من شائعات الاحتجاز إلى إسقاط العضويات… الجنوب في قلب العاصفة السياسية

الجمعة 16/يناير/2026 - 01:01 م
طباعة من شائعات الاحتجاز فاطمة عبدالغني
 
في ظل مرحلة سياسية شديدة الحساسية تمر بها المحافظات الجنوبية واليمن عموماً، تزامنت خلال الأيام الماضية تطورات متسارعة شملت مواقف لقيادات جنوبية موجودة في المملكة العربية السعودية، وقرارات جوهرية أصدرها مجلس القيادة الرئاسي، إلى جانب تصعيد قانوني وسياسي غير مسبوق ضد قيادات بارزة في المجلس الانتقالي الجنوبي. 
هذه التطورات أعادت إلى الواجهة طبيعة الصراع داخل معسكر الشرعية، وحدود الشراكة السياسية، ومستقبل القضية الجنوبية في ظل إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخلياً وإقليمياً.
وأصدرت القيادات الجنوبية التي قدمت من العاصمة المؤقتة عدن إلى الرياض بدعوة رسمية من المملكة العربية السعودية بياناً نفت فيه بشكل قاطع ما تم تداوله على نطاق واسع في وسائل إعلام ومنصات تواصل اجتماعي بشأن تعرضها للاحتجاز أو تقييد حريتها، وكذلك الدعوات التي أطلقت لتنظيم تظاهرات للمطالبة بالإفراج عنها. 
وأكدت القيادات أن هذه الأخبار عارية تماماً عن الصحة، ووصفتها بمحاولات تضليل تستهدف خلط الأوراق وإرباك المشهد الجنوبي في توقيت بالغ الحساسية.
وشدد البيان على أن الوفد الجنوبي حظي منذ لحظة وصوله إلى المملكة باستقبال رسمي وترحيب كامل، وتسهيلات شاملة عكست متانة العلاقة مع الجانب السعودي، موضحاً أن القيادات أجرت خلال الفترة الماضية عدداً من اللقاءات المكثفة مع مسؤولين في الحكومة السعودية، إلى جانب اجتماعات مع بعثات دبلوماسية أجنبية معتمدة لدى المملكة، تم خلالها بحث تطورات الملف اليمني، ومستقبل العملية السياسية، والقضية الجنوبية بوصفها إحدى أعقد القضايا في المشهد الوطني.
وأشادت القيادات الجنوبية بالدور الذي تضطلع به الرياض في رعاية المؤتمر الجنوبي الشامل، معتبرة أن هذا المسار يمثل فرصة تاريخية لوضع القضية الجنوبية على طاولة المعالجة السياسية الجادة، بعيداً عن العسكرة أو توظيفها في الصراعات الإقليمية. 
وأكد البيان أن الرعاية السعودية تعكس وجود إرادة دولية داعمة لإيجاد حل عادل ومتوازن يستند إلى تطلعات أبناء الجنوب ويحفظ في الوقت نفسه وحدة واستقرار اليمن.
كما لفت البيان إلى إعلان الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز، وزير الدفاع السعودي، استمرار دعم المملكة لليمن عبر حزمة مشاريع وبرامج تنموية تبلغ قيمتها 1.9 مليار ريال سعودي، مخصصة لدعم البنية التحتية والخدمات الأساسية وتحسين الظروف المعيشية في عدد من المحافظات، وفي مقدمتها المحافظات الجنوبية، في محاولة لمعالجة جذور الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي غذّت حالة الاحتقان الشعبي خلال السنوات الماضية.
وحذرت القيادات من تصاعد الخطاب الإعلامي التحريضي الذي يسعى – بحسب البيان – إلى تقويض الجهود الرامية إلى توحيد الصف الجنوبي، وإفشال أي مسار حواري جامع، ودفع الشارع نحو الفوضى والصدام الداخلي. 
ودعت أبناء المحافظات الجنوبية إلى عدم الانجرار وراء أي دعوات للتظاهر أو التصعيد تخدم أجندات خارجية أو مصالح شخصية ضيقة، مؤكدة أن الحفاظ على الأمن والاستقرار مسؤولية جماعية، وأن أي انفلات جديد لن يكون في مصلحة الجنوب ولا قضيته السياسية.
وفي سياق سياسي متصل، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قراراً بتعيين الدكتور شائع محسن الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء، خلفاً لسالم بن بريك الذي أعلن استقالته منتصف يناير 2026. 
ويُنظر إلى هذا التعيين باعتباره محاولة لإعادة تنشيط الحكومة ومنحها طابعاً دبلوماسياً وسياسياً أكثر انفتاحاً، في ظل تعقيدات الملف اليمني إقليمياً ودولياً.
ويُعد الزنداني من أبرز الشخصيات الدبلوماسية اليمنية، حيث يمتلك مسيرة مهنية تمتد لأكثر من ثلاثين عاماً، تقلد خلالها مناصب سفير في عدد من الدول المهمة، منها السعودية وبريطانيا وإيطاليا والأردن، إضافة إلى عمله مندوباً دائماً لليمن لدى منظمة التعاون الإسلامي ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة. 
كما شغل منصب نائب وزير الخارجية في فترتين مختلفتين، ووزير الخارجية منذ مارس 2024، ويحمل مؤهلات أكاديمية عليا في القانون والعلوم الدبلوماسية، إلى جانب مشاركته في لجان وطنية ومحافل دولية مرتبطة بملف الوحدة اليمنية والإصلاح السياسي.
بالتوازي مع ذلك، فجّر قرار مجلس القيادة الرئاسي بإسقاط عضوية نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي اللواء الركن فرج البحسني موجة جدل سياسي وقانوني واسعة، إذ وصف البحسني القرار بأنه باطل دستورياً وقانونياً وسياسياً، مؤكداً أنه صدر بإجراءات أحادية دون تحقيق أو مساءلة أو منحه حق الدفاع، ودون الالتزام بآلية اتخاذ القرار المنصوص عليها في إعلان نقل السلطة.
واعتبر البحسني أن القرار يمثل انقلاباً على مبدأ التوافق الذي تأسس عليه مجلس القيادة الرئاسي، ومحاولة لإدارة المرحلة الانتقالية بمنطق الإقصاء بدلاً من الشراكة، محذراً من أن هذا النهج يهدد ما تبقى من الثقة الشعبية بالمؤسسات الانتقالية، وأشار إلى أن القرار جاء بعد يومين فقط من مشاركته في اجتماع رسمي للمجلس، ناقش فيه مستجدات المشهد السياسي وأطلع الأعضاء على وضعه الصحي، ما يعكس – بحسب قوله – تناقضاً واضحاً بين الوقائع والذرائع التي استخدمت لتبرير إبعاده.
وأكد البحسني أن مواقفه كانت دائماً منطلقة من واجبه في حماية حضرموت والحفاظ على أمنها واستقرارها، ورفض إدخالها في صراعات مسلحة أو مواجهات داخلية، معتبراً أن هذا الموقف يجب أن يُحسب له لا أن يُستخدم ضده. 
كما اتهم جهات داخل المجلس باستخدام ادعاءات صحية غير دقيقة كذريعة سياسية للإقصاء، محذراً من أن ما جرى يؤسس لسابقة خطيرة في إدارة الخلافات داخل أعلى سلطة في البلاد.
وفي المقابل، أعلن مجلس القيادة الرئاسي تعيين كل من محمود الصبيحي وسالم الخنبشي عضوين جديدين في المجلس، مع احتفاظ الخنبشي بمنصبه محافظاً لحضرموت، في خطوة قال إنها تأتي ضمن إجراءات تهدف إلى تثبيت مؤسسات الدولة وتوحيد القرار السيادي. 
وأوضح المجلس أن إسقاط عضوية البحسني جاء بسبب إخلاله بمسؤولياته الدستورية، ومساندته لما وصفه بالتمرد العسكري، وتعطيله جهود توحيد القوات، إضافة إلى ثبوت عجز صحي دائم يمنعه من أداء مهامه.
كما كشفت السلطات القضائية عن تشكيل لجنة عليا في النيابة العامة للتحقيق في اتهامات موجهة إلى رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، تشمل الخيانة العظمى، والانتهاكات بحق المدنيين، وتقويض مؤسسات الدولة، على خلفية التصعيد العسكري في حضرموت والمهرة، وأكد المجلس الرئاسي أن هذه الإجراءات تأتي في إطار استعادة هيبة الدولة، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
وفي خضم هذه التطورات، جدد مجلس القيادة التزامه بمعالجة القضية الجنوبية عبر حوار جنوبي – جنوبي شامل برعاية سعودية، باعتباره الإطار السياسي الأنسب لتجاوز الانقسامات، وتوحيد الرؤية الجنوبية، ودمج مطالب أبناء الجنوب ضمن تسوية وطنية شاملة.
ويرى المراقبون أن ما يجري يعكس تحوّلاً عميقاً في طريقة إدارة الملف الجنوبي داخل الشرعية اليمنية، وانتقالاً من مرحلة الشراكة الهشة إلى مرحلة إعادة فرض مركزية القرار السياسي والأمني، ويعتقد هؤلاء أن نفي القيادات الجنوبية لادعاءات احتجازها، وتأكيدها على الدور السعودي، يهدف إلى قطع الطريق أمام محاولات توظيف الشارع الجنوبي في صراعات النفوذ، في حين تشكل قرارات إسقاط العضويات وفتح الملفات القضائية رسالة واضحة بأن المرحلة المقبلة لن تسمح بهوامش واسعة للحركة خارج إطار السلطة المركزية. 
غير أن المراقبين يحذرون في الوقت ذاته من أن الإفراط في استخدام أدوات الإقصاء والقوة القانونية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويعمّق الانقسام الجنوبي، ويقوض فرص الحوار، ما يجعل مستقبل الاستقرار في الجنوب مرهوناً بقدرة جميع الأطراف على تغليب منطق التسوية السياسية على منطق كسر العظم.

شارك