مجلة "الفيصل" تبحث.. هل التصوف هو البديل لحركات الإسلام السياسي؟

الأربعاء 03/يوليه/2019 - 01:59 م
طباعة مجلة الفيصل تبحث.. روبير الفارس
 
 فتحت مجلة " الفيصل " السعودية  ملف التصوف  طارحه السؤال الذى اصبح متدوالا علي مائدة الباحثين .هل التصوف هو البديل الان لحركات الاسلام السياسي  وقالت المجلة في مقدمة الملف  ينتقل التصوف من الهامش إلى صدارة المشهدين الفكري والديني، مدفوعًا باهتمام غربي في المقام الأول، وعربي وإسلامي، ووراء هذا الاهتمام ما تشهده المنطقة العربية من عنف طليق وتطرف طالت نيرانه بلدانًا عربية وغربية عدة.
في العقدين الأخيرين، وبخاصةٍ بعد أحداث عام 2001م، كثرت بحوث الغربيين عن التصوف الإسلامي، بحسب رضوان السيد، بوصفه مخرجًا من التطرف، وقد بدأ تلك البحوثَ دارِسو الإسلاميات، ثم مؤسساتٌ بحثيةٌ أوربية وأميركية بتكليفٍ من حكوماتها. إذن، كما يطرح بعض الباحثين في هذا الملف، أصبح التصوف من الخيارات المطروحة بقوة اليوم، كبديل للخطابات الإسلامية التي أضحت هشاشتها وأضرارها محلّ اتفاق من جانب أغلبية المعنيين بالشؤون الدينية.
فالتجربة الصوفية تجاوزت، في رأي محمد بن الطيب، في أبعادها الإنسانية فكرة القبول بالآخر والتعايش معه والتسامح مع اختلافه في الملّة، إلى محبته ورحمته والشفقة عليه والإحسان إليه ونفي أي شعور بالتفوق عليه، إضافة إلى أن قيم التصوف وأخلاقه تَقِي مخاطرَ التعصب ونوازع الغلوّ والتطرّف.
غير أن هناك من يرى أن وقوع الاختيار على الصوفية لتلعب دورًا في الراهن الإسلامي، يأتي لتقارب أفكار الصوفية مع الديانات الأخرى، فضلًا عن دعوتها الدائمة إلى تفعيل اللطف والتفاعل والتعاون، وهو ما تجلى في البلقان وآسيا الوسطى وإفريقيا الغربية وتركستان الشرقية، كما يطرح شحاتة صيام. لدينا إذن أكثر من صورة للإسلام؛ الصورة الأولى التي كوَّنَها الغرب، ويميزها التطرف وكره الغربيين، والأخرى تؤمن بالحب والتعايش، في تأكيد غربي أن مستقبل العالم الإسلامي سيكون حتمًا للتيار الصوفي… وتتويجًا لذلك فقد أوصت لجنة الكونغرس الخاصة بالحريات بضرورة تشجيع الحركات الصوفية لتكون آلية فاعلة على الصعيد السياسي.
لكن، من ناحية أخرى، التصوف يواجَه بمجموعة من الإحراجات، فالصوفي، كما يقول خالد محمد عبده، غير معنيٍّ بفكرة إصلاح المجتمع؛ إذ يضع ذلك في مرتبة ثانوية، ويركِّز على ترقّيه الشخصيّ نحو الله، ويحاول بفنائه في الله أن يغدو وَحْدَه الإنسانَ الكامل، ولكنه إنسان حزين ومنعزلٌ ومنفصلٌ عن البيئة الاجتماعية. ويرى تركي الحمد أنه على الرغم من تعدد تعريفات الصوفية وتطوراتها عبر القرون، فإن بنيتها وجوهرها في تناقض وجودي مع نهر الحياة.
إذن، كيف يمكن للصوفية أن تحلّ بديلًا، وتنقذ العالم من شرور التطرف؟
تسعى «الفيصل» في ملف حول الصوفية، يشارك فيه مفكرون وباحثون وأدباء، إلى أن تتقصَّى مرامي الاهتمام بالصوفية، وتوضِّح مدى مقدرة الصوفية على أن تكون بديلًا للمذاهب الإسلامية، وأن تسهم في إشاعة السلام وترسيخ قيم المحبة والتعايش والقبول بالآخر، إضافة إلى إطلالة على الصوفية والمتصوفة، نساء ورجالًا، وتأمل تجليات الصوفية في النص الأدبي وفي السينما.يوجد من يرى أن الطرق الصوفية عابرة الحدود مثل البراهانية والشاذلية والرفاعية لم تستطع توحيد صفوفها؟ هل ذلك يعود إلى عقيدة لديهم، أم أن الأنظمة لم تترك لهم فرصة التعود على ممارسة العمل السياسي؟ هل يمكن الرهان عليهم في المستقبل كبديل عن الإسلام السياسي المتشدد، أم أن المتصوف يتناقض مع الاشتباك السياسي؟ «الفيصل»
يقول ألاكاديمي التونسي – بجامعة السوربون عادل لطيفي: المتصوفة مكون مهم من مكونات الثقافة العربية والإسلامية عمومًا عبر تاريخها، وذلك على الرغم من المحاصرة التي فرضها الفقهاء وعلماء النص. وحده التصوف تمكن من منافسة العقل الفقهي الإجرائي بعد تراجع تأثير الكلام المعتزلي. وقد تمكن حتى من التفوق عليه في البلاد المغاربية منذ القرن الرابع عشر بانتشار «تصوف العوام» أو ما يسمى بالإسلام الولائي (أولياء الله) وذلك منذ القرن الرابع عشر الميلادي.
وقد تأسس التصوف على قاعدة التجربة الفردية فأعطى التصوف الفردي من خلال شخصيات مثل الجنيد ورابعة العدوية والحلاج وابن عربي وجلال الدين الرومي وغيرهم. وبحكم تركيز هؤلاء على الإيمان كتجربة فردية بعيدًا من العقل الإجرائي الفقهي، انحصر تأثيرهم في العامة وبالتالي في الحياة السياسية.
لكن الأمر يختلف مع الطرق الصوفية التي ظهرت لاحقًا، فقد مزجت بين الإسلام الشعبي العفوي وبين البعد الاجتماعي، فقد كانت الطريقة الصوفية مجتمعًا مصغرًا تستمد نفوذها من الوليِّ المؤسِّس وبخاصة من مقامه الذي يسمى في البلاد المغاربية «الزاوية». ولذلك كانت تنافس الحكم القائم كما كان الحال في المغرب الأقصى مع زوايا نافذة مثل زاوية تادلة. ونجد اليوم هذا التأثير نفسه للطريقة النقشبندية في الجزء الآسيوي من العالم الإسلامي.
أما اليوم وبحكم تأكد الدولة الوطنية كإطار للعمل السياسي وبحكم إفلاس ما يسمى بالإسلام الرسمي، إسلام السلطة، في تأطير الشباب، وبحكم انسداد أفق الإسلام السياسي بعد خيباته وجرائمه، فيبدو التصوف مؤهَّلًا أكثر لاحتلال موقع مهم في الحياة الدينية للمسلمين وليس في الحياة السياسية. فبعد أن جفف الإسلام السياسي منابع الإيمان بتركيزه على المسائل السياسية والإجرائية، فإن التصوف مؤهل لأن يعطي روحًا جديدة لهوية المسلم وهي إيمانه بعيدًا من منافسة الدولة في تنظيم الحياة العامة وبعيدًا من منافسة الأحزاب في الحياة السياسية.
ويقول الباحث محمد عفيفي: السياسة في العالم العربي بدأت متأخرة، سواء أرَّخنا لها من الثورة العرابية أو حتى من ثورة 1919م، لكن الطرق الصوفية بشكل عام لا تعمل في السياسة، ربما مارستها في بعض الدول، لكن في مصر، كدولة مركزية، كان من الصعب أن تلعب فيها دورًا سياسيًّا، فالمتصوفة لعبوا دورًا اجتماعيًّا كبيرًا، حتى عصر محمد علي وما بعده، وكل طائفة حرفية كانت تتبع طريقة صوفية، وكل منطقة أو قرية أو محافظة كانت تتبع طريقة صوفية، وحين كانت الدولة تقوم بحرب ما فإن أهل الطرق كانوا ينزلون لتأييدها بأعلامهم وهم يجوبون الشوارع، أشهرهم بالطبع أتباع السيد البدوي الذي يقال: إنه جاب اليسرا أو الأسرى.
لكن الأمر يختلف قليلًا في بعض البلدان الأخرى، ففي ليبيا لعبت السنوسية دورًا كبيرًا في مواجهة الإيطاليين، وكان عمر المختار من بينهم، وكان الملك السنوسي نفسه من المتصوفة، وفي السودان لعب المهدي وأتباعه دورًا ضد الحكم المصري في السودان.
والصوفية ليست وحدة واحدة، فهم عالم متنوع، ولم يطرحوا أنفسهم للعمل السياسي، ولا كبديل للجماعات الإسلامية الراديكالية أو غيرها، ولكن يطرحون أنفسهم بوصفهم وجهًا آخر للإسلام، ولا يدخلون في السياسة إلا مضطرين، ولا يمكن عدّهم بديلًا للإخوان أو السلفيين؛ لأنهم غير منظمين، هم حركات اجتماعية روحية، أما الإخوان والسلفيون فيقومون على مبدأ السمع والطاعة.
ويري الباحث المغربي في التصوف. حفيظ هروس يجب التمييز بين مستويات مختلفة في علاقة التصوف والصوفية بالسياسة، إذ ينبغي الانتباه إلى التمييز بين الصوفي الفرد وبين المؤسسات الصوفية، وهي الزوايا والطرق التي ينتمي إليها هذا الصوفي، وإذا كانت معظم المؤسسات الصوفية اليوم لا تمارس السياسة في شكل مباشر فإن الكثير من المنتسبين إليها يمارسون السياسة بشكل مباشر ويومي، يتولون فيها الكثير من المهام الحزبية أو مسؤوليات الدولة، فوزير الأوقاف المغربي على سبيل المثال ينتمي إلى زاوية صوفية معروفة، وهذا يؤدي إلى ازدواجية وجود الصوفي بين عالمين؛ عالم التصوف الخالص الذي يمارسه في إطار الزاوية أو الطريقة الصوفية، عبر صحبة شيخ صوفي يتولى توجيهه في مدارج ومقامات السلوك الصوفية، وعالم السياسة التي يمارسها من خلال حزب سياسي ينضبط فيه لأحكام القوانين واللوائح.
هناك من المتصوفة عبر التاريخ من اشتغل بالسلطة ومارس السياسة، سواء لمناجزة الظلم الداخلي أو مقاومة التدخل الخارجي، لكن هؤلاء ليسوا أكثر من حركات سياسية تدثرت بدثار التصوف.
رفض المتصوفة ممارسة السياسة والانشغال بالسلطة إلا عبر أفرادها، وأسباب ذلك يكمن بعضها في طبيعة التصوف، فالزهاد والنساك الأوائل آثروا هجر كل مظاهر الاشتغال بالسياسة، مؤثرين العكوف على العبادة، وذلك خوفًا من النكبة التي أتلفت بعض التجارب الصوفية التي حاولت تلمس طريق السلطة، فضلًا عن إدراك المؤسسات الصوفية أن الأنظمة السياسية الحاكمة في العالم العربي تعتقد أن التصوف يمكنه أن يشكل درعًا واقية لها ضد السلفية الجهادية والإسلام السياسي، وأنه قادر على تقديم نموذج للتدين غير مسيَّس، يمكن لهذه الأنظمة أن تستثمره بالطريقة التي تؤدي إلى تأييد وجودها والمحافظة على شرعيتها.
وتقول الباحثة المغربية عائشة موماد: بعض التيارات الصوفية الحالية أكثر خطرًا من الإسلام السياسي، فهي تيارات مسيسة بامتياز تغافلت عن هدفها في إصلاح النفوس والرقي بها وتهذيب المعاملات وتصحيح بعض التجاوزات إلى تجنيد النفوس بدلًا من الأرواح؛ من أجل خدمة بعض المصالح والأفراد.. فمن الخطير أن يتم ذلك باسم التصوف. التصوف ليس دينًا جديدًا حتى يعدّ وسطيًّا.. والإسلام ككل دين وسطي أساسه احترام الاختلاف وحرية الاعتقاد، والتصوف جاء تزكية للنفس وسموًّا للروح وتعاليًا عن العالم المادي الذي غرقت فيه البشرية، ثم انتقل التصوف من الاهتمام بالفرد إلى احتضان الأمة أو المجتمع، لكن واقعنا لا يُظهر ذلك، فأصبحنا شراذم ومجموعات يتعالى بعضها على بعض ويدعي بعضها امتلاك الحقيقة المطلقة.. وهذا بعيد من التصوف.
ويقول الباحث الكويتى  العباس يوسف الحداد: التصوف منذ نشأته نأى بنفسه عن الدخول في السياسة؛ لأن التصوف حالة من السمو والصفاء الذهني والروحي، فضلًا عن أنه أقرب إلى الانطواء والعزلة التي يحياها الصوفي في نفسه. الحركات الصوفية سواء الروحية أو المادية كانت ردة فعل لحالة الفوضى التي اعترت المشهد سواء السياسي أو الديني أو الاجتماعي؛ لذا فإن الصوفي لا يُعنى بالسياسة بقدر عنايته بالبحث عن معنى الحقيقة في وجوده، سعيًا لتحقيق هدف رحلته الأرضية التي تقوم على الكسب والترقِّي والتخلِّي والتحلِّي.
أما سبب اهتمام الغرب بالصوفية والمتصوفين فيرجع الفضل فيه إلى مجموعة المستشرقين الذين أسهموا إسهامًا كبيرًا في تحقيق أهم المصادر الصوفية وإخراجها في تراثنا الإسلامي، من أمثال المستشرق رينولد نيكلسون الذي أخرج لنا: «تذكرة الأولياء» لفريد الدين العطار، و«مثنوي معنوي» لجلال الدين الرومي، و«اللمع» لأبي نصر السراج الطوسي. والمستشرق آرثر آربري الذي أخرج لنا: «التعرف لمذهب أهل التصوف» للكلاباذي، وكتاب «الرياضة» للحكيم الترمذي، و«المواقف والمخاطبات» للنفري، وكذلك المستشرق لويس ماسينيون الذي أخرج: «أخبار الحلاج» وكتاب «الطواسين» للحلاج وغيرهم.
التصوف لا يُعنَى كثيرًا بالأديان والمذاهب واختلافاتها وإنما تنصب عنايته الكبرى على الإنسان؛ إذ يشترك الكل مع الكل في الإنسانية، ويختلف بعد ذلك في الهوية من ديانة وعرقية وطائفية وقبلية وسياسية… إلخ، وقد ذكر المستشرق الألماني يوحنا كريستوف بيرجل في أحد اللقاءات الصحافية أن ثمة رأيًا سائدًا عند مثقفي الغرب المهيمن بفتح حوار مع العالم الإسلامي، ونقطة هذا الحوار الإسلامي المسيحي ينبغي أن تتمثل في الفكر الصوفي.
والتصوف هو أحد مدارج ومعارج الحقيقة التي يسعى لها الإنسان حين يعي معنى إنسانيته ويمضي بالبحث عن الحقيقة، فيخطئ تارة ويصيب تارة أخرى وهو غير منشغل بالنتيجة بقدر انشغاله بالحقيقة من دون سواها، ولا يهدر الشريعة لأنه يدرك أن حقيقةً من دون شريعةٍ باطلةٌ، وشريعة من دون حقيقة عاطلة.
وتري الباحثة الليبية أريج خطاب أن التصوف له دور في تحرير الوعي من الحدود الضيقة لفهم الدين وجعله مجرد شريعة، وبسط مفهومه لعامة الناس حتى يمكنهم فهمه واستيعابه وتطبيقه، هذا هو جوهر الاتجاه العام للمتصوفة، وأقصد بالمتصوفة هنا علماء الدين، بعيدًا من الممارسات التي أساءت للفكر الصوفي وإلى الدين، فلم يكن المتصوفة علماء دين فقط، يقربون الشريعة للناس على الوجه الصحيح، بل كانوا من جانب آخر في حياتهم قادة للمجتمع اجتماعيًّا وسياسيًّا، من دون أن يميزوا أنفسهم عن الناس، يلتف حولهم الناس ويثقون بهم ويعملون بما يوجهونه تسليمًا وقناعة وإذعانًا كاملًا وحبًّا وثقة.
والقول: إن التصوف يمكن أن يلعب دورًا سياسيًّا بديلًا للجماعات المتشددة، قول مجحف وجاحد لدور المتصوفة الديني والوطني، وبعيد كامل البعد من حياتهم العلمية والعملية البسيطة القريبة من حياة الناس، لكن إذا كان المقصود بكلمة بديل هو العلاج لظاهرة التشدد فإنني أرى أن للمتصوفة دورًا مهمًّا في تخفيف التشدد والنظرة الأحادية في تفسير الدين والممارسات الضيقة للإسلام، وحصره في يد فئة أو طائفة أو مجموعة تحتكر وحدها تفسير الإسلام وتطبيقه.

ويقول الكاتب السعودي سعود  البلوي: ما زال التصوف يؤدي دورًا كبيرًا في حياة كثير من المسلمين في العالمين العربي والإسلامي، ويوجد للصوفية أتباع من جميع الطبقات الاجتماعية النخبوية والعامة، إلا أن العدو اللدود في الصوفية وغيرها هو الجهل، كما جرى تسييس الصوفية، وهو ما جعلها حركة لا تختلف عن بقية حركات الإسلام السياسي، وهذا هو المحك الذي يجعلها تبعد من مبادئها وأصولها المبنية على الحب في العبادة، كما أن جهل الأتباع واستغلال بعض القيادات لذلك قد يجعل الصوفية خطرًا في انتهاجها التطرف.

الفرق المبنية على الفكر الديني في العالم الإسلامي والعالم أجمع لا تتوجه إلى الفرد بل إلى الجماعة، ولذلك تكون الطقوس الصوفية وغيرها ذات طابع جماعي، وهذا ما يجعل الفرد مغيبًا عن القيام بدوره وعن الاختلاف في الرأي وعن التصوف الحقيقي الذي هو رغبة الفرد العاطفية والدينية، ولذلك تحول الجماعات الدينية إلى جماعات سياسية أمر وارد، رغم أن القيادات لهذه الجماعات قد يكون أصلًا لديها برنامج سياسي وإن لم يعلن، وبذلك تفقد أية جماعة روحية رونقها الديني، وتتحول إلى أداة تنفيذية لأيديولوجيا غير روحية.

الغلو أمر وارد في الفرق والحركات المبنية على الفكر الديني، ونجد أن بعض القيادات السياسية في العالم الإسلامي عُرفوا بتصوفهم، ولذلك فإن الصوفية خاصة تعاني خطر انتقال الغلو إليها نتيجة للمؤثرات الثقافية والحضارية والفكرية المعقدة في عصرنا الحالي، التي قد تجد اصطدامًا مع مبادئ الصوفية الأولى القائمة على ما نستطيع تسميته بـ«الرومانسية الدينية»، على الرغم من أن الغلو يكون فرديًّا ولا ينسب إلى الفرقة إلا أن تأثيره قد يمثّل ضررًا كبيرًا عليها، من خلال تأثر فكر الأتباع، ولا سيما أن الصوفية في العالم الإسلامي لديها قاعدة اجتماعية واقتصادية ضخمة. وما زالت الصوفية تظهر كأنها منعزلة عن محيطها الفكري والاجتماعي، وبخاصة في ظل التركيز على الجهالة والخزعبلات التي قد لا تكون أصيلة فيها. إلا أنه من جانب آخر ما زالت حقيقة الصوفية ذات أبواب مغلقة فعليًّا، شأنها في ذلك شأن بقية الفِرَق الإسلامية التي يكون أحيانًا ظاهرها شيء وباطنها شيء آخر، والقناعة الراسخة اليوم تقول: إن كل هذه الحركات ذات برامج سياسية بشكل أو بآخر، وبالتالي يزداد الانكفاء والانعزال من أجل تحقيق هذه البرامج، فالحل إذن بتطهير الصوفية من السياسة وإعادتها سيرتها الأولى المتمحورة حول فلسفة العبادة وربطها بالكون والحياة، وعلى الجانب الآخر فإن «المتصوف» ليس منعزلًا بالمعنى الحرفي للكلمة وإن كان يفضله لتماهيه مع واقع التأمل الذي يعتنقه.


ويختتم الباحث خالد العنزي التحقيق قائلا 
يتجه كثير من الباحثين والأكاديميين إلى أن الصوفية تمتلك عددًا من السمات تجعلها خيارًا للمؤسسات الرسمية ودوائر صنع القرار لملء الفضاء الاجتماعي والسياسي بعد المفاصلة والقطيعة التي حدثت بين الأحزاب الدينية والسياسات الرسمية عقب حقبة الربيع العربي، من تلك السمات أن بنية التصوف تقوم على مجافاة السياسة، والإرث الصوفي عبر التاريخ الإسلامي يؤكد ذلك؛ لأن السياسة ممارسة دنيوية جماعية تتنافى مع مبدأ الزهد والصفاء الروحي والترقِّي في العشق الإلهي، إضافة إلى الخوف من تقلبات السياسة وبطشها لكون الصوفية تتماهى مع مبدأ الاستضعاف والاكتفاء بالوعود الغيبية.

ولا يمكن إنكار أن للصوفية نكهة روحانية وجاذبية ثقافية تجعل من تسويقها والاستثمار فيها فكريًّا وسياسيًّا خيارًا مجديًا، فالصوفية مفعمة بالفنون، ومشبعة بالفلسفة، ويتصف تراثها بثراء روحي حتى أصبح التصوف الفلسفي جوهر الصوفية من خلال رموزها وعناوينها التاريخية الكبيرة مثل الحلاج وابن عربي وجلال الدين الرومي والتبريزي والغزالي وغيرهم، أضف إلى ذلك المسحة الروحانية والنورانية للشخصية الصوفية التاريخية الغارقة في السلام والبعد من الصراعات وقدرتها على استيعاب الآخر. وللصوفية اتصال روحي عالٍ مع الفنون خصوصًا الموسيقا التي تمثل جزءًا من الطقوس والممارسات التعبدية والإيمانية، فأضحت هذه المقامات الموسيقية من أهم عوامل الجذب ولفت الأنظار للكثيرين الذين أبدوا اهتمامًا بالتعرف إلى الطرق والمدارس الصوفية؛ بسبب الموشحات الموسيقية، وحلقِ الذكر الترنُّمية خصوصًا في بلاد المغرب العربي والشام؛ ساهم ذلك في تخفيف حدة التعاطي مع الصوفية في تلك المجتمعات، وهو ما يساعد في دعم جهود الحكومات التي تسعى إلى تعزيز صور مجتمعاتها المنفتحة على الحداثة والتمدن، ونفي اتهامات الانغلاق والتشدد عن هذه المجتمعات. لا يشكل المكون الصوفي عنصرًا مشاكسًا أو منافسًا للسياسي؛ ذلك أن الصوفية لا ترتكز على منطلقات ومرتكزات اعتقادية لها صفة تقديسية أسوة ببقية الحركات والجماعات الإسلامية الكلاسيكية، بل إن الصوفية لا تملك شخصية ثورية أو صدامية في الأصل وهي تستهدف الفرد وليس الجماعة (المجتمع)، كل هذا كفيل برفع الضغوط والحرج عن السياسة للدول في المنطقة في مواجهة القوى الكبرى والنظام الدولي والمصالح الغربية، كما أن المفاهيم الإسلامية الكبرى (الجهاد والولاء والبراء… إلخ) ليست ضمن مبادئ وأولويات المكون الصوفي، وهو ما يسهل أمر تسويقه داخليًّا وخارجيًّا، مما يعني أن هذه الحكومات لن تخرج صورتها الذهنية من عباءة الهوية الإسلامية، ولن تتهم بأنها تنكرت للإسلام.

في المقابل لا يُمكن إغفال حقيقة أن محدودية القبول وانتشار الطرق الصوفية، نظرًا لمحاصرتها بتراث أصولي وفقهي سلفي صارم وحادّ، جعلها نقيضًا للهوية العامة للأمة ولا تملك حق تمثيل الهوية السُّنِّيَّة، وهو ما أدى إلى عدم تصنيفها ضمن دائرة السنة والجماعة فعليًّا، وهذا يجعل من الرهان عليها أمرًا مستحيلًا في ظل صعود وهيمنة الخطاب الثقافي الإسلامي التقليدي، فأي تفويض تستطيع الصوفية منحه للسياسات الرسمية في هذه الحالة، وهذا يؤدي إلى مُشكل جوهري في معادلة السياسة والدين في العالم العربي؟! لا يمكن وضع الصوفية في إطار واحد هكذا كأنها نُسخ متكررة، بل يوجد تباينات واسعة بين الطرق الصوفية بحسب البيئات والأنظمة الثقافية والسياسية القائمة. يمكن القول: إن الصوفية في الخليج العربي وتحديدًا السعودية لا تتبنى الطقوس الشعائرية المتعارَف عليها مثل الموالد والموشحات والاحتفالات الدينية، كما لا توجد منصات أو عناوين ثقافية وإعلامية تتحدث باسم الحركة الصوفية ومجتمع التصوف. كل ذلك يمكن فهمه في سياق الطبيعة البنيوية لهذه المجتمعات والدول التي تتبنى رسميًّا الاتجاه السلفي خصوصًا السعودية، وهو ما كان له دور في محاصرة نشاطات ومراسم التصوف وحرمانه من تكوين رصيد شعبي أو حاضنة اجتماعية. بذلك يتضح أن التصوف في مجتمعات الخليج في الواقع الحالي يشكل في الأغلب ممارسة تربوية وتهذيبية تعمل على تنقية الفرد وتزكية الأخلاق، ومن غير الواضح حتى اللحظة ما إذا كان هنالك فرصة للتفاهم مع الحكومات للعب أدوار مستقبلية ينتج عنها ميل الطرق الصوفية للإعلان عن وجودها رسميًّا، وربما تشكيل أطر فكرية وحركية مماثلة لمنافسيها من الحركات الفكرية على الساحة.

شارك