مكافحة الإرهاب في مهب الريح: تداعيات الطلاق الدبلوماسي بين مقديشو وأبوظبي.

الجمعة 16/يناير/2026 - 02:42 ص
طباعة مكافحة الإرهاب في حسام الحداد
 
في خطوة وُصفت بأنها "تصحيح للسيادة"، أعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية عن إلغاء كافة الاتفاقيات الثنائية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في قرار شمل الاتفاقيات الموقعة مع الحكومة المركزية والولايات الأعضاء على حد سواء. يأتي هذا التصعيد الكبير في أعقاب تقارير حول دور إماراتي في تسهيل اعتراف إسرائيل بمنطقة "أرض الصومال" (صوماليلاند) الانفصالية، ما اعتبرته مقديشو طعنة في وحدة أراضيها.

القشة التي قصمت ظهر البعير
لم يكن قرار مقديشو وليد لحظة عابرة، بل جاء كذروة لصدام دبلوماسي بدأ بتسهيل الإمارات اعتراف إسرائيل بـ "أرض الصومال" (صوماليلاند) كدولة مستقلة في أواخر ديسمبر 2025؛ وهي الخطوة التي اعتبرتها الحكومة الفيدرالية "عدواناً صريحاً" يهدف لتفتيت وحدتها الوطنية. وبينما كانت مقديشو تدرس ردها الدبلوماسي، جاءت واقعة 8 يناير لتفجر الموقف تماماً، حيث رصدت السلطات الصومالية استخداماً غير مصرح به لمجالها الجوي من قبل طائرة إماراتية تقلّ "عيدروس الزبيدي"، زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني، في رحلة هروب من اليمن عبر صوماليلاند وصولاً إلى أبوظبي. هذا التحرك اعتبرته الصومال تحويلاً لأراضيها وأجوائها إلى ممر "لتهريب الفارين" من النزاعات الإقليمية، مما دفع وزير الدولة للشؤون الخارجية لوصف الواقعة بأنها "النقطة التي لا عودة بعدها".
تكتسب رحلة الزبيدي حساسية مفرطة لكونه فاراً من هجوم مفاجئ شنته القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية في مطلع ديسمبر، والذي أدى لاستعادة المناطق التي كان يسيطر عليها مجلسه المدعوم إماراتياً. وبذلك، وجدت الصومال نفسها في قلب تجاذب "سعودي-إماراتي" حاد؛ فمن جهة، اعتبرت مقديشو تسهيل الإمارات لهذه الرحلة انتهاكاً لسيادتها وتوريطاً لها في النزاع اليمني، ومن جهة أخرى، شعرت بضغط الواقع الميداني الذي يميل لصالح حلفاء الرياض. هذا الاختراق الجوي لم يكن مجرد مخالفة بروتوكولية، بل عكس استهانة إماراتية بالسلطة المركزية في مقديشو عبر التنسيق المباشر مع سلطات الأقاليم لتسهيل رحلة الزبيدي، وهو ما دفع مجلس الوزراء للإجماع على أن الإمارات تمارس "أعمالاً زعزعت الاستقرار"، مما استوجب إنهاء كافة الاتفاقيات الثنائية رداً على هذا "التجاوز السيادي" الذي لم يعد ممكناً التغاضي عنه.

مواقف الأقاليم الصومالية وتحديات تنفيذ القرار:
تجد الحكومة الفيدرالية في مقديشو نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي لسيادتها، حيث اصطدم قرارها بإلغاء الاتفاقيات مع الإمارات بجدار صلب من الرفض في أقاليم "بونتلاند" و"جوبالاند" و"أرض الصومال" (صوماليلاند). فهذه الأقاليم لا تنظر إلى العلاقة مع أبوظبي من منظور سياسي مركزي، بل كشريان حياة اقتصادي وأمني لا يمكن الاستغناء عنه. وقد تجلى هذا التحدي في إعلان "صوماليلاند" تمسكها بالشراكة مع الإمارات، خاصة بعد دور الأخيرة في انتزاع اعتراف إسرائيلي تاريخي بها في ديسمبر 2025، مما جعل من أبوظبي الضامن الأول لطموحات الإقليم الانفصالية وحامي استثماراته المليارية في ميناء بربرة.
وفي ولاية بونتلاند، اتخذ التمرد طابعاً عسكرياً ودبلوماسياً صريحاً، حيث ترى الولاية أن مقديشو بقرارها هذا تُعرّي ظهرها أمام تنظيم "داعش" الإرهابي. فبونتلاند تعتمد كلياً على "قوة شرطة بونتلاند البحرية" والدعم الجوي الإماراتي لتطويق خلايا التنظيم في جبال "كال مسكاد"، وهو ما دفع رئيس الولاية، سعيد ديني، لتحدي المركز والسفر إلى الإمارات لترسيخ التعاون الثنائي. وبالمثل، ترفض ولاية جوبالاند، المعقل الرئيسي لحركة الشباب، التفريط في الغارات الجوية الإماراتية والتمويلات الأمنية التي تعوض نقص إمكانيات الجيش الوطني الصومالي، معتبرة أن أمن الإقليم يتقدم على الخلافات الدبلوماسية في العاصمة.
هذا الانقسام العمودي يضع قرار مقديشو في مهب الريح، إذ يبدو أن الحكومة الفيدرالية تمتلك القلم الذي وقع القرار ولكنها تفتقر إلى "أدوات التنفيذ" على الأرض. فشركة "موانئ دبي العالمية" والوحدات العسكرية المدعومة إماراتياً في الأقاليم تعمل خارج نطاق السيطرة الفعلية لمقديشو، مما يجعل القرار يراوح مكانه كـ "حبر على ورق" في المناطق الاستراتيجية المطلة على خليج عدن والمحيط الهندي. الإمارات، من جانبها، تدرك هذه الهشاشة الفيدرالية وتستثمر فيها عبر تعزيز علاقاتها المباشرة مع القادة المحليين، مما يهمش دور المركز ويحوله إلى طرف في صراع داخلي بدلاً من كونه مرجعاً سيادياً.
ختاماً، ينذر هذا المشهد بسيناريوهات قاتمة لوحدة الصومال؛ فإما أن تندفع مقديشو نحو مواجهة دستورية -وقد تكون عسكرية- مع الأقاليم الرافضة لفرض هيبتها، مما قد يجر البلاد إلى أتون حرب أهلية جديدة، أو أن تضطر للقبول بـ "واقعية سياسية" مُرّة، تتغاضى فيها عن استمرار النشاط الإماراتي مقابل الحفاظ على خيط رفيع من الوحدة الشكلية. إن "القشة التي قصمت ظهر البعير" في علاقة مقديشو بأبوظبي، قد تكون هي ذاتها الشرارة التي تُشعل أزمة الحكم الفيدرالي، وتجعل من الصومال ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية بين النفوذ الإماراتي والطموح السعودي المتصاعد.

انحسار "العمق الاستراتيجي" الإماراتي
يمثل قرار الإلغاء الصومالي ضربة قاصمة لاستراتيجية "النقاط المتصلة" التي انتهجتها الإمارات لتأمين نفوذها في البحر الأحمر وخليج عدن؛ إذ إن فقدان الوصول إلى القواعد العسكرية في بونتلاند وصوماليلاند يعني تجريد أبوظبي من منصات انطلاق حيوية كانت تُستخدم لإدارة عمليات الأمن البحري ومراقبة خطوط الملاحة الدولية. هذه القواعد لم تكن مجرد مراكز تدريب، بل كانت "ركيزة استراتيجية" توفر العمق اللازم لدعم العمليات العسكرية ضد الحوثيين في اليمن وتأمين الساحل الأفريقي من التهديدات العابرة للحدود. ومع انسحاب القوات الإماراتية المحتمل وتوقف النشاط في قواعد مثل بوصاصو، تتقلص قدرة الإمارات على التدخل السريع في الأزمات الإقليمية، مما يترك فراغاً عسكرياً قد تشغله قوى منافسة، ويضعف من دورها كلاعب أمني محوري في الممر المائي الأكثر حيوية في العالم.
على الصعيد الاقتصادي، يضع هذا القرار استثمارات إماراتية ضخمة تحت مقصلة التهديد، حيث تقدر القيمة الإجمالية للمشاريع في ميناءي "بربرة" و"بوصاصو" بنحو 800 مليون دولار. هذه الاستثمارات التي تقودها "موانئ دبي العالمية" لم تكن مجرد صفقات تجارية، بل كانت أداة لترسيخ الهيمنة الإماراتية على البنية التحتية اللوجستية في القرن الأفريقي وربطها بسلاسل التوريد العالمية. إن خسارة النفوذ في هذه الموانئ تعني فقدان الإمارات لمراكز تحكم تجارية رئيسية كانت تمنحها أفضلية تنافسية في التجارة الإقليمية وتؤمن مصالحها في الأسواق الأفريقية الناشئة. وفي حال نجحت مقديشو في تفعيل الإلغاء قانونياً أو تعرقلت العمليات نتيجة التوترات السياسية، فإن الإمارات لن تخسر رؤوس الأموال فحسب، بل ستفقد واحداً من أهم أوراق ضغطها الاقتصادي في منطقة القرن الأفريقي، مما يحد من طموحاتها في أن تكون المحرك الأول للتجارة الملاحية في المنطقة.

خناق جوي وتأثيرات على الحرب السودانية
كشف قرار الصومال بإغلاق مجاله الجوي عن ثغرة استراتيجية في سلاسل الإمداد الإماراتية الموجهة لدعم قوات الدعم السريع في السودان، حيث كان المسار الجنوبي المار عبر الصومال وإثيوبيا يمثل شريانًا حيويًا لنقل الأسلحة والمسيرات والمعدات العسكرية. ومع اعتبار ميناء "بوصاصو" نقطة عبور لوجستية أساسية في هذه الشبكة الإقليمية، فإن قرار مقديشو لم يكن مجرد موقف سياسي، بل تحول إلى "خناق تقني" يعطل تدفق الدعم العسكري الذي ساهم سابقًا في تعزيز سيطرة الدعم السريع على مناطق واسعة غرب السودان. هذا الانقطاع المفاجئ يضع القوات المدعومة إماراتيًا في مأزق عملياتي، خاصة مع استمرار القوات المسلحة السودانية في شن هجمات مضادة، مما قد يؤدي إلى تآكل المكاسب الميدانية التي تحققت في أواخر عام 2025 نتيجة نقص الذخائر وقطع غيار الطائرات المسيرة.
تتضاعف الأزمة الإماراتية مع تزايد العزلة الجوية في المنطقة؛ فإلى جانب المنع الصومالي، فرضت المملكة العربية السعودية قيودًا صارمة ومنعت طائرات الشحن والعسكريات الإماراتية من عبور أجوائها منذ مطلع يناير، مما أغلق "المسار الشمالي" التقليدي. تظهر بيانات تتبع الرحلات الجوية أن أبوظبي باتت مضطرة للبحث عن مسارات التفافية أكثر تعقيدًا وطولًا، مما يزيد من التكلفة المادية والزمنية لعمليات النقل، ويقلل من عنصر المفاجأة والسرعة في الإمداد. إن هذا التزامن بين الموقفين السعودي والصومالي لا يحرم الإمارات من قواعدها الارتكازية فحسب، بل يغير موازين القوى في الصراع السوداني بشكل جذري، حيث يمنح الجيش السوداني فرصة لالتقاط الأنفاس في ظل تعثر وصول الإمدادات النوعية لخصومه، ويضع الطموح الإماراتي في السودان أمام اختبار هو الأصعب منذ اندلاع الحرب الأهلية.

الرياض تعزز حضورها على أنقاض النفوذ الإماراتي
في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات الصومالية الإماراتية انهياراً دراماتيكياً، برزت المملكة العربية السعودية كحليف استراتيجي وملاذ آمن للحكومة الاتحادية في مقديشو. فلم تكتفِ الرياض بتقديم الدعم السياسي لموقف الصومال السيادي، بل ذهبت نحو تعزيز القدرات العسكرية للجيش الوطني الصومالي، مع تقارير تشير إلى تمويل سعودي لصفقات أسلحة باكستانية متطورة. هذا التحول يعكس رغبة السعودية في بناء "دولة مركزية صومالية" قوية تدين بالولاء لها، كبديل للنموذج الإماراتي الذي ركز على دعم الأقاليم والكيانات دون الوطنية. إن هذا الدعم العسكري واللوجستي يمنح مقديشو الثقة للاستغناء عن التمويل والتدريب الإماراتي، ويضع السعودية في موقع اللاعب الأكثر تأثيراً في رسم مستقبل الأمن في القرن الأفريقي.
لا يمكن فصل التقارب السعودي الصومالي عن الصراع الأوسع على النفوذ في اليمن، حيث نجحت الرياض في تقليص أذرع الإمارات العسكرية والسياسية بشكل ملحوظ. فبعد الهجوم المباغت الذي شنته القوات الحكومية اليمنية المدعومة سعودياً في ديسمبر، انهار مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي (حليف الإمارات)، مما أجبر القوات الإماراتية على الانسحاب من مواقع استراتيجية بالغة الأهمية، وعلى رأسها جزيرة سقطرى. هذا التراجع الإماراتي في اليمن أضعف موقف أبوظبي في الصومال أيضاً؛ إذ فقدت الإمارات قدرتها على المناورة بين ضفتي خليج عدن، بينما استغلت السعودية هذا التخبط لتأكيد مكانتها كقوة إقليمية مهيمنة قادرة على حماية حلفائها في مقديشو وعدن على حد سواء، مما أدى في النهاية إلى انحسار نفوذ الإمارات "على أنقاض" تحالفاتها القديمة التي تهاوت واحداً تلو الآخر.

تمرد الولايات: هل تنجح مقديشو في فرض قرارها؟
رغم النبرة الصارمة التي تبنتها الحكومة المركزية في مقديشو، إلا أن قرار الإلغاء اصطدم بواقع سياسي معقد يتمثل في "تمرد إقليمي" واسع تقوده ولايات جوبالاند، وبونتلاند، وأرض الصومال (صوماليلاند). فقد سارعت هذه الولايات لإصدار بيانات رسمية تُبطل مفعول قرار الحكومة الفيدرالية داخل حدودها، مؤكدة على حقها الدستوري –من وجهة نظرها– في إبرام وصيانة اتفاقيات أمنية واقتصادية مستقلة. هذا الانقسام لا يضعف فقط من هيبة الدولة المركزية، بل يكشف عن عجز مقديشو عن فرض إرادتها على مناطق استراتيجية تمتلك جيوشاً محلية وإدارة ذاتية، مما يحول قرار مجلس الوزراء إلى "حصار ورقي" يفتقر للأدوات التنفيذية على الأرض في المناطق الأكثر حيوية للنشاط الإماراتي.
يمنح هذا التفسخ في الموقف الصومالي دولة الإمارات "طوق نجاة" للاستمرار في المنطقة عبر الالتفاف على الحكومة الاتحادية والتعامل المباشر مع الأقاليم المعارضة. وتتجلى هذه الاستراتيجية في الموقف المعلن لشركة "موانئ دبي العالمية"، التي أكدت مضيها في تشغيل ميناء بربرة وتوسعة استثماراتها دون أدنى اعتبار لقرارات العاصمة، مستندة إلى علاقاتها العميقة مع سلطات "صوماليلاند". إن استمرار الرحلات الجوية والنشاط العسكري في قاعدة "بوصاصو" التابعة لبونتلاند، رغم أوامر الإغلاق، يشير إلى أن أبوظبي نجحت في خلق "جيوب نفوذ" محصنة داخل الجغرافيا الصومالية، وهو ما يضع الحكومة المركزية في مأزق؛ فإما القبول بواقع السيادة المنقوصة، أو الدخول في صدام مباشر مع ولاياتها قد يهدد بانهيار النظام الفيدرالي برمته.

مخاوف أمنية: مكافحة الإرهاب في مهب الريح
يُثير قرار إلغاء الاتفاقيات الأمنية مخاوف عميقة بشأن مستقبل العمليات ضد حركة "الشباب" وجماعات تنظيم "الدولة الإسلامية"، حيث كانت الإمارات تلعب دوراً محورياً في تمويل وتدريب وتسليح آلاف الجنود ضمن وحدات النخبة والشرطة الاتحادية. إن سحب هذا الدعم المالي واللوجستي، الذي شمل دفع رواتب أكثر من 3400 جندي بحلول عام 2026، قد يؤدي إلى شلل في القدرات القتالية للجيش الوطني الصومالي، لا سيما في مراكز التدريب الحيوية بمقديشو. ومع توقف الغارات الجوية الإماراتية التي كانت تستهدف معاقل حركة "الشباب" في جوبالاند، يخشى المراقبون من أن تفقد الحكومة المركزية زخمها العسكري، مما يمنح التنظيمات المتطرفة فرصة ذهبية لاستعادة الأراضي التي خسرتها، وتهديد استقرار العاصمة والولايات المحيطة بها.
على جبهة أخرى، يهدد غياب التنسيق الأمني مع أبوظبي بتقويض النجاحات التي تحققت ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" في ولاية بونتلاند؛ فالتنظيم الذي حُصر في وديان جبال "كال مسكاد" الوعرة منذ عام 2024، قد يجد الآن "متنفساً" استراتيجياً. لقد كان للدعم الجوي الإماراتي والعمليات النوعية التي نفذتها "قوة شرطة بونتلاند البحرية" المدعومة إماراتياً الدور الأبرز في إضعاف التنظيم وإجبار قياداته على التحرك في مجموعات صغيرة. ومع غياب هذا الغطاء الجوي وتفكك منظومة الدعم الاستخباراتي، يحذر الخبراء من عودة التنظيم للظهور في المناطق التي طُهرت سابقاً، مستغلاً الفجوة الأمنية بين مقديشو والولايات الإقليمية لإعادة بناء شبكاته القتالية وتهديد أمن الملاحة في خليج عدن.

شارك