النمنم ..نصر ابو زيد في تالق رغم الرحيل

الإثنين 13/يوليه/2020 - 08:27 م
طباعة النمنم ..نصر ابو روبير الفارس
 
صحاب الأفكار العظيمة لا يموتون .بل تبقي أعمالهم تتحدث عنهم . و مع كل قارئ يكتشف أفكارهم يتألق وجودهم من جديد .ويعد المفكر الدكتور نصر ابو زيد .اكبر مثال على ذلك .وفي ذكري رحيله  العاشرة كتب وزير الثقافة السابق 
حلمى النمنم تحت عنوان
نصر أبو زيد..تألق فكرى رغم عشر سنوات من الرحيل
يقول 
الأحد الماضي الخامس من يوليو،مرت عشر سنوات بالتمام والكمال على رحيل المفكر والمجدد د.نصر حامد ابوزيد،أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة القاهرة عن عالمنا،إثر إصابته بفيروس في المخ لم يمهله طويلاً ،كان نصر ضحية اختراق المتأسلمين لبعض جامعاتنا ولجانها العلمية وذلك الاختراق أتاح لهم الدفع بعدد من عناصرهم إلى التعيين كأعضاء في هيئات التدريس بها وتسريب أفكارهم وسلوكياتهم إلى طلاب الجامعة عموما،فضلا عن تحكمهم بلجان الترقيات والمنح العلمي وكان نصر تقدم للترقية إلى درجة الأستاذية بالجامعة،وفي العادة يتم الترقي أو يرفض لأسباب علمية ومعايير منهجية،لكن د. نصر رفضت ترقيته لسبب آخر ،إذ رأى أحد المحكمين أن الأبحاث التي تقدم بها تنطوي علي كفر،ومازلت أذكر جيداً ،عبارة وردت بالتقرير العلمي تقول”هذا كلام كفر لا يكتبه إلا كافر”،كان ذلك العضو هو د. عبد الصبور شاهين وكان عضوا معينا بمجلس الشورى ويتولى موقعا قياديا في الحزب الوطني وقتها،حدثت مناوشات جامعية بين أساتذة كلية الآداب

وأساتذة دار العلوم، دافع أساتذة الآداب عن حق زميلهم في التفكير ودافع الآخرون عما تصوروه حقهم في أن الدراسات الإسلامية لا يجب لغيرهم الاقتراب منها، ويضيف النمنم في تقريره بمجلة المصور الصراع قديم ومتوارث بين الكليتين ،وكانت الحصافة العلمية تقتضي عدم الدفع بأبحاث أستاذ من الآداب في ذلك التخصص تحديداً إلى أستاذ في دار العلوم ،لأن الحياد العلمي لن يتحقق والأمانة العلمية تصبح موضع شك ، يضاف إلى ذلك أنه كانت هناك مسألة شخصية بين نصر وعبد الصبور
كان د. عبد الصبور -رحمه الله-على صلة بشركة الريان لتوظيف الأموال ،وكان نصر كتب مقالاً بجريدة”الأهالي”اتهم فيها عبد الصبور أنه يعمل مستشاراً لدى شركة الريان نظير مكافأة مالية ضخمة وبدلاً من أن يكتب رداً عليه أضمرها في نفسه ،حتى جاءت الترقية،يجب أن نعترف أن مثل هذه الأمور تقع في الترقيات العلمية بالجامعات،نتمنى أن تكون هذه المثالب تراجعت الآن،أخطأت اللجنة العلمية بوضع رأس نصر تحت مقصلة خصمه وأخطأ نصر أنه لم يختصم عبد الصبور من البداية ويطلب إبعاده عن أبحاثه هو،لكنه -كما قال لي وقتها-وجدها معيبة في التقاليد الجامعية،المهم تم رفض الترقية،وكان يمكن أن يظل الأمر هكذا،لكن المتأسلمين أخذوا هذا الملف وذهبوا إلى القضاء وطلبوا تفريقه عن زوجته،وصولاً إلى هدفهم وهو الحصول على حكم قضائي بكفره،وصدر الحكم الذي أرادوه،أصدره المستشار حسام الغرياني، رئيس لجنة وضع الدستور زمن حكم الإخوان.
كان نصر أبوزيد يسعى إلى تجديد الفكر الديني،وهو يستكمل في ذلك طريقاً بدأه الشيخ محمد عبده وعلي عبد الرازق وأمين الخولي وغيرهم، وكل هؤلاء وجدوا عنتاً من التقليديين والمتشددين،لكن في زمن نصر،كانوا توحشوا وبدا أن الأيام طابت لهم، وكانت بعض الأجنحة في الدولة تمسك بالعصا من المنتصف،تبدي وداً للمتأسلمين وتترك لهم بعض المساحات يمرحون فيها،تحديداً في مجالات التعليم والثقافة والصحة،ورغم كل التحذيرات والتنبيهات إلى خطورة مهادنتهم والتلاعب معهم،ظل الأمر على هذا النحو واضطر نصر إلى مغادرة مصر وزوجته د.ابتهال يونس الأستاذ بجامعة القاهرة إلى جامعة ليدن بهولندا ليعمل أستاذاً زائراً ،وهناك واصل أبحاثه وأتيح له الاطلاع على مصادر الدراسات الإسلامية في المناطق الآسيوية غير العربية،هولندا كانت على صلة استعمارية بأندونيسيا وماليزيا،وأتيح لجامعة ليدن الحصول على كثير من المصادر والمخطوطات من تلك المناطق وهناك التقى بعدد من الدارسين والمبعوثين المصريين والعرب وتتلمذوا على يديه بالإضافة إلى دارسين أوروبيين يسعون للتخصص في الدراسات الإسلامية،وكان يزور مصر على فترات متباعدة،،حتى عاد صيف سنة٢٠١٠ولقي وجه ربه.
وقال النمنم الدعوة التي نادى بها نصر أبوزيد تتبناها مؤسسات الدولة الآن وثبت للجميع من خلال السنة السوداء التي تولى الإخوان فيها الحكم،أنهم لا يريدون الدولة الوطنية،هم أنصار اللا دولة وأعداء الوطنية عموماً ،ورفعوا علينا نظريتهم”نحكمكم أو نحرقكم “،ومارسوا ضدنا أبشع عمليات الإرهاب وهذا ما نبه إليه نصر أبوزيد وحذر منه فرج فودة من قبل.
مضى نصر أبوزيد وطويت قضيته،وكانت هذه المجلة(المصور)صاحبة أول خبر ينشر عنها،وتابعنا تفاصيلها ودقائقها،حتى رحيله عن مصر،هي قضية فيها الإحن الشخصية والأحقاد الخاصة وزيف البعض وازدواجية البعض الآخر ،فضلاً عن تفاهة البعض ،حتى أن هناك من حصر الأمر في أنه نجومية نصر،وقد تابعت تلك القضية من لحظتها الأولى وحتى لحظة النهاية،وبها الكثير من التفاصيل المفزعة،راح هو ضحيتها،كان هناك الكثير من النبلاء وكثير كثير من الأوغاد،وكل ذلك كان يصب في صالح المتشددين المتأسلمين ،هزم نصر مؤقتاً ،لكن دعوته إلى التجديد لاتزال حية وباتت مطلباً عاماً وهذا انتصار لقضية وأفكار نصر.
هو دعا إلى ضرورة إعمال العقل في التعامل مع التراث عموما وكذلك إعمال العقل في فهم النص الديني
كان مفكراً نقدياً،ولذا لم يكن يجد غضاضة في الحوار والاختلاف وينصت جيداً إلى الآخرين ،لكنه كان يرفض التكفير،لأن هذا يعني ببساطة التثبت على ضمائر الناس وترهيبهم،إنها محاكم التفتيش ومن ثم الحجر على العقل ورفض التفكير،فارق بين أن تصارح كاتباً ومفكراً أنك تختلف مع تفكيره وقد ترفضه،أن تقول له أخطأت المنهج والبحث ،هذا مقبول وعادي،بل صحي،أما أن تتهمه بالكفر،فهذا يساوي الحكم بالإعدام .
بوفاة المفكر تنتهي حياته العادية،لكن أفكاره إن كانت جادة وعميقة تظل حية وممتدة ،وهذا ماحدث لأفكار نصر،كتبه الآن تطبع في معظم الدول العربية وكذلك بعض الدول الأوروبية ويتدارسها الباحثون هنا وهناك وتبين للمجتمع بعد تجربة مريرة أهمية تلك الأفكار والاحتياج الشديد إليها .
ولد نصر صيف سنة٤٣في قرية”قحافة”بطنطا ،تلقى تعليماً متوسطاً وانخرط في مجال العمل،ثم واصل تعليمه في كلية آداب القاهرة وتخرج بتفوق منها سنة١٩٧٢ وعين معيداً بها ونال الماجستير والدكتوراة،ولم يكن يبخل على تلاميذه وعلى الراغبين في المعرفة بأي جهد أو مساعدة.ولم يكن مجرد محاضر وأستاذ بالجامعة بل كان لديه اهتمام بالشأن العام والقضايا الوطنية ،صوتاً مستنيراً وطنياً ،ولو أن الله كتب له أن يمتد عمره،لكان الآن في السابعة والسبعين ولسعد بأن مشروعه البحثي وتجديد الفكر بات مطلباً عاماً ،لكن روحه تهنأ بذلك في العالم الآخر .

شارك