مطار عدن خارج الخدمة.. حين تتحول البوابة الجوية الأخيرة لليمن إلى رهينة صراع سياسي

الجمعة 02/يناير/2026 - 01:21 م
طباعة مطار عدن خارج الخدمة.. فاطمة عبدالغني
 
في مشهدٍ صادم اختزل عمق الانسداد السياسي والأمني في جنوب اليمن، توقفت محركات الطائرات وغصّت صالات الانتظار بمئات المسافرين العالقين في مطار عدن الدولي، الخميس 1 يناير، بعدما دخل المرفق الجوي الأهم في البلاد دائرة الشلل الكامل. 
هذا التوقف المفاجئ لم يكن مجرد خلل فني عابر، بل عكس ذروة التأزم الذي فرضه المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، في سياق محاولاته لترسيخ واقع انفصالي بالقوة، وتحويل المرافق السيادية من أدوات خدمة عامة إلى أوراق ضغط سياسي وأمني، يدفع المدنيون ثمنها الباهظ.

مطار عدن من بوابة سيادية إلى ساحة صراع
ويُعد مطار عدن الدولي البوابة الجوية الوحيدة المتبقية التي تربط اليمن بالعالم، بعد توقف مطار صنعاء الدولي، ومؤخرًا مطار سيئون عقب سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي عليه مطلع ديسمبر الماضي. 
ومع ذلك، تحوّل هذا المرفق السيادي إلى ساحة صراع مفتوحة بين أطراف السلطة المتنازعة، حيث باتت قرارات تشغيله أو تعطيله خاضعة لموازين القوة الميدانية، لا للقانون أو الاعتبارات الإنسانية.
وتشير معطيات متداولة إلى أن المطار لم يعد مجرد مرفق خدمي، بل جرى توظيفه – وفق اتهامات متكررة – كمنصة لتهريب الأموال والأسلحة من وإلى الإمارات، في ظل غياب الرقابة السيادية الفعلية، وهو ما يفسر الحساسية الشديدة تجاه أي إجراءات تفتيش أو إشراف حكومي.

تضارب الروايات… من أغلق البوابة الجوية؟
شهدت أزمة إغلاق المطار تضاربًا حادًا في الروايات الرسمية، فقد اتهمت وزارة النقل، الخاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي، الجانب السعودي بفرض "حصار جوي" عبر اشتراط مرور الرحلات عبر الأجواء السعودية لإجراء تفتيش إضافي. 
في المقابل، نفت مصادر سعودية هذه الادعاءات بشكل قاطع، مؤكدة عدم فرض أي قيود جديدة.
وبحسب الرواية السعودية، فإن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا هي من فرضت قيودًا محددة على الرحلات المتجهة إلى الإمارات، في إطار إجراءات تهدف إلى خفض التصعيد وضمان الالتزام بالضوابط السيادية، وهو ما دفع المجلس الانتقالي – وفق هذه الرواية – إلى الرد بإغلاق المطار بالكامل بدلًا من الامتثال.
الحكومة اليمنية بدورها أكدت في بيان رسمي أن تعليق الرحلات اقتصر على وجهات محددة، لا سيما الرحلات المتجهة إلى مطاري دبي وأبوظبي، باعتبارها الرحلات التي يفترض أن تخضع لإجراءات تفتيش إضافية. 
غير أن مكتب وزير النقل نفى في الوقت ذاته صدور أي قرار رسمي بإغلاق المطار، ما كشف عن حالة انفلات إداري وأمني خطير داخل أحد أهم المرافق السيادية في البلاد.
المدنيون يدفعون الثمن
ووسط هذا التلاسن السياسي، تفاقمت معاناة مئات المسافرين الذين افترشوا الأرض داخل صالات الانتظار، في ظروف إنسانية قاسية، وشملت هذه الحالات مرضى وكبار سن ونساء وأطفال، علقوا لساعات طويلة دون أي توضيح رسمي أو بدائل إنسانية.

القبضة الحديدية والفراغ السيادي
يرزح مطار عدن تحت ما يصفه مراقبون بـ"القبضة الحديدية" للمجلس الانتقالي الجنوبي، التي تمنع إقلاع الطائرات أو تنفيذ أي إجراءات رقابية تعتبرها القوى المسيطرة "انتقاصًا من نفوذها". 
في المقابل، تتمسك الحكومة الشرعية بحقها السيادي في الإشراف على المنافذ الجوية والبرية والبحرية.
هذا الصدام وضع الملاحة الجوية في "منطقة رمادية" شديدة الخطورة، خاصة في ظل إعلان الرئيس رشاد العليمي، الثلاثاء الماضي، حالة الطوارئ في البلاد وفرض حظر جوي وبري وبحري لمدة 72 ساعة، ما زاد المشهد تعقيدًا وألقى بظلال ثقيلة على الوضع الإنساني.

إدانة حقوقية وتحذير من تصعيد ممنهج
وفي هذا السياق، أعربت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات عن بالغ قلقها وإدانتها الشديدة لإقدام قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي على إغلاق مطار عدن الدولي، معتبرة ذلك إجراءً تعسفيًا يشكل استمرارًا للانقلاب على قرارات الحكومة الشرعية، وانتهاكًا جسيمًا للقانون اليمني والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
وأكدت الشبكة أن تعطيل مرفق مدني سيادي بهذه الصورة يمثل مساسًا مباشرًا بحقوق أساسية، في مقدمتها حرية التنقل والحق في الصحة والحياة الكريمة، مشيرة إلى أن إغلاق المطار فاقم معاناة آلاف المدنيين، وعرقل وصول المرضى إلى العلاج، ولمّ شمل الأسر، وأعاق تدفق المساعدات الإنسانية.
كما كشفت الشبكة عن تلقيها بلاغات ميدانية موثوقة تفيد باقتحام عناصر مسلحة تابعة للمجلس الانتقالي مطار الريان الدولي في المكلا ونهب محتوياته، في اعتداء خطير على مرفق مدني محمي بموجب القانون الدولي الإنساني. 
ولفتت أيضًا إلى توثيق اعتقال أربعة مواطنين من أبناء المحافظات الشمالية ونقلهم إلى أماكن مجهولة، ما يثير مخاوف جدية من تعرضهم للإخفاء القسري.

مطالب واضحة ومسؤوليات لا تسقط
وطالبت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات بإعادة فتح مطار عدن الدولي فورًا ودون قيد أو شرط، وتحميل قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي ووزير النقل، بصفته عضوًا تنفيذيًا في المجلس، المسؤولية القانونية الكاملة عن إغلاق المطار وما ترتب عليه من أضرار إنسانية جسيمة.
 كما دعت إلى التسليم الكامل لمطار الريان للسلطات الشرعية، وسحب القوات المسلحة منه، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، ووقف ممارسات الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري.
وأكدت الشبكة أن تعطيل المرافق المدنية ونهب المنشآت العامة والاعتقال التعسفي أفعال لا تسقط بالتقادم، وتوجب المساءلة القانونية الوطنية والدولية، داعية المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى الاضطلاع بمسؤولياتهم في حماية المدنيين وضمان احترام القانون الدولي في اليمن.
ويرى مراقبون أن أزمة مطار عدن تكشف بوضوح خطورة ترك المرافق السيادية رهينة لأطراف مسلحة خارج إطار الدولة، معتبرين أن تعطيل المطار ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة في سياق أوسع من تقويض مؤسسات الدولة وترسيخ واقع انفصالي بالقوة. 
ويؤكد هؤلاء أن استمرار هذا النهج يهدد ما تبقى من وحدة القرار السيادي، ويعمق الأزمة الإنسانية، ويقوض أي جهود إقليمية أو دولية لخفض التصعيد، محذرين من أن صمت المجتمع الدولي قد يشجع على مزيد من الانتهاكات، ويحوّل الموانئ والمطارات إلى أدوات ابتزاز سياسي على حساب المدنيين.

شارك