تجديد الخطاب الديني ودوره في مواجهة التطرف.. خبراء وعلماء دين يرسمون خريطة المواجهة

الأربعاء 08/يونيو/2022 - 03:10 م
طباعة تجديد الخطاب الديني
 

اوضح خبراء وباحثين وعلماء دين، خلال الجلسة الثالثة وعنوانها "تجديد الخطاب الديني ودوره في مواجهة التطرف" في مؤتمر "التطرف الديني: المنطلقات الفكرية، واستراتيجيات المواجهة" والذي نظمه مركز سلام التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أنتجديد الخطاب الديني له دور مهم في مواجهة التطرف باعتباره فكرًا يهدِّد أمن الأوطان وسلامتها.

وأثنى فضيلة الدكتور أسامة العبد الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية ووكيل اللجنة الدينية بمجلس النواب على اختيار دار الإفتاء المصرية الموفق كعادتها لموضوع التطرف كعنوان لأول مؤتمر لمركز سلام التابع لها مؤكدًا على أن السلام هو عنوان الإسلام، موجهًا الشكر للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي على دعمه الدائم لتجديد الخطاب الديني، وللسيد رئيس الوزراء مصطفي مدبولي على رعايته للمؤتمر.

وقال الشيخ عبد اللطيف دريان مفتي الجمهورية اللبنانية: إنَّ الإسلام عقيدة وشريعة، دين العدل والحكمة والرحمة، وأحكامه تتسم بالمرونة لا بالتحجر، وتوائم بين الثابت والمتغير، والأصالة والمعاصرة، وإن تجديد الخطاب الديني ضرورة ماسَّة، تحتاج إليها الأمة في كل حقبة من الزمان؛ وهذا التجديد بمفهومه الصحيح هو الذي بشَّر به الرسول صلى الله عليه وسلم، لا سيَّما أن التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية عظيمة الأثر، سواء على مستوى الفرد أم على مستوى الجماعة والأمة.

وأضاف الشيخ عبد اللطيف أن تجديد الخطاب الديني له دَور مهم في مواجهة التطرف باعتباره فكرًا يهدد أمن الأوطان وسلامة المجتمعات، بل يتهدَّد سلامة الأمة كلها نتيجة فهم خاطئ للدين، وتأويل سيِّئ لنصوصه وبُعد عن مقاصد الشريعة ومكارمها ومآلاتها، مشددا على أن تجديد الخطاب الديني لا يمكن أن يكون بإلغاء الدين، بل يكون بالعودة للمنابع والأصول عودة كاملة صافية، ودعوة للثبات على الحق وترك التقليد الفاسد القائم على الاتباع والمحاكاة على غير بصيرة، كما أن تجديد الخطاب الديني لا يمكن أن يتم بغير ضوابط صحيحة وواضحة، وإلا كان تخريبًا ولم يكن تجديدًا.

ولفت مفتي الجمهورية اللبنانية النظر إلى أن من معالم عظمة الدين أن الخطاب الديني يبني ولا يهدم، ويجمع ولا يفرِّق، ويعمِّر ولا يدمِّر، ويشيد ولا يُبِيد، شعارُه الرحمةُ والتسامحُ، ودثارُه الحوارُ والتعايشُ، فالشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط العَدْل، الآخِذ من الطرفين بقِسْط لا ميلَ فيه، فهي شريعة الهداية والاستقامة والوسطية والاعتدال، والخطاب في الإسلام خطاب رحمة وتسامُح وأَمْن واستقرار ورخاء وسلام.

وأضاف الشيخ دريان قائلًا: والمؤمَّل من تجديد الخطاب الديني هو الحفاظ على ثوابت الأمة وأصولها أن تطالَها يدُ العبث والتغيير، وتخليص الشريعة ممَّا عَلِقَ بها من شوائب الجهل والمحدَثات، وأدران الأباطيل والضلالات.

وأشار مفتي الجمهورية اللبنانية إلى أن التطرف ظاهرة مرضية تؤشِّر على وجود خلل ما في النفس الإنسانية أو في الظروف المحيطة بها، فالنفس الإنسانية السوية بطبيعتها ترفض التطرف والتعصب والجمود، لأن الفطرة السليمة تأبى ذلك وتنفر منه، بل يُعد التطرف فكرًا دخيلًا على المجتمع الإسلامي، يقوم على التزمُّت في فهم النصوص الشرعية دون الرجوع لأهل الاختصاص.

واختتم  كلمته قائلًا: إن مواجهة التطرف تستوجب قيام المؤسسات الدينية من خلال المراجع الدينية المؤتمنة على الدين بضرورة توجيه الخطاب الديني المعتدل لبناء مشروع حضاري متكامل مستوعِب للتهديدات التي يكرسها خطاب التطرف والتخوين، يربط نصوص العقيدة الدينية ومبادئها بواقع الحياة المعاصرة، بأسلوب وتعبير متجدد ليكون خطابًا متكاملًا منفتحًا يعزز الحوار والوسطية، ويحافظ على ثوابت الدين وأصوله، وعلى الهوية الدينية والثقافية ويعزز تماسك المجتمعات.

فيما قال  الشيخ محمد أحمد حسين، المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية: إن الإسلام أرشد إلى أكمل الأخلاق وأطيبها، ووجَّه إلى إصلاح القول والعمل، ودعا إلى مراقبة الأقوال والألفاظ ومراعاتها، والتأمل والنظر في مآلاتها، لافتا النظر إلى أن من أنواع المشكلات التي تواجه الإسلام وأهله، التطرف والإرهاب، وثمة فريقان متناقضان، أحدهما يقف في صفِّ العداء المعلن ضد الإسلام وأهله، والتعصب ضده، والفريق الآخر يمثله بعض المسلمين، الذين قادهم الحرص المفرط، أو التعصب الأعمى إلى حمل أفكار ضررها أكثر من نفعها، لذا كان لا بد من تجديد الخطاب الديني الوسطي المنضبط، البعيد عن المصالح والأهواء. ومن أبرز ما يميز الدين الإسلامي كونه دينًا ربانيًّا سماويًّا، صالحًا لكل زمان ومكان، فالخلود والديمومة تلزمها الحاجة إلى التجديد.

وأكَّد المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية على أن أهمية الخطاب الديني تكمن في دوره وأثره الكبيرين في خدمة الإسلام وأهله، فهو الأداة الإعلامية، والمرآة التي تعكس صورة الإسلام، والذي من شأنه أن ينتقل بالأمة من دور الدفاع إلى العمل على نشر الإسلام، وبيان أصالته، وإنسانيته، ووسطيته، فهو بمثابة نقد بنَّاء لذاتنا، ومن المفاهيم التي راج استخدامها في عصرنا الحديث، ويحتاج إلى مزيد من التوضيح، وبيان حدوده وضوابطه، كيلا يكون معولًا هدَّامًا لا أداة للبناء.

وأضاف الشيخ محمد أحمد حسين: ويمكن إجمال محاور هذا الطرح في محورين رئيسين: أولهما: تناول المفاهيم والمصطلحات لغة واصطلاحًا كمفاهيم التجديد، والخطاب الديني، ومفهومي التطرف والإرهاب، والمحور الثاني: حكم تجديد الخطاب الديني، وحدوده، وضوابطه، ووسائل تجديد الخطاب الديني، ومحاربة التطرف والإرهاب.

 

وشدَّد  مفتي القدس على أن تجديد الخطاب الديني يقوم على مراعاة المقاصد، من رفع الحرج والتيسير على النَّاس، لأنَّ الإسلام دين الوسطية والاعتدال، وعلى رفع الضرر الناجم عن الجمود في الخطاب، وإغفال مراعاة أحوال الناس وعاداتهم وتقاليدهم، وبناء على قاعدة تغير الظروف في الأحكام المبنية على المصلحة، والأعراف، كما أن دفع المفاسد مما يجلبه الخطاب البعيد عن سماحة الإسلام، وحسن تعامله مع الآخر، أولى من جلب المصالح المتمثلة في المحافظة على لغة الخطاب الرصينة، والمصطلحات التي قد يكون لاستخدامها في هذا العصر ضرر ومفسدة.

وأما عن ضوابط تجديد الخطاب الديني فقال الشيخ محمد أحمد حسين: لتجديد الخطاب ضوابط؛ فمنها ما يتعلق بالمجدد نفسه، بأن يكون صادرًا عن أهل العلم والفقه، وفي فحوى الخطاب ومضمونه، مثل: عدم مخالفة النصوص القطعية، أو المجمع عليه، أو تحليل حرام، وتحريم حلال، وأن يتسم بالوضوح.

وأوضح مفتي القدس أن من وسائل التجديد الفقهي: المحافظة على أدب الاختلاف، والتجديد الفقهي، واتباع الأصول والقواعد الإسلامية في خطاب الآخر.

واختتم الشيخ محمد أحمد حسين كلمته بتقديم عدة توصيات، منها: ضرورة عقد الندوات والمحاضرات لبيان أهمية الموضوع وحقيقته، وأثره الإيجابي في علاقة المسلمين مع بعضهم بعضًا، ومع الآخرين، وكذلك عمل مزيد من الأبحاث والدراسات؛ لبيان ضوابط تجديد الخطاب الديني، وأثر تجديده.

فيما قال الشيخ أبو بكر سيد عبد الله جمل الليل، مفتي جمهورية جزر القمر المتحدة: إن تجديد الخطاب الديني قضية شديدة الأهمية؛ لما تمثله من عنصر حيوي في جوهر الإسلام، الذي ميَّزه الله عن بقية الشرائع في أنه باقٍ حتى يوم القيامة، مضيفًا فضيلته أن تجديد الخطاب الديني يعني العودةَ إلى الأصول وإحياءها في حياة الإنسان المسلم؛ بإحياء ما اندرس، وتقويم ما انحرف، ومواجهة الحوادث والوقائع المتجددة، من خلال فهمها وإعادة قراءتها؛ امتثالًا للأمر الإلهي بالقراءة: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق:1].

وشدد الشيخ أبو بكر، على أن تجديد الخطاب الديني لا يعني إطلاقًا تبديلًا في الدين أو الشرع، ولا يعني المساس بجوهره وتغيير حقائقه، بل هو تعزيز له، وتفاعل مع أصوله، وتطوير لوسائل عرضه وإيصاله مع ما يتوافق مع مقاصد الشريعة وعقول الناس وأفهامهم وثقافاتهم.

وأردف مفتي جزر القمر: ما أحوجنا اليوم إلى خطاب ديني ينطلق من وحدة الأصل البشري، ويجمع الكلمة، ويوحد الصف، ويحقن الدماء، ويعمر الأوطان، ويعزز الانتماء والولاء لها، حتى تنمو مجتمعاتنا وتزدهر.

وشدد الشيخ أبو بكر على أن تجديد الخطاب الديني مسئولية جسيمة، يجب علينا كلنا أن نضطلع بها؛ لأنها من أجل أوطاننا، ومن أجل أجيالنا القادمة، ومن أجل أن نبني سياجًا حاميًا لكل ما هو جميل وبديع في ديننا الوسطي المعتدل، بل يجب أن يكون تجديد الخطاب الديني هدفًا للجميع؛ فالجميع يتأثر بالوعظ والإرشاد والتعليم والتوجيه، ونفوسهم عامرة بالإيمان النقي الصافي الخالي من الغلو والتطرف.

وعن دَور دار الإفتاء القمرية وجهودها قال فضيلته: لقد ارتأت دار الإفتاء في جزر القمر في هذه المرحلة تجديد الخطاب الديني، فسعت إلى تعزيز العلاقات الثنائية مع المؤسسات الدينية المرموقة في العالم الإسلامي، كدار الإفتاء المصرية ووزارة الأوقاف المصرية؛ للاستفادة من خبراتها المتميزة في صناعة الفتوى، وتجاربها الرائدة في تجديد الخطاب الديني ومحاربة الإرهاب والتطرف، كما بادرت دار الإفتاء القمرية باحتضان أهل العلم والفكر الوسطي المعتدل في الوطن، ودعت الناس إلى الالتفاف حولهم والأخذ منهم.

واختتم مفتي جزر القمر كلمته بتوجيه الشكر لـــ «مرکز سلام لدراسات التطرف» ولمعالي الأستاذ الدكتور شوقي علام، مفتي جمهورية مصر العربية، ورئيس المجلس الأعلى لدور وهيئات الإفتاء في العالم، على جهوده وسعيه في تعميق النقاشات العامة والأكاديمية والدينية المتعلقة بقضية التطرف، برصد وتحليل وتفكيك ظاهرتي التشدد والإرهاب باسم الدين، ودعم عملية صنع السياسات الخاصة بعملية مكافحة التطرف وقاية وعلاجًا، كما وجَّه فضيلته الشكر للعاملين في المركز على حسن التنظيم والرعاية لأعمال هذا المؤتمر، وعلى حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة لضيوف المؤتمر.

فيما قال الدكتور بوعبد الله غلام الله، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية: إن التطرف جنوح وابتعاد عن الوسط المعهود، وفي الدين هو مجاوزة حدود الشرع والانحراف عن وسطيته إفراطًا أو تفريطًا، مضيفًا فضيلته أن الباحثين قلَّما يتناولون موضوع التفريط الذي يقوم به الوعاظ، وإنما يركز الباحثون أكثر على الإفراط بسبب العوامل الاجتماعية والنفسية والثقافية المفضية إلى الإفراط.

ولفت غلام الله النظر إلى أنه لا يوجد في القرآن الكريم أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل أو يدعو إلى الإفراط أو التشدد. بل تدل الآيات الكثيرة والأحاديث النبوية الشريفة على التيسير وتجنب التعسير، قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر} [البقرة: 185].

وأشار رئيس المجلس الإسلامي الأعلى كذلك إلى أن ظاهرة التطرف في الدين ظهرت مبكرًا في المجتمع الإسلامي، وقد عبر عن ذلك شعار الخوارج في رفضهم التحكيم وقولهم: "لا حكم إلا لله"، وكأنهم يدعون إلى أن يحكم كل فرد عقله في فهم القرآن والسنة، ويأخذ الأحكام الشرعية منها مباشرة ويرفضون فهم العلماء وتأويلهم.

وشدَّد على أن دعاة التطرف أو زعماءه يتظاهرون بالتقوى، ويبرزون صلاح الظاهر، بل قد تلجأ الجماعات المتطرفة إلى آليات وتقنيات نفسية وإعلامية وتكنولوجية لعزل الشباب وشحنهم بأفكار الكراهية ونبذ المخالف ومن ثم يستغلون فريضة الجهاد ليصنعوا منهم جهازًا قمعيًّا للاعتداء على المخالف والخروج عن الحكم القائم بدعوى أنه لا يقيم الشريعة، وينزِّلون الآيات القرآنية التي نزلت في الكفار، على المسلمين، فيستحلون بذلك أموالهم ودماءهم وأعراضهم.

وأضاف غلام الله: إن مثل هذه الفكرة التي يفرضها الواقع في العصور السابقة لم يعد لها مجال بعد أن تغير هذا الواقع في العصر الحديث، ومن جهة أخرى فإن الفكر الاسلامي ما زال يحتفظ بفكرة "الحق والواجب" التي تعبِّر عن مبدأ إنساني عام تغيرت ملابساته، وظل قائمًا في جوهره.

واختتم رئيس المجلس الإسلامي الأعلى كلمته قائلًا: إن المجتمعات الإسلامية يتخبط معظمها اليوم في متاهات ولا تجد السبيل إلى الانفكاك منها، وهناك قوى ضاغطة تعمل على تعميق الخلاف بين المسلمين بسبب اختلاف مذاهبهم وتحرمهم من الثروة الحقيقية التي تكونت لديهم عبر عصور ازدهارهم، وتجعل خيرات أوطانهم سببًا في الصراع والخلاف الذي يذهب ريحهم ويفقدهم قوتهم.

فيما قال  الشيخ الدكتور يوشار شريف الأستاذ بجامعة أرسطوطاليس قسم العلوم الإسلامية بمدينة ثسالونيكي باليونان: إن قضية تجديد الخطاب الديني تُعد من المشكلات التي تواجه المجتمع المعاصر عربيًّا وإسلاميًّا، ولا شكَّ أن أهميته قد ازدادت نتيجة لما نعانيه في جميع بلادنا العربية والإسلامية، مضيفًا فضيلته أن قضية التجديد في واقع الأمر عملية حيوية احتلَّت جزءًا كبيرًا من جهود مفكري الإسلام منذ عصر النهضة الحديثة في العالم الإسلامي الذي وجد نفسه في حالة من الجمود والتأزم استمرت لعدة قرون، بدأت منذ القرن العاشر الهجري واستمرَّت ما يقرب من قرنين، وخلال هذه الفترة الطويلة سادت مقولة أن باب الاجتهاد قد أُغلق، وأن السابق لم يترك للاحق شيئًا.

ولفت د. يوشار النظر إلى أن التعاريف اللغوية، وتعاريف أغلب العلماء والباحثين يتحصل منها أن تجديد الخطاب الديني معناه رفض كل ما يكون قد جمد فتكرر تقليده واجتراره في هذا الخطاب، وتجديده بتنقيته مما علق به من شوائب ليست منه، ناتجة عن التأثر بعادات وتقاليد خاطئة أو ثقافات مخالفة للإسلام وتعاليمه، ولا يتحقق ذلك إلا بالرجوع إلى مصادر الخطاب الديني الأصلية الصحيحة وإلى مقاصد النصوص الشرعية وغاياتها.

وأردف قائلًا: وبما أن الخطاب الديني رافعة أساسية وضرورة جوهرية لتحقيق النهضة الحضارية، وجب اعتماده على جملة من القواعد الأساسية واحترامه لها تحقيقًا للنهضة الحضارية المعاصرة المرجوة، نذكر منها وضع خطة استراتيجية إسلامية شاملة تحترم سلم الأولويات من الأهم فالمهم، وتركز على القضايا المصيرية للأمة ولمستقبلها، لا على القشور والشكليات والأمور التافهة، وكذلك الانطلاق من واقع الأمة واحترام هويتها وخصوصياتها والاستفادة من إمكاناتها الهائلة مع التركيز على طاقتها البشرية والاعتماد على سواعد أبنائها، مع مراعاة التكامل والتناغم بين المتخصصين في كل الحقول والمجالات المعرفية، فضلًا عن مراعاة الانفتاح والتعارف العاقل والمتزن مع غيرها بما يحقق صلاحها.

واختتم الأستاذ بجامعة أرسطوطاليس كلمته قائلًا: لا نهضة حضارية ولا رقيَّ بلا تجديد الخطاب الديني الذي هو جزء من هذا الدين نفسه، تجديد يستوعب الظروف والزمان والمكان، ويحترم الخصوصيات، ويراعي فقه الأولويات، تجديد مبني على فكرة وخطة عمل واستراتيجية مدروسة منظمة واعية متكاملة تتنافى فيها القطبية والأحادية تحقيقًا للعدل وليستفيد الجميع، تجديد منطلق من رغبة صادقة وعزيمة قوية، موظَّف لطاقتنا البشرية وإمكاناتنا الهائلة، تجديد ينطلق من المسلمين ويصل إليهم ومن خلالهم للبشرية جمعاء، استجابة لخاصية العالمية المميزة لهذه الشريعة الغراء.

فيما قال الدكتور أشرف سعد، الباحث بدار الإفتاء المصرية: إن الجهود النظرية والدراسات الحديثة تحتاج منا إلى أن نستعرض بعض القضايا التي تحتاج منا إلى التجديد، لافتًا النظر إلى أن الأمور النظرية كثيرة، منوهًا بأن دار الإفتاء المصرية قد حوَّلت تجديد الخطاب الديني من النظرية والكلام إلى ثمرة حية تتحدث عن هذه الجهود ممثَّلة في الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، ومركز سلام لدراسات التطرف، وغيره من المراكز البحثية الهامة.

 

جاء ذلك خلال كلمته في فعاليات الجلسة الثالثة بمؤتمر "التطرف الديني: المنطلقات الفكرية، واستراتيجيات المواجهة" الذي ينظِّمه مركز سلام التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، مضيفًا أن القضايا التي تحتاج إلى الحديث فيها وإجراء أبحاث دقيقة حولها كثيرة جدًّا، وقد تناولها أسلافنا بما يناسب عصرهم ووقتهم.

 

وأضاف: نحن نحتاج أيضًا إلى أن نعيد البحث في القضايا التي استند إليها المتطرفون، مثل: فكرة الولاية، والحاكمية، وكذلك ادِّعاء أن المجتمعات الإسلامية لا تحكم بما أنزل الله، فضلًا عن تسرع تلك الجماعات في التكفير، وجميعها قضايا حوَّلتها دار الإفتاء إلى عمل دؤوب، لذا فالحاجة أصبحت ماسَّة لتضافر الجهود لننتقل من النظرية إلى التطبيق.

 

في الإطار ذاته أوضح أن عمل الأئمة المجتهدين عبر العصور وتغير الأحكام وتغير الأعراف في الزمن الواحد قضية هامة جدًّا، فما بالنا بتغيرها في الأزمان المتلاحقة؟!

 

وتابع: إذا جئنا إلى قضية الخلافة فهي من القضايا التي ارتكزت عليها الجماعات عقب سقوط الخلافة الإسلامية، حيث أوجبوا إعادة الخلافة، وهناك مقاربه أخرى لم يلتفت إليها الكثير من الناس، وهي أطروحة الدكتور عبد الرزاق السنهوري، حيث كتب رسالة دكتوراه في فرنسا اعتبر فيها الخلافة وسيلة لتحقيق غاية، مشيرًا إلى أن الجماعات المتطرفة قالت بتغيير الدولة والعمل الفردي وهذا شيء في غاية الخطورة، وذلك هو مفهوم الأمة الواحدة لعزل المؤسسات والحكام، وهذه القضية من القضايا التي تحتاج إلى إعادة نظر.

شارك