عُمان بعد السلطان قابوس.. تحديات الداخل والخارج

الأحد 12/يناير/2020 - 07:16 م
طباعة عُمان بعد السلطان ريم عبدالمجيد
 
أحدث السلطان قابوس بن سعيد تطورًا هائلًا في سلطنة عمان في كل المجالات، وكذلك في الداخل والخارج، هذا يفرض على السلطان الجديد –هيثم بن طارق- ضرورة الحفاظ على هذا التطور والاستمرار فيه، بما يحول عمان من بلد يعتمد على النفط إلى نموذج اجتماعي اقتصادي أكثر توازنًا لدرء التدهور الاقتصادي، وبالتالي عدم الاستقرار الاجتماعي، وكذلك الحفاظ على التماسك والاستقرار الفريدان للأمة العمانية، والذي كان يُعزى لحد كبير إلى شرعية السلطان قابوس، بجانب ضرورة توطيد سلطته الشخصية على الصعيدين المحلي والإقليمي.



أولًا تحديات الخارج:

1. السياسة الخارجية:

كانت السياسة الخارجية العمانية المتوازنة إلى حد بعيد في سلطنة عمان العنصر الأساسي في البلاد منذ ما قبل تولي قابوس السلطة، فحرصت على اتباع سياسة الحياد مع كل القوى الإقليمية والدولية، وقد تسببت تلك السياسة في حدوث توترات مع دول الجوار لها؛ لأنها سمحت لها ببناء علاقات دبلوماسية جيدة مع كل الأطراف، خاصة طهران والولايات المتحدة، مع بدء مرض السلطان قابوس أثيرت مخاوف حول محاولة القوى الإقليمية الضغط على السلطان الجديد في أيامه المبكرة للتخلي عن ممارسة سياسة الحياد.

ولكن يبدو أن الداخل العماني لا ينذر عن حدوث أي تغيير في الموازنة السياسية بتغير القيادة الجديدة أو في مواجهة الضغوط، فيرى العمانيون أن سياستهم الخارجية لها تاريخ طويل، جعل موقفها الصريح من جميع الجهات الفاعلة في المنطقة جزءًا من هويتهم وليس فقط جزءًا من إرث السلطان قابوس على وجه التحديد، وهو ما أكده السلطان هيثم بن طارق في خطابه بقوله إنه سيلتزم بخط السياسة الخارجية الذي اتبعه سلفه السلطان قابوس، لاحترام سيادة الدول، والحرص على التعاون الدولي في كل المجالات.(1)

2. العلاقة مع إيران:

لعبت عمان دورًا فريدًا في ميزان القوى في الشرق الأوسط كقناة دبلوماسية بين طهران من جانب ودول الخليج من جانب آخر، وفي السنوات الأخيرة حاولت طهران تعميق علاقتها بعمان في العديد من المجالات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية، بما يدفع إلى القول بأن إيران ستوطد علاقتها بالحاكم الجديد كي تحافظ على علاقات بين البلدين تقوم على إرث السلطان قابوس، وعلى الجانب الآخر قد تحاول دول مجلس الخليج التأثير عليه كي يبتعد عن طهران؛ خاصة أنهم رأوا أن سياسة السلطان قابوس الخارجية تجاه إيران تقوض الأمن الجماعي للمجلس.



ولكن إذا حافظ السلطان هيثم على الاستقرار والتماسك الوطني بعد حكم قابوس فمن المحتمل أن تُحرم عمان الجهات الخارجية من فرصة التأثير على توجهات السياسة الخارجية لها.



جدير بالذكر، أن عمان تحافظ على ألا تكون علاقتها مع طرف على حساب تحالفاتها مع الأطراف الأخرى، كما أنها نجحت من قبل في مقاومة الضغوط الخارجية لسحبها نحو انتهاج سياسة خارجية معينة، بما جعل استقلالية صنع السياسة الخارجية أمرًا متأصلًا بقوة في عمان، وسيجعل من الصعب تغييره في حكم ما بعد قابوس.


3. الجماعات المتطرفة:

مثلت بعض الدول في مراحل انتقال السلطة فرصة جيدة للجماعات المتطرفة لاستغلالها بإجراء عمليات بها، أو بسط نفوذها فيها أو تجنيد مواطنيها أو إثارة فتن طائفية، وقد توقع البعض أن تهدد الجماعات المتطرفة في اليمن مثل تنظيم القاعدة أو داعش أمن عمان في مرحلة ما بعد قابوس؛ خاصة أن القاعدة تسيطر على منطقة حضرموت في اليمن، بما في ذلك الميناء البحري الرئيسي، وتقع على بعد 370 ميلًا فقط من ميناء صلالة في سلطنة عمان بجانب أن محافظة ظفار العمانية تشترك في حدود طولها 187 ميلًا مع اليمن، بما يجعل من المحتمل تسلل المتطرفين من اليمن إلى ظفار، كما أن داعش قد تبحث عن موطئ قدم جديد لها أو تجري عملية تستعيد بها نفوذها عقب مقتل زعيمها على يد القوات الأمريكية. (2)

ولكن هذا السيناريو غير محتمل الحدوث في عمان كما تصور البعض لعدة اعتبارات، منها أنها تتميز بافتقارها إلى السمات اللازمة لنمو المتطرفين؛ حيث أرسى السلطان قابوس لعقود عديدة مبادئ التسامح والحوار واللاعنف، والتي حكمت العلاقات بين الجماعات الدينية والقبلية المتنوعة في البلاد، فأغلب التقارير الدولية حول الحرية الدينية تؤكد عدم وجود انتهاكات أو تمييز على أساس ديني في عمان. (3) بالإضافة إلى قيام عمان بنشر قوة عسكرية قوية على الحدود العمانية اليمنية؛ حيث قامت ببناء سياج على الحدود، كما أن حرس الحدود العمانيين مجهزون بشكل جيد لاعتراض محاولات تسلل المتطرفين.



ثانيًا تحديات الداخل:

1. الإصلاح الاقتصادي:

تعتمد سلطنة عمان –من الناحية المالية- على إيرادات النفط بشكل أكبر من قرائنها من دول الجوار، ورغم زيادة إنتاج النفط بما يقرب مليون برميل يوميًا، وبالتبعية زيادة الناتج المحلي الإجمالي، فإن زيادة عدد السكان بشكل كبير على مدار العشرين عامًا الماضية، وكذلك زيادة التكاليف الاجتماعية والبنية التحتية، وكذلك نفقات الصناديق السيادية، جعلت إيرادات النفط غير كافية لتغطية النفقات التي تلقي أعباء على موازنة الدولة، خاصة في حال تراجع أسعار النفط، هذه الأزمة أنذرت عن ضرورة تنويع الاقتصاد بجانب تشجيع الاستثمار الأجنبي، وكذلك المشروعات العمانية الصغيرة والمتوسطة، وهو ما حرص السلطان قابوس على تنفيذه في البرنامج الوطني لتنويع الاقتصاد، ولكن هذه المسيرة الإصلاحية كان يدفعها نحو النجاح السلطان قابوس، ولكن مرضه ووفاته بعد ذلك يضعان مستقبل ملف الإصلاح موضع تساؤل حول مدى إمكانية استمرار نجاحه كما كان في عهد السلطان قابوس؛ خاصة في ظل وجود تحدٍ أمام السلطان الجديد –هيثم بن طارق- وهو بناء علاقة جيدة مع العائلات التجارية العمانية التي تهيمن على الحياة الاقتصادية، والتي قد لا تتنازل عن مزايا هيمنتها على السوق لأصحاب المشاريع الجدد في السوق الذين يحفز ظهورهم برنامج الإصلاح الذي وضعه السلطان قابوس.

بعبارة أخرى، احتكار القلة يمثل تحديًا لعملية تحرير السوق المنصوص عليها في برنامج الإصلاح؛ لأن دون مشاركتهم وتضحياتهم لإعادة التوازن الجذري للاقتصاد فإن البلاد بأكملها ستتعثر؛ خاصة أن الاقتصاد يحتاج إلى الاستعداد لمرحلة ما بعد النفط لإحداث التنمية الاقتصادية المطلوبة، والتي لن تحدث دون اشتراك القطاع الخاص ومساهمته بتنفيذ مشاريع داعمة للاقتصاد.

التحدي الآخر الذي قد يواجه ملف الإصلاح، وهو صعوبة تنفيذ مخطط تقليل النفقات؛ لأن أي تخفيضات تقوم بها الحكومة ستؤثر على شريحة كبيرة من السكان، بجانب وجود ضغوط هائلة؛ حيث أشارت توقعات صندوق النقد الدولي إلى وقوع مزيد من التدهور المالي خلال السنوات الخمس المقبلة، الأمر الذي سيتطلب مزيدًا من الاعتماد على الاحتياطيات الضئيلة بالفعل، يضاف لذلك وجود مشكلة في اجتذاب تمويل لمشروعات البرنامج الوطني الحكومي.


2. الاستقرار الاجتماعي:

نجح السلطان قابوس في توحيد بلد منقسم جغرافيًا وطائفيًا، وخلق هوية وطنية تضامن تحت مظلتها جميع المختلفين، بما مكن عمان من تجنب الانقسامات التي ابتليت بها منطقة الشرق الأوسط، ولكن قد تسبب التحديات الاقتصادية إثر التدهور المالي واحتمالية تراجع الإنفاق الاجتماعي في حدوث توترات داخلية كتلك التي حدثت في عام 2011، والتي نجح النظام في تحييد المشاكل المصاحبة لها قبل ظهورها، (4) ففي ظل الوضع الاقتصادي الراهن يثار تساؤل حول مدى قدرة السلطان هيثم بن طارق على تفادي حدوث تلك التوترات في سياق وجود انقسام بين القبائل والمناطق، بين السنة والأباضية، بين الساحل والعاصمة، وقد يتزايد بسبب الأزمة الاقتصادية، وسيقع على عاتق السلطان بن طارق ابتكار استراتيجية اجتماعية فعالة ومتطورة كي تمكنه من كسب ولاء «جيل التواصل الاجتماعي» الذي أضحى الجزء الأكبر من سكان سلطنة عمان.



وختامًا، يمكن القول أنه على الرغم من صعوبة التنبؤ بنهج السلطان هيثم بن طارق في الشؤون الداخلية والخارجية، إلا أنه بالنظر إلى مدى ضمان استراتيجيات السلطان قابوس في الصعيدين المحلي والدولي لاستقرار الأمة، فلا يوجد سبب ليغير خلفه موقع عمان في النظام الجيوسياسي لمنطقة الشرق الأوسط، أو يغير النظام الداخلي الذي أرساه السلطان قابوس.





الهوامش:

(1) «السلطان هيثم بن طارق يحدد مبادئ السياسة الخارجية لعمان ودورها الخليجي والعربي»، بوابة الأهرام، 11/1/2020، متاح على:http://gate.ahram.org.eg/News/2347710.aspx.

(2) Bel Trew, “Mukalla: Life after al-Qaeda in Yemen”, Independent, 17/8/2018, available at:https://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/mukalla-yemen-al-qaeda-civil-war-before-after-jihadi-terror-group-a8495636.html.

(3) U.S. commission on international religious freedom, “international religious freedom report: 2019”, April 2019, available at: https://www.uscirf.gov/sites/default/files/2019USCIRFAnnualReport.pdf.

(4) Simeon Kerr, “Oman swears in new sultan following death of Qaboos”, Financial times, 11/1/2020, available at: https://www.ft.com/content/b274993a-3444-11ea-a6d3-9a26f8c3cba4.

شارك