تحذيرات حقوقية من تنفيذ الحوثيين أحكام إعدام بحق 17 مواطنًا يمنياً

الجمعة 28/نوفمبر/2025 - 12:42 م
طباعة تحذيرات حقوقية من فاطمة عبدالغني
 
يدخل المشهد الحقوقي في اليمن مرحلة جديدة من القلق المتصاعد بعدما كشفت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات عن صدور أحكام إعدام جديدة أصدرتها مليشيات الحوثي ضد 17 مواطنًا، بينهم موظفون يعملون في منظمات دولية. 
هذه الأحكام، التي جاءت بعد محاكمات وُصفت بأنها "باطلة" وتفتقر لأدنى معايير العدالة، دفعت الشبكة إلى توجيه رسالة رسمية وعاجلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص إلى اليمن وسفراء الدول والمنظمات الدولية، مطالبة بتحرك دولي فوري يوقف ما وصفته بـ"الخطر الداهم" الذي يهدد حياة المدنيين في ظل بيئة قضائية مسيّسة تخضع لسيطرة تامة من المليشيات.
التقرير الصادر عن الشبكة لا يقتصر على سرد الانتهاكات فحسب، بل يقدم سردية مفصلة تبين المسار الذي اتخذته الجماعة في استغلال القضاء كأداة قمع سياسي، وهو ما يربطه مراقبون بسياق أوسع يشمل محاولات الحوثيين فرض هيمنة أمنية وإعلامية عبر محاكمات استعراضية و"اعترافات" مفبركة. 
هذا كله يأتي في مرحلة تشهد فيها الجماعة ارتباكًا داخليًا وانكشافًا أمنيًا، الأمر الذي يدفعها إلى استخدام الإعدامات وسيلة لحسم التوترات وتصدير رسائل ردع إلى المجتمع المحلي والدولي.
أحكام إعدام صادرة عن محكمة منعدمة الولاية الشرعية:
وفقًا للشبكة اليمنية للحقوق والحريات، فقد أصدرت ما تسمى "المحكمة الجزائية المتخصصة" التابعة لمليشيا الحوثي أحكامًا بإعدام 17 مواطنًا بعد محاكمات افتقرت لأي معايير قانونية أو ضمانات قضائية. 
وتؤكد الشبكة أن هذه المحكمة، التي أعادت المليشيات تفعيلها لخدمة أهدافها السياسية بعد أن كانت الحكومة الشرعية قد نقلت اختصاصاتها سابقًا، تُستخدم اليوم كأداة قمعية وليست مؤسسة عدلية.
وتصف الشبكة هذه المحاكمات بأنها "صورية"، مشيرة إلى أن الإجراءات اتسمت بالسرية والسرعة، وأن المدانين لم يُمنحوا فرصة للدفاع أو التمثيل القانوني، كما لم تحترم المحكمة أي من قواعد المحاكمة العادلة. 
وتضيف الشبكة أن العقوبات لم تستند إلى أدلة حقيقية، وإنما إلى "اعترافات" انتُزعت تحت التعذيب، في ممارسة أصبحت سلوكًا منهجيًا للمليشيات خلال السنوات الماضية.
رسالة عاجلة للأمم المتحدة تطالب بوقف الأحكام فورًا:
وفي رسالة رسمية وُجهت للأمين العام للأمم المتحدة والمبعوث الخاص إلى اليمن وسفراء الدول والمنظمات الدولية، عبّرت الشبكة اليمنية عن قلقها البالغ من احتمال تنفيذ هذه الأحكام في أي لحظة. 
وطالبت الشبكة بتحرك دولي حاسم وسريع قبل وقوع جريمة إعدام جماعية جديدة، خصوصًا أن المليشيات أثبتت سابقًا عدم اكتراثها بالدعوات والبيانات الدولية.
وحذرت الشبكة من أن تمرير هذه الأحكام دون تدخل دولي واضح سيشكل سابقة خطيرة لا تقوّض حياة المدنيين فحسب، بل تهدد مستقبل القضاء وتهدم ما تبقى من العدالة في اليمن. 
وأكدت الشبكة في رسالتها أن المليشيات تعتبر الصمت الدولي ضوءًا أخضر لمواصلة انتهاكاتها.
إخفاء قسري وتعذيب وانتزاع اعترافات تحت الإكراه
أحد أبرز المحاور التي تناولتها الشبكة اليمنية هو الانتهاكات التي تعرض لها المتهمون قبل تقديمهم للمحكمة، إذ أوضحت أن المختطفين خضعوا للإخفاء القسري لفترات طويلة، ومنعوا من التواصل مع أسرهم أو محاميهم، وتعرضوا لتعذيب جسدي ونفسي منهجي، شمل الضرب المبرح، الصعق بالكهرباء، الحرمان من النوم، والتهديد بإيذاء أقاربهم، وإجبارهم على تسجيل اعترافات مفبركة أمام كاميرات تابعة لوسائل إعلام حوثية.
وتشير الشبكة إلى أن هذه الاعترافات تُبث عادة قبل جلسات المحاكمة، في خرق واضح وصريح لمبادئ العدالة التي تمنع نشر اعترافات المتهمين قبل صدور الحكم النهائي، وتعتبر الشبكة أن ذلك ليس فقط دليلًا على نية مسبقة لتوجيه القضاة، وإنما تأكيد على أن المحاكمة مجرد مسرحية مكتملة الإخراج.
خطر داهم وإعدامات محتملة في أي لحظة
تُبدي الشبكة اليمنية خشية حقيقية من أن تقدم المليشيات على تنفيذ أحكام الإعدام خلال الأيام المقبلة دون سابق إنذار، وتؤكد أنها تملك معلومات عن نقل بعض المحكومين إلى أماكن يُعتقد أنها مخصصة لتنفيذ العقوبات. 
وتربط الشبكة هذا القلق بسجل حافل للحوثيين في تنفيذ إعدامات خارج إطار القانون، بما في ذلك إعدام تسعة من أبناء تهامة في 18 سبتمبر 2021 بعدما اتهمتهم المليشيات بالمشاركة في استهداف صالح الصماد.
وتعتبر الشبكة أن هذه السوابق القاتمة تؤكد نية المليشيات في استخدام الإعدام كأداة لتصفية الخصوم، وتثبيت قبضتها عبر ترويع المجتمع وإسكات الأصوات المعارضة.
دعوات لتدخل دولي سريع ووقف المحاكمات العبثية
وطالبت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بإدانة واضحة وصريحة لهذه المحاكمات، واتخاذ خطوات دبلوماسية عاجلة لوقف تنفيذ الأحكام، كما دعت المجتمع الدولي إلى الوقوف أمام ما وصفته بـ"جريمة إعدام جماعية محتملة" ورفض استمرار تحويل القضاء إلى منصة لتصفية الحسابات السياسية.
وطالبت الشبكة بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تعنى بالملفات المتعلقة بالإخفاء القسري والانتهاكات القانونية والتعذيب، مؤكدة أن غياب المساءلة يشجع المليشيا على الاستمرار في انتهاكاتها الخطيرة بحق المدنيين.
استهداف متواصل للعاملين في المنظمات الإنسانية
وترى الشبكة أن هذه القضية تأتي ضمن سياق ممنهج تشنه المليشيات الحوثية ضد العاملين في المنظمات الأممية والدولية، فقد اتهمت الجماعة خلال الأشهر الماضية عدداً من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية بـ"التجسس"، في خطوة تهدف إلى الضغط على العاملين الإنسانيين والتحكم بأنشطة الإغاثة، بل وتحويلها إلى أداة سياسية واقتصادية بيدها.
وتحذر الشبكة من أن المضي في هذه السياسات سيخلق بيئة طاردة للمنظمات الدولية، الأمر الذي يهدد حياة الملايين من اليمنيين الذين يعتمدون بشكل أساسي على المساعدات الإنسانية للبقاء.
معمر الإرياني: إدانة شديدة وتفصيل شامل لسياق الجريمة
وجاء تصريح وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني مُكمّلًا للتحذيرات الحقوقية، حيث قال إن الحكومة تدين بأشد العبارات الأحكام الصادرة عن المليشيات الحوثية بحق 17 مواطنًا، معتبرًا أنها أحكامٌ مبنية على تهم ملفقة واعترافات مفبركة انتُزعت تحت التعذيب والضغط النفسي والجسدي.
وأكد الإرياني أن المحاكمات التي جرت أمام محكمة منعدمة الولاية القانونية تمثل نموذجًا جديدًا لانهيار المنظومة القضائية تحت سيطرة الحوثيين، مشدداً على أن المليشيات حولت القضاء إلى سيف مُسلط على رقاب اليمنيين.
وأوضح الإرياني أن بث المليشيات لسلسلة "اعترافات" عبر وسائل الإعلام، وتسريع جلسات المحاكمة، ليس سوى محاولة للتغطية على الانكشاف الأمني الذي تعاني منه الجماعة، والاختراقات التي تضرب بنيتها القيادية، والانقسام المتصاعد داخل أجهزة الأمن والاستخبارات التابعة لها. وأضاف أن المليشيات تختلق ملفات تجسس وهمية كلما احتاجت إلى إظهار "انتصار" إعلامي أو تغطية فشل عملياتي.
وذكّر الإرياني بجريمة إعدام تسعة مدنيين من أبناء تهامة في سبتمبر 2021، والتي نفذتها المليشيا في ميدان التحرير بعد محاكمة صورية، معتبرًا أن الجرائم الحالية تأتي امتدادًا للممارسات السابقة التي تجمع بين القمع الممنهج وتصفية الخصوم تحت غطاء "التخابر".
وأشار الوزير إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن حملات ممنهجة تستهدف العاملين في المنظمات الأممية عبر اتهامات كيدية تهدف إلى التحكم والضغط، مما يهدد برامج الإغاثة الإنسانية.
وفي ختام تصريحه، حذر الإرياني من أن المليشيا قد تستغل هذه القضية لشن موجة جديدة من الإعدامات الجماعية في مناطق سيطرتها، خصوصًا بحق المختطفين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الذين يمثلون أهدافًا سهلة لجماعة تبحث عن ذرائع لتصفية حساباتها الداخلية والخارجية.
ويرى المراقبون أن قضية أحكام الإعدام الصادرة بحق 17 مواطنًا تمثل محطة خطيرة في مسار انهيار مؤسسات الدولة في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث تتحول السلطة القضائية إلى ذراع قمعية تُستخدم لتصفية الخصوم بدلًا من تحقيق العدالة. ويعتقد الخبراء أن توقيت الأحكام والإخراج الإعلامي الذي رافقها يشيران إلى أزمة داخلية تعيشها الجماعة، تحاول من خلالها خلق "عدو وهمي" لشد صفوفها وتخويف المجتمع.
كما يشدد المراقبون على أن استمرار صمت المجتمع الدولي يمنح الحوثيين ثقة أكبر في التمادي، ما قد يؤدي إلى تكرار سيناريوهات الإعدامات الجماعية، ويفتح الباب أمام مزيد من الاستبداد والقمع. ويرى هؤلاء أن التدخل الدولي العاجل لم يعد ضرورة حقوقية فقط، بل شرطًا أساسيًا لمنع انهيار ما تبقى من منظومة العدالة في اليمن، ولحماية حياة المدنيين ووضع حد لدوامة العنف التي تهدد الأمن والاستقرار ومستقبل أي عملية سلام في البلاد.

شارك