التأويليات والفكر العربي

الإثنين 27/يوليه/2020 - 12:18 ص
طباعة التأويليات والفكر أ.د عبد الباسط سلامه هيكل
 
تأتي علاقة الفكر العربي بالتأويليات خلال العقود المتأخرة في سياق سعي العقل العربي إلى تجديد ذاته وتطوير أسئلته بما يُتيح له التفاعل المُنتج مع مقتضيات العصر، والإفادة من منجزاته ومكتسباته. فمنذ الإرهاصات الأولى لانبثاق الوعي النهضوي والفكر العربي يبحث عن الروافد التي يستطيع بها استئناف ديناميته، فاسترسل بلا انقطاع في استشراف الانفتاحات التي تسمح بإثراء إنتاجيته وتوسيعها.
وهذا ما دفع "مختبر التأويليات والدراسات النّصية واللسانية" التابع لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة تطوان بالمملكة المغربية إلى الدعوة في منتصف أغسطس ٢٠١٩ للمشاركة بالكتابة والنشر والترجمة والتحقيق في مشروعه البحثي "التأويليات والفكر العربي" بُغية أن ينخرط الفكر العربي في مواجهة تحديات كثيرة: منها الوثوقيات العقائدية والسياسية، والانغلاق المذهبي، والانحصار في تخصصات ضيقة.
فاستكتب المُختبر في المشروع البحثي نخبة بارزة من المفكرين والأكاديميين والباحثين من المغرب وألمانيا ومصر وعدد من البلدان العربية الشقيقة في محاولة لرصد التوجهات الراهنة للفكر التأويلي العربي المعاصر والوقوف على نوع الإضافات التي انتهى إليها سواء في تفاعله مع المرجعيات الكونية للتأويليات، أو في تفعيله للتقاليد التأويلية العربية الإسلامية وتجديد فهمها. 
وكانت ثمرة هذا المشروع العلمي الذي استغرق عاما من العمل البحثي الدؤوب كتاب "التأويل والفكر العربي" الصادر عن دار الفاصلة للنشر بمدينة "تطوان" بالمملكة المغربية يوليو ٢٠٢٠، فبذل مختبر التأويليات والدراست النصية واللسانية وكلية الآداب بجامعة تطوان مجهودا موصولا واستثنائيا طوال سنة كاملة في الإعداد والمتابعة وتذليل الصعاب؛ ليخرج هذا العمل الفكري الرصين والمتميز، وكان من المخطط أن يخرج في مؤتمر دولي تُنظمه مؤسسة مؤمنون بلا حدود بالمشاركة مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة تطوان إلا أن الظروف الصحية العامة التي يعيشها العالم نتيجة جائحة كورونا حالت دون ذلك.
حاول الكتاب الإجابة عن الأسئلة التي عادة ما تُطرح كثيرا وتُلحّ على العقل العربي من قبيل ما الداعي إلى اشتغال العقل المعاصر بصفة عامة بالتأويليات اليوم؟ ما الذي يفرض ضرورة اشتغال الفكر العربي بالذات بالتأويليات؟ ما الدليل على أنّ التأويليات لها حضور في المأثور التفسيري والمدونة الكلامية والصوفية؟ كيف تقود التأويليات الفكر العربي إلى الانفتاح على المجال الإنساني وتُعمق معرفتنا بالأبعاد القصوى: الألوهية، النبوة، الوحي، الكتاب، الأثر، الحديث؟
وفي هذا النطاق جاء سؤال المنهج حول علاقة التراث عموما بالمنجزات المنهجية المعاصرة وإلى أيّ حد يُمكن طرح مسألة التراث خارج المفترضات الثقافية والسياسية الإيديولوجية الضيقة السائدة في الساحة الفكرية منذ عقود؟ أليست المناظرة مع التراث هي محاورة للنفس؛ أي للذات الفردية والجماعية التي هي نحن؟ كيف يمكن الاستفادة من المناهج التأويلية المعاصرة لإصلاح ما أفسدته الصراعات الإيديولوجية؟ كيف نعيد تعريف الحاجة إلى التأويل عندنا؟
شارك في المشروع العلمي عشرون باحثا ومفكرا عربيا، من تخصصات فكرية وعلمية وممارسات ثقافية متنوعة إلا أنّهم يجمعهم همٌّ بحثي واحد، وهو الانشغال بالدرس التأويلي في صيغه وأشكاله المتعددة: تأويل النصوص والوثائق والرموز والعلامات والممارسات بأنواعها، واستقصاء مواضع المعنى والدلالة فيها، وإدراجها في أفق كلي يستوعب الخصوصيات ويتجاوزها.
 فشارك من مصر الأستاذ الدكتور عبدالباسط سلامه هيكل أستاذ علوم العربية وآدابها جامعة الأزهر، ومن ألمانيا الأستاذ الدكتور محمد نكرومي، الأستاذ بجامعة ارلانكن نورمبرغ، ومن العراق الأستاذ الدكتور عبدالله إبراهيم، ومن لبنان الأستاذ الدكتور على حرب، ومن الجزائر الأستاذ الدكتور عبدالقادر فيدوح، ومن تونس الأستاذ الدكتور عبدالسلام المسدي، الأستاذ الدكتور فتحى إنقزو، ومن المغرب الأستاذ الدكتور عبدالسلام بنعبد العالي الأستاذ الدكتور بنّاصر البُعزّاتي، الأستاذ الدكتور عز العرب لحكيم بناني، الأستاذ الدكتور محمد الحيرش، كما شارك الأستاذ الدكتور يحي بن الوليد، الأستاذ الدكتور أحمد مونة، الأستاذ الدكتور محمد نكرومي، الأستاذ الدكتور محمد الشيخ، الأستاذ الدكتور حاتم أمزيل، الأستاذ الدكتور عبدالسلام المنصوري، الأستاذ الدكتور مولاي أحمد صابر.
حرص كتاب "التأويليات والفكر العربي" من خلال تناول المفاهيم التأويلية وأصولها المنطقية والميتافيزيقية في المجال الفلسفي، وقضايا النص والمدونات التأسيسية في المجال الديني، وقضايا المنهج في مقاربة النصوص وتفكيكها في المجال الأدبي، وقضايا اللغة وتحقيق النصوص على المستوى الفيلولوجي على إظهار ما تحمله التأويليات" من عنوان وأفق وسياق لا يُلزم بمواقف بعينها ولا باختيارات نظرية أو فلسفية دون أخرى، ولا بممارسات وتطبيقات في مجالات بعينها، فهي مجال رحب للفكر في العربية وبالعربية اليوم..

شارك