعودية تنفيذ خطتها لتضييق الخناق على المجموعة المسلحة التي تم دفعها للنزول إلى الدور السفلي للحرم، وهو المسمى بالخلوات، وهو دور محفور تحت مستوى أرض الحرم الشريف، فتحصنوا فيه وفي حجراته وأقبيته.

23 نوفمبر
في ظهيرة يوم الجمعة 23 نوفمبر، انتقل راديو الرياض إلى إذاعة خارجية لبث شعائر صلاة الجمعة من المسجد النبوي بدلا من المسجد الحرام كما هو معتاد، وهو ما اعتبرته بعض وكالات الأنباء دليلا على استمرار الأزمة وتحصن المسلحين داخل الحرم المكي، وفي خطبة الجمعة، أعلن خطيب المسجد النبوي أن الحكومة السعودية تواجه بحكمة هذه المجموعة من "الكفار" شاكرًا الله تعالى لأن الحكومة استطاعت السيطرة على الموقف، وكادت أن تسحق المجموعة المسلحة.
في محاولة منه لرفع الروح المعنوية لرجاله، بعدما اهتزت بشدة عقب مقتل "القحطاني"؛ ادعى "جهيمان" أن جيشًا تابعًا للقوات السعودية كان قادمًا من تبوك لمؤازرة الجنود المتحلقين حول الحرم، فخُسفت به الأرض أثناء مروره بالصحراء، مؤكدًا أن تلك الواقعة إحدى العلامات المرتبطة بظهور المهدي، وأن أحد رجاله سمعه من راديو القوات المحاصرة لهم في موقعه المتقدم للحراسة.

24 نوفمبر
يوم 24 نوفمبر، قرر أحد رجال "جهيمان" السابقين ويُدعى عبد الله الحربي، التوجه إلى الحرم النبوي، في محاولة منه لاقتحامه بهدف التخفيف عن زملائه في الحرم المكي، وقبل تنفيذ الاقتحام سافر إلى "ساجر" بحثًا عن أعوان بين قبيلة "جهيمان" فاصطدم في طريقه بنقطة تفتيش طلبوا منه التوقف، فعصى الأوامر والإنذارات المتكررة وهرب منهم، كما حاول مقاومتهم بإطلاق النار عليهم من سلاح بحوزته، قبل أن يسقط قتيلا برصاص جنود نقطة التفتيش.

25 نوفمبر
يوم 25 نوفمبر، وصل إلى الرياض كلٌّ من الشيخ جابر الأحمد أمير الكويت، والشيخ عيسى بن سلمان أمير البحرين، للاطلاع على الموقف، وإجراء محادثات مع الملك خالد بن عبد العزيز.
في اليوم السابع للحصار، أدى المسلمون في كافة مناطق المملكة صلاة "استغاثة" داعين المولى عز وجل أن يحفظ بيته الحرام، ويديم استقرار وأمن المملكة.

26 نوفمبر
يوم 26 نوفمبر، تمكنت القوات السعودية من احتلال الطرق المؤدية إلى الأقبية، وطاردت رجال "جهيمان" من قبو إلى آخر، وتمكنت من إلقاء القبض على عدد كبير منهم، واستسلم آخرون بعدما دب اليأس في نفوسهم بعد تأكدهم من مقتل "القحطاني"، بينما ضيقت الخناق على الباقين.
بدأت السلطات السعودية التحقيق مع الذين تم القبض عليهم، وتمحور التحقيق حول معرفة مصادر السلاح، وكيفية تهريبه إلى داخل الحرم المكي، ومن خلال التحقيق، توصلت السلطات إلى معرفة العديد من خيوط الجريمة، وهو ما ساعد بعد ذلك في القضاء على المجموعة المتبقية في الأقبية.

 2 ديسمبر
في اليوم الثالث عشر، نفذت القوات السعودية العملية النهائية التي استمرت يومين متواصلين، بعد أن حاصرت المجموعة المسلحة في أضيق نطاق وأصغر مساحة ممكنة بعيدًا عن الكعبة الشريفة داخل الأقبية.
عقد مجلس الوزراء جلسة طارئة برئاسة الملك خالد بن عبد العزيز خُصصت لمناقشة الاعتداء على المسجد الحرام، عرض خلالها الملك جميع الإجراءات التي اتُّخذت بناء على الفتوى الشرعية لعلماء المملكة، معلنًا تطويق الفتنة، وتطهير المسجد الحرام من العصابة التي احتلته، وأنه لم يتبقَّ إلا مجموعة ما زالت تختبئ في أقبية الجزء السفلي للمسجد.

4 ديسمبر
تمكنت القوات السعودية من تضييق الخناق على كل المسلحين المتبقين على قيد الحياة، وأجبرتهم على الاستسلام فجر يوم 15 محرم 1400هـ، وآخر من ألقي القبض عليه كان "جهيمان" الذي ظل مختبئًا في أحد الأقبية.
في اليوم ذاته، أصدر وزير الداخلية البيان الثاني، معلنًا تطهير قبو المسجد الحرام من أفراد "الطغمة الفاسدة".

5 ديسمبر
عقب صلاة ظهر يوم 16 من محرم، توصلت القوات السعودية إلى المكان الذي يختبئ فيه قائد المجموعة "جهيمان العتيبي" حيث عثر عليه في موقع منعزل كان يتخذه مع مساعديه كمقر لإدارة عملية الحصار.

6 ديسمبر
في يوم الخميس 6 ديسمبر، تم إعادة فتح المسجد الحرام للمصلين، وأدى جلالة الملك خالد بن عبد العزيز صلاة المغرب بالحرم المكي، وهي أول صلاة جماعة تُقام به بعدما عطلت الصلاة والمناسك في بيت الله الحرام لـ15 يومًا متواصلة، وطاف الملك ومرافقوه حول الكعبة المشرفة، شاكرين الله تعالى على انتهاء الغمة.
عقب الصلاة، أصدر الملك خالد توجيهاته لوزارة المالية والاقتصاد الوطني بسرعة البت في اتخاذ الأعمال الفورية لإصلاح وصيانة الحرم المكي الشريف من الأضرار التي تعرض لها، كما وجه باستبدال أرضيات المسجد بأرقى أنواع الرخام "المرمر" في العالم على نفقته الخاصة.

7 ديسمبر
في ظهيرة اليوم التالي الجمعة 7 ديسمبر، توجه أكثر من 150 ألف مصلي إلى المسجد الحرام لحضور خطبة الجمعة التي ألقاها الشيخ عبد الله خياط، والتي استنكر خلالها ما قامت به جماعة "جهيمان" التي وصفها بالفئة الضالة الخارجة عن الدين، وكانت خطبة مشهودة نقلها العديد من إذاعات وتلفزيونات العالم.

8 ديسمبر
وفي صبيحة يوم الأربعاء 8 ديسمبر، تم تنفيذ حكم الإعدام حدًّا بالسيف على رؤوس من تمت إدانته في هذه الواقعة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلا، حسب أحكام القضاء الشرعي، حيث تم إعدام 61 مدانًا وسجن 19 آخرين.
تلك كانت اهم الاحداث التي وقعت نتيجة احتلال جهيمان الحرم المكي وتوالت الكتابات حول الحادث ولم تكف الحركة البحثية حتى الان عن تحليل الحدث والتحذير من عودة تلك الملابسات التي ادت إلى مثل هذا الحدث.
ومن بين اهم الكتابات التي تناولت مسألة احتلال الحرم المكي، الكتاب الذي يحمل عنوان (حتى لا يعود جهيمان: حفريات إيديولوجية وملاحق وثائقية نادرة)، فهو ليس فقط في نوعية العمل، وحساسية الملف الذي يتطرق إليه؛ بل تكمن اهميته، أيضاً، في بعض الخلاصات المهمة، التي تساعد الباحثين على قراءة بعض الآثار السلبية لقلاقل تدبير الملف الديني في المنطقة، وهو التدبير الذي يختلف بين هذه السياسة وتلك، والمتأثر بهذا السياق أو ذاك، بما يُفسّر، مثلاً، أنّ التفاعل مع الظاهرة الإسلامية الحركية يختلف بين مرحلة ما قبل وما بعد اندلاع أحداث ما اصطُلح عليه بأحداث (الربيع العربي).
وقد أشار د. الأحمري في مقدمته إلى أنه ما كان يتوقع أن يقدم يوماً لعمل استشراقي؛ لما يصاحب غالب أعمال المستشرقين من فقدان الموضوعية حتى صارت منبوذة لدى المتلقي، وأصبح الإنصاف من المستشرقين شذوذاً يعزز قاعدة التجني من قبل عامتهم، ولذا تروج أفكار المستشرقين عبر وسطاء وناقلين محليين. وقد أثنى على ما في عمل المؤلفين من إحكام وأخذ عليه تأثره بغربتهم عن بيئتنا وسيطرة الهاجس التنظيري أحيانا، وعدَّ من العبث ما أشيع كمسلَّمة عن هزيمة جهيمان وانتشار أفكاره. (7)
ولفت المترجم د. العيسى نظر القراء إلى اعتماد الباحثين بشكل كبير على أقوال الأستاذ ناصر الحزيمي الذي تحول بدرجة 180 بعد أن قضى ثماني سنوات في السجن، ثم نشر ذكرياته في الرياض السعودية وليس الغارديان اللندنية! وبحسرة المواطن المخلص قال المترجم إن التسهيلات التي منحت للمؤلفين الشابين لو منح مثلها لباحث سعودي لجاء بحثه أحسن وأحكم، وقد أثبت المترجم دعواه هذه حين أضاف للكتاب سبعة ملاحق ذات قيمة عالية؛ خاصة وثائق السفارة الأمريكية، كما تعقب المترجم المؤلفين في بعض المواضع؛ ولم يقع أسيراً لأصولهما الغربية. يتكون الكتاب من عدة مقدمات وفصلين، ويتحدث الفصل الأول عن جهيمان وأحداث احتلال الحرم، ويختص الفصل الثاني بدراسة تأثير الشيخ الألباني الذي رآه الأحمري تأويلاً مبالغاً فيه مع أن المؤلفين كانا أنزه من بعض بني جلدتنا حين كتبا بصراحة أنهما بريئان من اتهام الألباني ونسبة أخطاء حركة جهيمان إليه. 
وبعد ذلك أضاف المترجم سبعة ملاحق، الأول والثاني فقرات من كتب غربية عن السعودية وحادثة جهيمان، والثالث حوار لصحيفة السفير اللبنانية مع الملك فهد بعد إنهاء التمرد وكان حينها ولياً للعهد، والملحق الرابع حوار لذات الصحيفة مع الأمير نايف وزير الداخلية آنذاك، والملحق الخامس نقل فيه بيان هيئة كبار العلماء، وأما السادس وهو الأهم فقد تضمن ترجمة 35 وثيقة من برقيات السفارات الأمريكية في جدة وطهران والكويت ودمشق وعمان والقاهرة والرباط، والملحق السابع للصور؛ وإحداها تنشر لأول مرة في كتاب صادر بالعربية، وهي صورة الضباط الفرنسيين الثلاثة ومعهم ضابط سعودي طمس وجهه.(8)
ومن المُهمِّ جداً التوقف عند أسباب صدور الكتاب، كما نقرأ ذلك في كلمة المترجم حمد العيسى، وقد جاء فيها: «إن هدفي من اختيار هذا الكتاب، أنّ جهيمان أُعدِم، ومات، ونال ما يستحقه جرَاء فعلته النكراء، ولكنّه، كما يشرح مؤلفا الفصلين الأول والثاني في هذا الكتاب، ترك ذكرى، وبعض الأفكار الخطرة التي واصل حملها بعض خلفائه، مثل: أبي محمد المقدسي، الذي كان أكثر تطرّفاً من جهيمان؛ وعانينا من هذه الأفكار لاحقاً في تفجيرات الرياض عام (2003م) مثلاً»، وفي غيرها من التفجيرات التي طالت العديد من الدول الإسلامية والغربية على حدّ سواء.
ويخلص ستيفان لاكروا، في هذا السياق، إلى أنّ هذا التيار السلفي (الألباني المرجعية) يُعدُّ، اليوم، «مسيطراً داخل الحركة السلفية في العديد من الدول، كما أنّ له وجوداً قوياً جداً في العديد من الدول الأخرى، مثل: السعودية، والأردن، والكويت، واليمن، وفرنسا، والجزائر، التي أدركت أنظمتها الحاكمة، منذ فترة طويلة، فائدة هذا التيار لعمل توازن مع صعود أنموذج من السلفية السياسية، التي تشكّل تحدياً غير مسبوق لسلطانهم». ولهذا السبب تحديداً، وفي عالم ما بعد أحداث (11 سبتمبر 2001م)، فإنّ هذه «الأنظمة تعتبر هذا التيار ضرورياً، حيث لا يمكن الاستغناء عنه مطلقاً، وهذا هو السبب-جزئياً على الأقل- الذي سيجعل هذا التيار يواصل الانتعاش والازدهار في السنوات القادمة، ليُصبح، من ثمّ، أحد أهم مكونات الإسلام السلفي» (9)
وبالعودة إلى أهمِّ الخلاصات، التي جاءت في كتاب "حتى لا يعود جهيمان: حفريات إيديولوجية وملاحق وثائقية نادرة"، نخصّ بالذكر تلك الواردة في الفصل الرابع (ص 169 ـ 185) من الكتاب، وعنوانه (الدين والدولة في السعودية: مَن يُهيمن على مَن؟)، وتنطلق مُحرّرة الفصل الباحثة رينيه فان ديمن من نقضِ دعوى متداولة في أدبيات العلاقات الدولية، ومفادها: أنّ البلدان النامية تصبح، حتماً، أكثر علمانية خلال عملية التحديث. والحال أنّ دراسة التفاعل بين الدين والسياسة في المملكة العربية السعودية تُناقض هذا الافتراض، وذلك لاعتبارات عدّة أهمها أنّ طفرة السبعينيات النفطية، والتطوير اللاحق في المملكة لكلّ من البنية التحتية، والاقتصاد، وحتّى المجال الاجتماعي، لم يغيّر طبيعتها الدينية، بما يتطلّب التسليم بتعقيد العلاقة بين السلطة الزمنية الحاكمة والمؤسسة الدينية، ومن هنا دلالة عنوان الفصل: (أَتهيمن الدولة على الدين أم يهيمن الدين على الدولة؟) (10)
حتى نأخذ فكرة أولية حول الآثار السلبية لحادثة الحرمين على مشروع التحديث في السعودية، من المهم التذكير بلائحة من الإنجازات التي تحقّقت في العقود الأولى الموالية للطفرة النفطية، حيث تمّ التسريع من وتيرة تحديث المملكة، عبر إدخال التكنولوجيات الجديدة إلى المجتمعات البدوية، وبناء خطوط الاتصال، وطرق النقل، وتطوير البنية التحتية السعودية، بالإضافة إلى هذه التغيرات المادية، كما حظر الملك فيصل بعض الممارسات (السلفية) الوهابية، التي عفا عليها الزمن مثل الرقّ، وأدخل تعليم المرأة، وأطلق التليفزيون السعودي. كما شهدت الستينيات، ثم السبعينيات بالتحديد، ما اصطلحت عليه الدراسات الغربية بـ(سنوات تفجّر التنمية، والتجريب الليبرالي، والانفتاح على الغرب)، على الرغم من أنّ هذه التقنيات والتطورات الاجتماعية كانت تُعدُّ بِدعاً، وفقاً للمرجعية السلفية الوهابية.
وما تخلصُ إليه الباحثة أعاق استيلاء جهيمان العتيبي وجماعته على الحرم المكي عام (1979م)؛ بل عرقل، بالفعل، مسار المملكة التدريجي نحو العلمانية لعقدين من الزمن على الأقل، حيث احتلت مجموعة من الأصوليين (السلفيين) الوهابيين، بقيادة جهيمان، الحرمَ المكي؛ لأنهم عدُّوا التغييرات التحديثية، التي تشهدها المملكة في جميع أنحاء البلاد، انتهاكاً لتعاليم الدين. وعلى الرغم من أنّ معظم السكان المسلمين شعروا بالرعب من الأعمال العدوانية للمتمردين على الحرم المكي، إلا أنّ نقد المتمردين للسلطة، ودعوتهم لوقف التغريب الثقافي للمملكة، حصلا على تعاطف مدهش عبر المملكة، كما أنّ مخاوف جهيمان كانت متفقة مع التزمّت الأخلاقي (السلفي) الوهابي، الذي كان يعادي النزعة الاستهلاكية، والانغماس في الملذات والمادية، التي نتجت عن دمج الاقتصاد السعودي الريعي في نظام عالمي للعلاقات الرأسمالية.
مُجريات الأحداث، تفاعلاً مع صدمة الاعتداء على الحرمين، لم تعد سراً من أسرار الساحة، فقد كان أحد أبرز عواقبها إعادة توجيه التمويل السياسي لنشر المشروع السلفي الوهابي في الخارج، وكانت إحدى الوسائل، التي شكّلت هذه الهوية، تمرّ عبر دعم المنظمات، والجماعات، والمشاريع، التي تروّج لـ«إحياء الإسلام في المناطق الأكثر فقراً في العالم الإسلامي"
هناك اختلافات جليّة بين الباحثين حول أسباب دعم وترويج المشروع السلفي الوهابي، بين اتجاه بحثيّ لخّصه ياروسلاف تروفيموف، الذي يُجادل بأنّ الحكومة السعودية وافقت على نشر (السلفية) الوهابية مقابل الدعم المحلي من العلماء أثناء وبعد حادثة مكّة، واتجاه يُمثّله جيفري هاينز، الذي انطلق من أطروحة جوزيف ناي عن (القوة الناعمة)، للاعتراض على الاتجاه الأول بأنّ الحكومة أُجبرت على نشر الإسلام الوهابي لأسباب دينية بحتة، بقدر ما كان ترويج هذا النمط من التديّن يروم تعزيز الأهداف السياسية الخارجية عن طريق نشر قوتها الناعمة. (11)
من مفاتيح الكتاب، أيضاً، تسليط الضوء على نموذج عربي في (السياسات الدينية)، إذا سَلّمنا، جدلاً، بأن الدول العربية والإسلامية، كانت لديها سياسات عمومية دينية واضحة المعالم، والأفق، والأهداف.
فيما يتعلق بالحالة السعودية، اتّضح أنّ استخدام الدين في سياق إحداث نوع من التوازن السياسي والاجتماعي زاد من الصدع بين المحافظين والسلطة الحاكمة. ومن المفارقة المدهشة أنّ عودة النظام للتمسك بالسلفية الوهابية، وتطبيقها بقوة داخل المملكة، بعد تمرّد مكّة عام (1979م)، أنتج جيلاً جديداً من (الجهاديين) أكثر تطرفاً، بمعنى آخر، تدفق القوة الناعمة السعودية (أي تمويل المؤسسات الإسلامية)، ما أسهم، من حيث لا تشاء السلطات السعودية، في خدمة تطرف إسلامي (جهادي) قاده على الخصوص أسامة بن لادن وما تلاه من جماعات سلفية جهادية أدت في النهاية إلى مولد تنظيم الدولة "داعش" وما يقوم به في معظم الدول الإسلامية من قتل وتخريب وإرهاب.

السلفية المحتسبة ونظرية الحكم
يناقش الباحث في هذا الجزء أحد الرسائل المهمة لجهيمان العتيبي والتي توضح رؤية جهيمان العتيبي للإمارة والحكم وكيفية البيعة لولي الأمر والتي نُشرت على الموقع الإلكتروني "منبر التوحيد والجهاد" وهي عبارة عن 26 صفحة إلكترونية،(12) ويُكثر جهيمان فيها من الاستناد إلى الأحاديث النبوية الشريفة والآيات القرآنية للتدليل على رؤيته في الخلافة، والتي تتطور فيما بعد إلى ظهور المهدي المنتظر، وتهتم الوثيقة والتي عنونها بـ "رسالة الإمارة والبيعة والطاعة وحكم تلبيس الحكام على طلبة العلم والعامة"- بتقديم تلك الرؤية والتي تشتمل على نقاط أساسية هي: مسائل الخلافة على منهاج النبوة، والملك الجبري، والبيعة الصحيحة والباطلة، والطاعة متى تجب ولمن تجب، ومسألة الخروج على الإمام وما جاء فيه، وما يعتقده في حكام المسلمين عامة، والمخرج من هذه الفتن. 
ويسير الجهيمان إلى حد كبير على خطى إمامه ابن تيمية وكذلك تأثره بشكري مصطفى وجماعته في مصر؛ مما أدى به في النهاية إلى الاصطدام بمؤسسة السلطة في السعودية وعلمائها حتى أستاذه ابن باز لم يسلم من هجوم جهيمان عليه لموالاته للسلطة السعودية، والجدير بالذكر هنا سذاجة الطرح الذي يقدمه جهيمان لمسألة الحاكمية رغم أن هذه القضية من أخطر القضايا التي تؤرق الدعاة والمصلحين. فقد تناولها الكثير من الفقهاء والأئمة بشكل أكثر علمية من تناول جهيمان لها؛ وهذا يرجع لمعلوماته القليلة، فليس عنده من هذه القضية إلا شذرات من العلم، وهذا ما يتضح في قرائتنا للوثيقة.
يقول جهيمان في رسالته عن الإمارة: "واعلم أن غالب المنتسبين إلى الدين والزهد من بعد القرون المفضلة لا يهتمون بهذا الجانب..." يعني هنا الحاكمية ولا نستطيع فهم كلام جهيمان إلا إذا علمنا أنه يرى أن حكم المسلمين مر بأربع مراحل لا من حيث الواقع التاريخي أو الزمني فحسب، وإنما من حيث تحقق النص؛ ففي فصل الخلافة التي على منهاج النبوة والملك الجبري، أورد جهيمان حديث النعمان بن بشر والذي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة". ثم سكت. (13)
هذا التسلسل الذي بنى عليه جهيمان فكره ومنهجه الحركي لا يتناول الخلافة كموضوع قائم بذاته، وإنما يتناول الخلافة بشكل حتمي طبقا لهذا الحديث، بغض النظر عن التطورات السياسية والاجتماعية التي تطال الجماعة المسلمة وكذلك باقي الجماعات وعلاقاتهم بهذه الجماعة. فيقوم جهيمان بتطبيق هذا الحديث على أرض الواقع حتى يقول: "وإذا نظرت اليوم في تطبيق هذا الحديث على الواقع، رأيت أنا نعيش اليوم الملك الجبري، الذي ليس للمسلمين فيه هم الذين يختارون الخليفة وإنما هو الذي يفرض نفسه عليهم، ثم يبايعونه بيعة المجبرين عليها، ولا يترتب على عدم رضاهم بهذا الخليفة أنه ينعزل، كلا بل الأمر جبري، وأن حكام المسلمين اليوم لم يبايعوا الناس على ما بايع عليه الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من القول بالحق، حيثما كانوا ونصرة الدين، بل على نظام وقوانين ليس فيها من الشرع إلا ما وافق الهوى، وأما ما خالف فلا، والمقصود أنه ليس خلاف على منهاج النبوة". ومن خلال هذا النص يتضح لنا أن جهيمان يرفض بشكل قاطع ولا رجعة فيه المصطلحات الحديثة "كالديموقراطية مثلا" فهو لا يعترف سوى بالبيعة بشكلها على عهد الصحابة "بيعة أهل الحل والعقد" برغم أن الكثير من فقهاء الأمة المحدثين قاموا بمعالجة موضوع البيعة هذه، وأقروا نظم الحكم الحديثة وأنها لا تتعارض مع الإسلام في شيء، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى نجده يتبنى آراء كل من سيد قطب والمودودي في مسألة الحاكمية وإن لم يصرح بذلك في تلك الوثيقة، فهو يرفض القوانين الوضعية؛ ما يؤدي في النهاية بإصدار أحكام بجاهلية المجتمع والحاكم، ونجد هذا أيضا متضمنًا في وثيقته التي بين أيدينا، فهو يرفض العمل بالقانون الوضعي مدعيًا أنه ليس بها من الشرع شيء.

الآخر في فكر جهيمان:
يمثل الآخر في فكر جهيمان عدة مستويات حسب القرب والبعد من منهج "السلفية المحتسبة" فإن كان يوالي بعض الجماعات بمقدار معين ويحابيهم كجماعة الإخوان المسلمين أو التبليغ والدعوة أو أنصار السنة المحمدية رغم اختلافه معهم في أمور كثيرة تعد أمورا عقائدية، وكذلك بعض طلبة العلم إلا أنا نجده أكثر عنفًا مع المخالف له في العقيدة مثل الآخر الشيعي والآخر المسيحي من غير مراعاة أن الأول يمثل له شريكا في الوطن نفسه، له حقوق المواطنة نفسها التي يتمتع بها وعليه الواجبات نفسها فيقول: "وامتازت دولتنا بقسط وافر من هذا التلبيس– منها ومن علمائها– والتي تسمي نفسها اليوم بـ "دولة التوحيد"، وإنما وحدت بين صفوف المسلمين والنصارى والمشركين، وأقرت كلا من دينه– كالروافض– وحاربت من خالف ذلك، وقاتلت من قاتل المشركين الذين يدعون عليا والحسين، وقد حاربت كذلك عبادة القبور والقباب وأرست قواعد عبادة الريال" وهنا يتناص مع ابن تيمية في رفضه للآخر المخالف معه عقائديا "مسيحيا كان أو غيره" ولكنه يتجاوز ابن تيمية بتكفيره للشيعة في المطلق دون أن يقدم أدلة شرعية على هذا التكفير؛ مما يوضح لنا في نهاية الأمر أن قدرات جهيمان المعرفية قليلة وليس لديه ما يؤهله لإصدار تلك الأحكام القاطعة. ولكنه في الوقت نفسه لا يترك مناسبة إلا وأشار فيها إلى رفضه للمسيحيين– النصارى– على حد قوله.

شروط الخليفة والخروج عليه:
يؤكد جهيمان في رسالته على ثلاثة شروط يجب أن تتوفر في الخليفة الذي يرجوه ويقدمه للمسلمين كافة وهي:
1- أن يكون مسلما.
2- أن يكون من قريش.
3- أن يكون مقيما للدين.
ويستند في تقديم هذه الشروط إلى مجموعة أحاديث منسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم رواها البخاري ومسلم، وبغض النظر عن صحة تلك الأحاديث من عدمها فإن تلك الشروط التي يسوقها جهيمان لا يقبلها المسلمون في هذا العصر، فقد اختلف العلماء خصوصا حول الشرط الثاني وهو أن يكون الخليفة "قرشيا" والجدير بالذكر هنا أن جهيمان لم يتجاوز تلك الآراء التي سيقت عن الخلافة في القرن الثاني الهجري وشروط الخليفة، رغم أن هناك الكثير من الفقهاء والأئمة قاموا بتطوير هذه الشروط وتنقيحها في كل عصر حيث يكون الفقه موافقا لطبيعة العصر المعيش.
ومن هذه الشروط يصل جهيمان إلى عدم الاعتراف بحكام المسلمين ويدعو للخروج عليهم؛ لأسباب عدة، منها:
1- أن الحكام ليسوا من قريش.
2- أنهم لا يقيمون الدين، بل يهدمونه ويحاربون أهله. من وجهة نظره.
3- أنهم لا يأخذون البيعة من رعيتهم بصفقة اليد ونصرة القلب وطوعه واختياره، بل بالجبر والقهر. على حد قوله.
وبهذا حسب رأي جهيمان تسقط بيعتهم وبالتالي تسقط طاعتهم؛ مما يدعو إلى الخروج عليهم ليس فقط بشكل سلمي بل بمحاربتهم.
وأما من يخرج على الإمام الشرعي حسب شروط جهيمان لشرعيته فهو عند "عاص، معتد، ظالم، يجب قتله وردعه عن ظلمه". ويتفق هذا مع معظم الجماعات التكفيرية المنتشرة في عالمنا العربي والإسلامي الآن فمن هو خارج عن الجماعة خارج بالتالي عن الملة، ليس هذا فقط بل من خرج عن الأمير وجب قتله.





استخلاصات:
ما يخلصُ إليه الباحث من خلال هذه الورقة أن استيلاء جهيمان العتيبي وجماعته على الحرم المكي عام (1979م)؛ أعاق وعرقل، بالفعل، مسار المملكة التدريجي نحو العلمانية لعقدين من الزمن على الأقل، حيث احتلت مجموعة من الأصوليين (السلفيين) الوهابيين، بقيادة جهيمان، الحرمَ المكي؛ لأنهم عدُّوا التغييرات التحديثية، التي تشهدها المملكة في جميع أنحاء البلاد، انتهاكاً لتعاليم الدين. وعلى الرغم من أنّ معظم السكان المسلمين شعروا بالرعب من الأعمال العدوانية للمتمردين على الحرم المكي، إلا أنّ نقد المتمردين للسلطة، ودعوتهم لوقف التغريب الثقافي للمملكة، حصلا على تعاطف مدهش عبر المملكة، كما أنّ مخاوف جهيمان كانت متفقة مع التزمّت الأخلاقي (السلفي) الوهابي، الذي كان يعادي النزعة الاستهلاكية، والانغماس في الملذات والمادية، التي نتجت عن دمج الاقتصاد السعودي الريعي في نظام عالمي للعلاقات الرأسمالية.
مُجريات الأحداث، تفاعلاً مع صدمة الاعتداء على الحرمين، لم تعد سراً من أسرار الساحة، فقد كان أحد أبرز عواقبها إعادة توجيه التمويل السياسي لنشر المشروع السلفي الوهابي في الخارج، وكانت إحدى الوسائل، التي شكّلت هذه الهوية، تمرّ عبر دعم المنظمات، والجماعات، والمشاريع، التي تروّج لـ«إحياء الإسلام في المناطق الأكثر فقراً في العالم الإسلامي"
هناك اختلافات جليّة بين الباحثين حول أسباب دعم وترويج المشروع السلفي الوهابي، بين اتجاه بحثيّ لخّصه ياروسلاف تروفيموف، الذي يُجادل بأنّ الحكومة السعودية وافقت على نشر (السلفية) الوهابية مقابل الدعم المحلي من العلماء أثناء وبعد حادثة مكّة، واتجاه يُمثّله جيفري هاينز، الذي انطلق من أطروحة جوزيف ناي عن (القوة الناعمة)، للاعتراض على الاتجاه الأول بأنّ الحكومة أُجبرت على نشر الإسلام الوهابي لأسباب دينية بحتة، بقدر ما كان ترويج هذا النمط من التديّن يروم تعزيز الأهداف السياسية الخارجية عن طريق نشر قوتها الناعمة.
فيما يتعلق بالحالة السعودية، اتّضح أنّ استخدام الدين في سياق إحداث نوع من التوازن السياسي والاجتماعي زاد من الصدع بين المحافظين والسلطة الحاكمة. ومن المفارقة المدهشة أنّ عودة النظام للتمسك بالسلفية الوهابية، وتطبيقها بقوة داخل المملكة، بعد تمرّد مكّة عام (1979م)، أنتج جيلاً جديداً من (الجهاديين) أكثر تطرفاً، بمعنى آخر، تدفق القوة الناعمة السعودية (أي تمويل المؤسسات الإسلامية)، ما أسهم، من حيث لا تشاء السلطات السعودية، في خدمة تطرف إسلامي (جهادي) قاده على الخصوص أسامة بن لادن وما تلاه من جماعات سلفية جهادية أدت في النهاية إلى مولد تنظيم الدولة "داعش" وما يقوم به في معظم الدول الإسلامية من قتل وتخريب وإرهاب.
في حين تحول الموقف السعودي الأن . وخصوصا منذ تولي الأمير الشاب محمد بن سلمان ولاية العهد السعودي فقد حدد مثلث الشر الذى يواجه المملكة والمنطقة والعالم بأسره بقوله: «نجد في المثلث أولا النظام الإيراني الذى يريد نشر أيديولوجيته الشيعية المتطرفة، جماعة الإخوان المسلمين، وهى تنظيم آخر متطرف؛ وهم يريدون استخدام النظام الديمقراطي لحكم الدول وبناء خلافات ظل في كل مكان، وبعد ذلك يحولونها إلى إمبراطورية إسلامية حقيقية». أما عن الضلع الثالث، فيقول ولى العهد: «الإرهابيون- القاعدة وداعش- الذين يريدون أن يفعلوا أي شيء بالقوة». واقتصاديا، قرر الأمير الشاب ألا يسير في نهج من سبقوه بالاعتماد على الاقتصاد الريعى القائم على بيع النفط، بل قرر فتح بلاده لكافة أنواع الاستثمار، فأعلن مشروع نيوم وغيره من المشروعات التي يسعى بن سلمان لأن تحمل اقتصاد بلاده خلال المرحلة المقبلة.
وهناك نقاط أخرى ذات أهمية بالغة، تتعلق بالخصوصية الدينية والفكرية والثقافية للمجتمع السعودي، حيث الفكر الوهابي السلفي، والتيارات التكفيرية والإخوانية و«الصحوية»- المستمدة من أفكار السلفية المتشددة، التي لازمت هذا البلد لعقود طويلة، وتسببت فى كثير من الأحيان في بزوغ الفكر المتطرف والإرهابي في كل أنحاء العالم، وخاصة منطقة الشرق الأوسط، حيث نشأ التيار الوهابي مع التأسيس الأول للسعودية، على يد الشيخ محمد بن عبدالوهاب بسلفه وخلفه.
وكشفت كل التصريحات التي أطلقها «بن سلمان» في كل لقاءاته، عن أن المملكة باتت على مقربة من التخلص تمامًا من الأيديولوجيا التي تحكمت في كل تحركات عموم المجتمع السعودي، والتي تمثلت في عقيدته السلفية وتحديدًا الوهابية الحنبلية، والتي كانت تسيطر على مناهج التعليم العامة، وبرامج الدعوة العامة من العلماء والدعاة داخل المؤسسات الدينية وخارجها.

*****
هوامش ومراجع

كان الاعتماد الأساسي في كتابة هذه الورقة على ما نُشر في موقع بوابة الحركات الإسلامية
(1) موقع الحجاز http://www.alhejaz.org/seyasah/016109.htm
(2) أسرار احتلال الحرم المكي "ساسة بوست" http://www.sasapost.com/secrets-occupation-the-holy-mosque
(3) رواه أبو داود (رقم/4291) وصححه السخاوي في "المقاصد الحسنة" (149)، والألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/599)
(4) بوابة الحركات الإسلامية، جهيمان العتيبي.. مؤسس السلفية المحتسبة http://www.islamist-movements.com/25701
(5) ناصر الخزيمي، أيام مع جهيمان الشبكة العربية للأبحاث والنشر
(6) الوثائق من موقع الصفصاف http://www.safsaf.org/word/12-10/104.htm
(7) كتاب "حتى لا يعود جهيمان: حفريات إيديولوجية وملاحق وثائقية نادرة"
(8) بوابة الحركات الإسلامية "صدمة" جهيمان.. أعادت السعودية للوهابية http://www.islamist-movements.com/show.aspx?id=33075
(9) "حتى لا يعود جهيمان: حفريات إيديولوجية وملاحق وثائقية نادرة" ص 92
(10) المصدر السابق ص 165
(11) بوابة الحركات الاسلامية "صدمة" جهيمان.. أعادت السعودية للوهابية http://www.islamist-movements.com/show.aspx?id=33075
(12) منبر التوحيد والجهاد
(13) بوابة الحركات الاسلامية: وثيقة: جهيمان والحاكمية.. قراءة في "رسالة الإمارة والبيعة والطاعة" http://www.islamist-movements.com/25726

شارك