بتمويل سعودي وصفقة باكستانية.. سلاح الجو السوداني يستعد لقلب الطاولة على "الدعم السريع"

الجمعة 16/يناير/2026 - 03:09 ص
طباعة بتمويل سعودي وصفقة حسام الحداد
 
دخلت الحرب الأهلية السودانية منعطفاً جديداً قد يغير مسارها الميداني، مع كشف تقارير استخباراتية وإعلامية عن صفقة أسلحة ضخمة بمليارات الدولارات، تهدف إلى انتشال القوات المسلحة السودانية من مأزقها الجوي. الصفقة التي تبلغ قيمتها 1.5 مليار دولار، وتدعمها المملكة العربية السعودية، ستزود الجيش السوداني بترسانة باكستانية متطورة لمواجهة التفوق الميداني الذي حققته قوات الدعم السريع مؤخراً باستخدام المسيرات الإماراتية.

التفوق الجوي: هدف الجيش السوداني لكسر الحصار
تواجه القوات المسلحة السودانية مأزقاً عملياتياً غير مسبوق في مناطق وسط السودان، حيث تسبب الافتقار للتفوق الجوي في عجز الجيش عن فك الحصار عن مراكزه الاستراتيجية، وعلى رأسها مدينة "الأبيض" المقر الإقليمي للجيش. وقد نجحت قوات الدعم السريع في تحييد سلاح الجو السوداني التقليدي عبر استخدام مكثف للطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة المقدمة من الإمارات، والتي لم تكتفِ باستهداف البنية التحتية وتعطيل قدرة الحكومة على الإدارة، بل تمكنت من إسقاط طائرات إمداد حيوية ومنعها من إيصال العتاد والمؤن للوحدات المحاصرة. هذا التفوق التقني للدعم السريع سمح لها بإنهاك دفاعات الجيش عبر ضربات دقيقة بالمسيرات قبل شن الهجمات البرية، مما أدى إلى تآكل القدرة الدفاعية للقوات المسلحة السودانية ووضعها في موقف "الدفاع السلبي" داخل المدن الكبرى.
تأتي الصفقة الباكستانية المدعومة سعودياً كطوق نجاة تقني يهدف إلى استعادة "السيادة الجوية" المفقودة؛ إذ إن إدخال أكثر من 200 طائرة مسيرة متطورة إلى الخدمة سيتيح للجيش السوداني نقل المعركة إلى عمق خطوط إمداد قوات الدعم السريع واستهداف تحركاتها بدقة تماثل أو تتفوق على ما تمتلكه الأخيرة. علاوة على ذلك، فإن احتمالية ضم مقاتلات JF-17 الرعد (Thunder) وأنظمة الدفاع الجوي الحديثة سيوفر مظلة حماية قوية للطائرات الشحن والإمداد، مما يضمن كسر الحصار عن المدن المعزولة وتأمين المسارات اللوجستية. هذه الترسانة لا تهدف فقط لتعويض النقص العددي، بل صُممت خصيصاً لمواجهة "حرب المسيرات" التي تشنها قوات الدعم السريع، مما يمهد الطريق لتحول جذري في موازين القوى البرية إذا ما نجح الجيش في استعادة السيطرة على سمائه ومجاله الجوي.

الرياض وإسلام آباد: تحالف استراتيجي لإنقاذ الخرطوم
تُعد هذه الصفقة العسكرية بمثابة "تحول استراتيجي" في الموقف السعودي تجاه النزاع السوداني، إذ تمثل أول دعم عسكري علني وموثق تقدمه الرياض للقوات المسلحة السودانية منذ اندلاع الحرب. وتشير المعطيات الجيوسياسية إلى أن دور المملكة تجاوز مجرد الوساطة أو التسهيل الدبلوماسي، ليتحول إلى دور "الممول الرئيسي" والمحرك الفعلي للاتفاق؛ حيث تفيد التقارير بأن السعودية قررت استقطاع نحو 1.2 مليار دولار من ميزانية اتفاقية دفاعية ضخمة وقعتها مع باكستان لصالح السودان. هذا الدعم المالي الضخم يهدف إلى تمكين الجيش السوداني من حيازة تكنولوجيا عسكرية متطورة كانت حكراً على خصومه، مما يعكس رغبة الرياض في موازنة القوى ومنع انهيار الدولة المركزية السودانية أمام تمدد قوات الدعم السريع.
ومن الناحية الإجرائية، يبدو أن تنفيذ الاتفاق قد انتقل بالفعل من أروقة المكاتب إلى أرض الواقع؛ فمنذ 13 يناير 2026، رصدت تقارير تتبع الحركة الجوية سلسلة من رحلات النقل العسكري المكثفة المنطلقة من باكستان باتجاه الأراضي السعودية، وهو ما يُعتقد أنه بداية شحن العتاد المخصص للسودان. وتأتي هذه التحركات تحت مظلة "اتفاقية الدفاع المشترك" الموقعة بين الرياض وإسلام آباد في سبتمبر 2025، والتي تبلغ قيمتها الإجمالية 4 مليارات دولار. ويتم بموجبها تحويل ملياري دولار من قروض سعودية سابقة لباكستان لتسديد قيمة مشتريات عسكرية، من ضمنها مقاتلات JF-17 المسندة للجيش السوداني، مما يحول التحالف "السعودي-الباكستاني" إلى لاعب مرجحي في معادلة الحرب الأهلية السودانية.

تضييق الخناق على "الجسر الجوي" الإماراتي
تزامنًا مع تعزيز قدرات الجيش السوداني التسليحية، شنت الرياض حربًا لوجستية صامتة استهدفت الجسر الجوي الإماراتي الداعم لقوات الدعم السريع، حيث بدأت المملكة منذ 5 يناير فرض قيود صارمة منعت بموجبها جميع طائرات الشحن والطائرات العسكرية الإماراتية من عبور أجوائها السيادية. هذا الإغلاق للمجال الجوي السعودي أدى فعليًا إلى قطع "المسار الشمالي" الذي تعتمد عليه أبوظبي للوصول إلى قواعدها اللوجستية في تشاد وليبيا، والتي تُعد منصات الانطلاق الرئيسية للسلاح المتجه للسودان. وتؤكد بيانات تتبع الرحلات الجوية أن الطائرات الإماراتية باتت تتجنب المسارات التقليدية وتضطر لسلوك طرق التفافية طويلة ومكلفة، مما أفقد عمليات الإمداد ميزة السرعة والكفاءة التي كانت تتمتع بها قبل مطلع عام 2026.
لم يقتصر التحرك السعودي على الأجواء، بل امتد ليشمل العمق الاستراتيجي الإماراتي في القرن الأفريقي عبر ممارسة ضغوط دبلوماسية مكثفة على حكومة مقديشو. وبحسب تقارير "بلومبيرغ"، لعب هذا النفوذ دورًا محوريًا في دفع الصومال لاتخاذ قراره التاريخي بإلغاء جميع الاتفاقيات الثنائية مع الإمارات، رداً على انتهاكات السيادة في قضية "الزبيدي". هذا القرار وضع قاعدة "بوصاصو" العسكرية في ولاية بونتلاند –التي تُعد نقطة ارتكاز حيوية ومركز عبور استراتيجي لشحنات السلاح المتجهة لقوات الدعم السريع– تحت طائلة الخطر القانوني والسياسي. وبذلك، نجحت الرياض في "تطويق" خيارات أبوظبي عبر إغلاق المجال الجوي شمالاً وتهديد قواعد الارتكاز جنوباً، مما أحدث ثغرة أمنية ولوجستية واسعة في منظومة دعم قوات الدعم السريع.

البديل الباكستاني يطيح بالطموحات الروسية
يُشكل التوجه السوداني الحالي نحو باكستان والسعودية نقطة تحول حاسمة أطاحت بالطموحات الروسية التي سعت طويلاً لوضع موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر. فبعد سنوات من المباحثات الممتدة منذ عام 2017، والتي تجددت في أكتوبر 2025، حاول الجيش السوداني مقايضة منح روسيا قاعدة بحرية مقابل الحصول على أنظمة دفاع جوي ومقاتلات حديثة لكسر التفوق الميداني لقوات الدعم السريع. إلا أن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان قرر مؤخراً تجميد هذا المسار المتعثر، مفضلاً خياراً أكثر موثوقية وسرعة في التنفيذ يتمثل في "الصفقة الباكستانية" الممولة سعودياً، وهو ما يجنب الخرطوم التبعات السياسية الدولية المعقدة المرتبطة بالتحالف مع موسكو في هذا التوقيت الحرج.
لم يقتصر البديل السوداني على شراء السلاح فحسب، بل انخرطت الخرطوم في ديناميكية "شراكة استراتيجية" ناشئة تضم السعودية وباكستان وتركيا، مما أدى إلى عزل الطموحات الروسية تماماً. وتكشف المعطيات أن تركيا، الحليف التقليدي للقوات المسلحة السودانية، تجري حالياً محادثات متقدمة للانضمام إلى اتفاقية "الدفاع المشترك" الموقعة بين الرياض وإسلام آباد في سبتمبر 2025، مما يخلق كتلة عسكرية وسياسية صلبة في المنطقة. هذا المحور الجديد يوفر للسودان غطاءً إقليمياً ودولياً أوسع، حيث تتقاطع المصالح السعودية في تأمين البحر الأحمر مع الخبرة التصنيعية العسكرية لباكستان وتركيا، مما يمنح الجيش السوداني وصولاً مستداماً للتكنولوجيا العسكرية (مثل مسيرات بيرقدار والترسانة الباكستانية) بعيداً عن ضغوط الصفقات الروسية المشروطة بالقواعد البحرية.

الخلاصة: 
إن تصعيد التنافس "السعودي-الإماراتي" انتقل من اليمن إلى السودان والقرن الأفريقي. فبينما تسعى الإمارات لتعزيز نفوذ حلفائها عبر شبكة من القواعد والولايات المنفصلة، تراهن السعودية على تقوية الدولة المركزية والجيش النظامي في السودان والصومال، في محاولة لرسم خارطة نفوذ جديدة تضمن استقرار البحر الأحمر تحت مظلة نفوذها.

شارك