حسن البنا وأدبيات التطرف العنيف

الخميس 25/يونيو/2020 - 09:23 ص
طباعة حسن البنا وأدبيات حسام الحداد
 

تعتمد الحركات الإسلامية على العديد من المرجعيات الفكرية والتراثية التي تستقي منها تلك الفتاوى التي تستخدمها في قتل وإرهاب خصومها، ومن بين هذه المرجعيات حسن البنا الذي يعد مؤسس أكبر جماعة إرهابية في العصر الحديث، الجماعة التي أفرخت لنا عدد كبير من رموز الإرهاب وحركاته، وحول  "حسن البنا وأدبيات التطرف العنيف" تدور دراسة الباحث المغربي عثمان بلغريسي، والمنشورة في كتاب المسبار “مرجعيات العقل الإرهابي: المصادر والأفكار” والذي يتناول بعض المصادر النظرية التي يستند إليها «الجهاديون المتطرفون» و«التنظيمات الإرهابية» و«السلفية الجهادية» لإضفاء المشروعية المزعومة لعنفهم ضد المجتمع والدولة، ساعياً إلى تتبع المسارات التاريخية لنضوج الأيديولوجيات الجهادية على مستوى التنظير والتأصيل والتأثر، على اعتبار أن الفهم العام الذي يحاول تفسير ظاهرة «العنف الإسلاموي» لا بد له من استحضار الرموز والأطر العقائدية التراثية والحديثة، لتحديد القوالب النظرية التي ينهض عليها الخطاب السلفي الجهادي.

يشير عثمان بلغريسي إلى أن شخصية حسن البنا ( 1906-1949)، المنظِّر الأول لجماعة الإخوان المسلمين 1928، تثير انقساماً بين منتقديه وأتباعه أو أنصار المشروع الإسلامي الحركي بشكل عام، والمشروع الإخواني بشكل خاص، فهو الشيخ المسلح كما يصفه بعض نقاده، والمجاهد بالسياسة والقتال كما يراه بعض أنصاره. وأنه يمكن التعامل مع حسن البنا، باعتباره أحد المنظرين للتطرف، وتحمله مسؤولية مباشرة عن العنف الموجود في العالم.

واضح أن حسن البنا يتحمل المسؤولية الأدبية والأخلاقية عن إنتاجاته، التي كانت سبباً بشكل أو بآخر في وقائع وتطورات عدة، منها أحداث عنف ما زلت ارتداداتها إلى اليوم.

إن إنتاجات حسن البنا عبارة عن تعليمات مستخلصة من رؤيته للتراث الإسلامي وفق منهج أصولي، تؤطر نظرة مريدي جماعته في جميع مناحي الحياة؛ «الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً، فهو دين ووطن أو حكومة وأمة، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة»، وقد انبثق هذا التنظيم الذي أسسه البنا من دعوة تبتغي السيطرة على إدارة السلطة في المجتمع، فهو يعتبر «الحكومة الإسلامية صالحة ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدين لفرائض الإسلام غير مجاهرين بعصيان، وكانت منفذة لأحكام الإسلام وتعاليمه».

لم يترك حسن البنا ملامح فكر سياسي متكامل، خصوصاً أن محاولته لإعادة إحياء عناصر المثالية السياسية الإسلامية المتعلقة بالدولة، انتهت إلى إنتاج خطاب سياسي عام، وبدون تفاصيل كما نعاينها في النصوص الدستورية على سبيل المثال، وقد ساعدت هذه العمومية على اتساع دائرة الجماعة وأنصارها. في حين استلهم ميراث السلفيين الإصلاحيين الذين سبقوه، سواءً فيما يتعلق بالحفاظ على الهوية الإسلامية، أو الإصلاح الداخلي، أو العلاقة مع الغرب. 

ويتأسس هذا الموقف السلفي الذي تبناه حسن البنا على عدد من المبادئ. ابتداءً من احتكار «الفهم الصحيح للإسلام الذي لا يقبل الجدل إلا في الفروع». هذا الفهم الملخص في استلهام الحلول لمشاكل العصر من القرآن والسنة وتجربة «السلف الصالح»، وِفق «عقيدة أهل السنة والجماعة»، والذي لا ينبغي أن تمثله إلا جماعة جعلت القرآن دستورها وهي «جماعة الإخوان المسلمين». 

انطلاقاً من هذا يتأسس المبدأ الثاني وهو «الشمولية والعالمية»؛ أي الامتداد المجالي الموضوعي للدعوة الإخوانية. باعتبار الجماعة تحمل مرجعية نظرية تفسر كل شيء في الحياة وتحمل حلولاً جاهزة لمشكلات الواقع «الإسلام وتعاليمه يحيط بكل ما يخص الإنسان… فهو إيمان وعبادة، وطن ومواطنة، دين ودولة، روح وعمل، كتاب مقدس وسيف»، هذا المشروع غير المحدود بالمكان والزمان «جاء الإسلام الحنيف يعلن الأخوة الإنسانية ويبشر بالدعوة إلى العالمية»، كما أن «إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، وتحرير أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافتها وجمع كلمتها» هي من صميم الدعوة الإخوانية. وظهر هذا التوجه العالمي للإخوان المسلمين باستخدام فكرة «الرابطة الشرقية» التي بدأت مع أحمد زكي باشا، وتطورت فيما بعد عند جمال عبدالناصر في فكرة «الرابطة القومية». 

إن الرؤيا المتضخمة للدين، تبرر لضرورة نشوء جماعة تسهر على تنزيل الإسلام «الحقيقي»، فبناءً على المبادئ السابقة، وضع حسن البنا ثلاث قواعد يتأسس حولها نظام الحكم:

مسؤولية الحاكم أمام الله والناس. الوحدة والأخوة بين أعضاء المجتمع انطلاقاً من الوحدة في العقيدة: على اعتبار أن الوحدة قرين الإيمان والفرقة قرين الكفر. إرادة الأمة التي يجب عليها مراقبة الحاكم ونصحه.

يختتم الباحث دراسته بأن حسن البنا أعاد إحياء عناصر المثالية السياسية لدى الأصوليات، وأنزلها من الأذهان إلى الأعيان ليصوغها في قالب حركي تنظيمي يحتكر الحديث باسمها دون تجديد أو إصلاح يفيد الوطن بله الأمة، لأن هاجس التنظيم الديني شبه الطائفي كان حاضراً في جهازه المفاهيمي، كما يلخص ذلك انتصاره لخيار «الحزب الوحيد» القادر على «لم شمل الأمة»، والذي يفترض فيه أن يكون «إسلامياً خالصاً» وهو حزب «الإخوان المسلمين»! وربما لم تستفد الجماعات الإسلامية المتشددة، أو جماعات «التطرف العنيف» التي ظهرت بعد تجربة حسن البنا من الأدبيات التي أنتجها على المستوى الفكري، غير أنها اقتدت به في طرق الدعوة وأسلوب الخطاب والتدجين وتقنيات التدرج في الانتشار، وأيضاً على المستوى التنظيمي المحكم الهرمي القائم على السرية والانضباط.

شارك