مئة عام من المراوغة: تفكيك "بروتوكولات" التضليل في خطاب جبهة لندن
السبت 17/يناير/2026 - 12:35 ص
طباعة
حسام الحداد
في حوارٍ يفيض بـ "التقية السياسية" والمغالطات التاريخية، خرج صهيب عبد المقصود، المتحدث باسم "جبهة لندن" الإخوانية ونجل وزير إعلام التنظيم الأسبق، ليمارس هواية الجماعة الأثيرة في القفز فوق الحقائق وإنكار البديهيات. لم يكن الحوار مجرد دفاع عن تنظيم يترنح تحت ضربات الانقسامات و تصنيفات الإرهاب الدولية، بل كان محاولة بائسة لبعث "جثة سياسية" هامدة، عبر تسويق خطاب ناعم موجه للغرب، يرتدي ثوب المظلومية القانونية ويدعي السلمية، في حين أن جذور التنظيم وفروعه الميدانية لا تزال تنهل من بئر "القطبية" التكفيرية والعمليات النوعية المسلحة.
إن لجوء عبد المقصود إلى لغة "جيل Z" والتباكي على الأزمات الاقتصادية، ليس إلا محاولة انتهازية لركوب موجات الغضب الشعبي، في استنساخ مشوه لتكتيكات ما قبل 2011. يظن المتحدث أن الذاكرة الجمعية للمصريين قد أصابها العطب، فنسيت عام "التمكين" المظلم وصراعات الشوارع، ليقدم اليوم خطاباً يزعم فيه تماسك جبهة منقسمة على نفسها حتى النخاع، ويحاول فيه صهر هوية التنظيم في هوية الدين عبر "فزاعة الإسلاموفوبيا"؛ وهي ذات اللعبة التي لم تعد تنطلي على دوائر صنع القرار الدولي ولا على الشارع الذي ذاق مرارة الفشل الإخواني في إدارة الدولة.
تفنيد ادعاء "السلمية المطلقة" ونفي الإرهاب
يرتكز خطاب صهيب عبد المقصود على نفي قاطع لأي نشاط عنيف عبر قرن من الزمان، وهو ادعاء يصطدم مباشرة بوقائع "التاريخ الموازي" للجماعة الذي لم يتوقف عند الدعوة والسياسة. فمنذ الأربعينيات، أسس حسن البنا "النظام الخاص" كذراع عسكري موازٍ للتنظيم، تورط في سلسلة اغتيالات سياسية كبرى هزت الدولة المصرية، أبرزها اغتيال القاضي أحمد الخزندار ورئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي. هذا التكوين العضوي للعنف داخل بنية الجماعة يثبت أن "السلمية" لم تكن خياراً أيديولوجياً ثابتاً، بل كانت استراتيجية "مرحلية" تخضع لموازين القوى، مما يجعل النفي المطلق الذي قدمه المتحدث مجرد محاولة لتبييض تاريخ موثق بالدماء والعمليات السرية.
في العمق البنيوي، لا تزال أدبيات "سيد قطب" -خاصة كتابي "في ظلال القرآن" و"معالم في الطريق"- تشكل العمود الفقري للتربية داخل التنظيم، وهي المرجعية التي ولدت مفاهيم "الحاكمية" و"الجاهلية" و"العزلة الشعورية". هذه الأفكار لم تكن مجرد تنظير أكاديمي، بل كانت الوقود الفكري الذي استمدت منه جماعات العنف المسلح (مثل التكفير والهجرة، والجهاد، والقاعدة) شرعيتها في تكفير المجتمعات واستباحة الدماء. وبالرغم من محاولات جبهة لندن تسويق "الاعتدال والوسطية"، إلا أن عدم المراجعة الفكرية الشاملة لهذه الأدبيات، أو التبرؤ الصريح من تأويلاتها الصدامية، يبقي الجماعة في خانة "الحاضنة الفكرية" للإرهاب، حتى وإن لم تمارسه بشكل تنظيمي مباشر في بعض الفترات.
يظهر الضعف الأكبر في حجة عبد المقصود عند النظر إلى المشهد الميداني عقب أحداث عام 2013؛ حيث انتقلت الجماعة من لغة "السلمية المبدئية" إلى لغة "السلمية الموجعة" والتحريض المباشر عبر منصات رابعة والنهضة. وقد أثبتت التقارير الأمنية والواقعية أن حركات مسلحة مثل "حسم" و"لواء الثورة" لم تنبت من فراغ، بل خرجت من رحم "اللجان النوعية" التي شكلها شباب الجماعة بتوجيهات أو غطاء شرعي من قيادات ميدانية. إن هذا الانزلاق من العمل السياسي إلى تشكيل أجنحة مسلحة "مجهولة التبعية تنظيمياً" يعكس تكتيك "تبادل الأدوار"، حيث يتمسكون بالواجهة السياسية أمام المجتمع الدولي، بينما يمارسون أو يباركون العنف في الداخل تحت مسميات حركية جديدة، مما يجعل قرار التصنيف الدولي مبنياً على رصد لهذا "الارتباط العضوي" الذي يحاول المتحدث إنكاره.
الهروب من "أزمة الشرعية" إلى "فزاعة الإسلاموفوبيا"
يعتمد صهيب عبد المقصود في تبريره للقرار الأمريكي على آلية "التجييش العاطفي"، عبر ربط قرار التصنيف بموجات "الإسلاموفوبيا". هذا الطرح يمثل هروباً ذكياً من مواجهة الحقائق الإجرائية؛ فالقرارات السيادية في الدول الكبرى لا تُبنى على عداء عشوائي للأديان، بل تستند إلى ملفات استخباراتية وقانونية ترصد "شبكات التمويل المعقدة" و"الارتباطات العابرة للحدود" مع تنظيمات مصنفة عنيفة. إن محاولة تصوير القرار كصراع بين "الغرب والإسلام" هي استراتيجية تهدف إلى تعمية الرأي العام عن الأسباب الموضوعية المتعلقة بخلل الممارسة السياسية للجماعة، وتحويل النقاش من "سلوك تنظيمي مُدان" إلى "اضطهاد عقائدي مزعوم".
ينطوي خطاب المتحدث على مغالطة منطقية كبرى، وهي محاولة احتكار تمثيل الإسلام وصهر هوية الجماعة في هوية الدين. من خلال هذا الخلط، تسعى الجماعة لجعل أي نقد سياسي موجه لأدائها أو أي قرار دولي ضد تنظيمها بمثابة هجوم على "الإسلام ككل". هذا التكتيك يهدف بالدرجة الأولى إلى حشد التعاطف الشعبي في المجتمعات المسلمة، وإرهاب المعارضين والمنتقدين داخلياً وخارجياً عبر وصمهم بـ "معاداة الدين". إن "الإسلاموفوبيا" ظاهرة حقيقية يعاني منها المسلمون كأفراد، لكن الجماعة تستخدمها كـ "درع أيديولوجي" لحماية هيكلها التنظيمي من المساءلة السياسية والقانونية.
تعد استدعاء فكرة "الأجندات السلطوية" و"الإسلاموفوبيا" وسيلة لتجنب الاعتراف بـ "أزمة الشرعية" التي ضربت الجماعة بعد فشلها الذريع في إدارة الدولة المصرية خلال عام الحكم. فبدلاً من تقديم كشف حساب سياسي أو إجراء مراجعات شجاعة حول السياسات الإقصائية والصدام مع مؤسسات الدولة، يختار الخطاب الإخواني المسار الأسهل وهو "المظلومية". هذا الهروب يمنع الجماعة من إدراك أن رفضها دولياً وإقليمياً لم يعد مرتبطاً بفكرها الدعوي، بقدر ما هو مرتبط بسقوط "أهليتها السياسية" وفشلها في تقديم نموذج ديمقراطي حقيقي، مما يجعل القرار الأمريكي -في نظر المجتمع الدولي- نتيجة منطقية لسلسلة من الإخفاقات والارتباطات المشبوهة، لا مجرد استجابة لضغوط خارجية.
إنكار الانقسام التنظيمي (تجميل الواقع)
يمارس صهيب عبد المقصود نوعاً من "الإنكار التنظيمي" حين يتحدث عن وحدة الصف تحت قيادة صلاح عبد الحق، متجاهلاً الواقع المرئي الذي يؤكد أن الجماعة تعيش أسوأ انقسام هيكلي في تاريخها. فما يسمى "جبهة لندن" التي يمثلها، لا تعترف بها "جبهة إسطنبول" بقيادة محمود حسين، والتي تمتلك هي الأخرى مجلس شورى وقائماً بأعمال المرشد خاصاً بها. هذا التشظي لم يعد مجرد تباين في وجهات النظر، بل تحول إلى صراع علني على "الشرعية التنظيمية"، حيث تتبادل الجبهات الاتهامات بالتخوين والمروق عن ثوابت الجماعة، مما يجعل حديث عبد المقصود عن "القيادة الواحدة" مجرد محاولة يائسة لترميم صورة كيان متهالك فقد مركزية القرار.
خلف ستار الخلافات الفكرية والسياسية التي يحاول المتحدث تبسيطها، يكمن صراع شرس على "الإمبراطورية المالية" للجماعة والتمثيل الدولي. فالانقسام بين جبهتي لندن وإسطنبول يتمحور في جوهره حول السيطرة على اشتراكات الأعضاء (المنظومة المالية)، والاستثمارات العابرة للحدود، وقنوات التواصل مع القوى الدولية. إن إصرار عبد المقصود على إظهار الجماعة ككتلة صلبة يهدف إلى طمأنة الممولين والجهات المانحة بأن التنظيم لا يزال كياناً مؤسسياً يمكن التعامل معه، بينما الحقيقة أن الصراع على الأصول والموارد قد أدى إلى تفتيت الولاءات وتحول الجماعة إلى "جزر منعزلة" تتنافس فيما بينها على البقاء المادي.
التفنيد الأهم لادعاء "تماسك الصف" يظهر في حالة التمرد الصامت والمعلن داخل القواعد الشبابية، وظهور تيار "المكتب العام" أو ما يعرف بـ "تيار التغيير"، الذي يرفض كلا الجبهتين (لندن وإسطنبول) ويعتبرهما قيادات هرمة تسببت في نكبة الجماعة. هذا الجيل الشاب لم يعد يلقي بالاً لقرارات "صلاح عبد الحق" أو غيره، بل انخرط بعضه في مسارات فردية أو تنظيمات راديكالية، بينما فضل البعض الآخر العزلة التامة. إن ادعاء عبد المقصود بأن "من اختلفوا تنظيماً يتفقون على رفض التصنيف" هو محاولة لخلط الأوراق، لإيهام المشاهد بأن الجماعة لا تزال تملك سلطة أدبية أو تنظيمية على هؤلاء الشباب، في حين أن الواقع يؤكد انقطاع الخيوط بين القيادة والقواعد وتشتت "الولاء التنظيمي" بشكل غير مسبوق.
محاولة "الركوب" على الموجات الشبابية (جيل Z)
يكشف خطاب صهيب عبد المقصود عن فجوة حضارية وأيديولوجية عميقة يحاول ردمها بكلمات دبلوماسية؛ فالجماعة التي تقوم بنيتها على السمع والطاعة، والولاء للتنظيم، والأدبيات المحافظة، تتصادم جوهرياً مع سمات "جيل Z". هذا الجيل الذي نشأ في فضاء رقمي مفتوح، يتميز بالنزعة الفردية، والتحلل من الأيديولوجيات الشمولية (سواء كانت دينية أو قومية)، والمطالبة بحريات شخصية وتعبيرية لا تقرها مناهج الإخوان التقليدية. إن محاولة "مباركة" هذه التحركات ليست إلا مناورة سياسية، تتجاهل أن أدوات هذا الجيل في التغيير وقيمه "العلمانية الرقمية" تمثل نقيضاً تاماً لمشروع "أستاذية العالم" الذي تنشده الجماعة.
يسعى عبد المقصود من خلال إجابته إلى "استقطاب" أي حراك وطني عفوي وربطه رمزياً بالجماعة، وهي استراتيجية قديمة تهدف إلى العودة للمشهد السياسي عبر استغلال الأزمات الاقتصادية الخانقة. الجماعة هنا لا تتبنى قضايا الشباب من منطلق إيمان بالتغيير الديمقراطي، بل تبحث عن "زخم شعبي" يكسر عزلتها السياسية. هذا النوع من "الركوب" على الموجات الاحتجاجية يعكس رغبة في تحويل غضب الشباب الناتج عن غلاء المعيشة أو ضيق الأفق السياسي إلى رصيد لصالح الجماعة في صراعها مع السلطة، دون تقديم أي رؤية حقيقية أو برنامج اقتصادي واقعي يحل أزمات هذا الجيل.
التفنيد الأبرز لادعاءات عبد المقصود هو أن جزءاً كبيراً من هذا الجيل بات يدرك أن الجماعة والنظام الحالي يمثلان -في نظره- وجهين لعملة واحدة من حيث "الرغبة في الاستحواذ" و"الفشل في إدارة الدولة". يرى الكثير من شباب "جيل Z" أن الإخوان المسلمين ليسوا البديل الديمقراطي المنشود، بل هم قوة "ماضوية" ساهمت سياساتها الإقصائية سابقاً في الوصول إلى المشهد المتأزم الحالي. لذا، فإن محاولة الجماعة تصوير نفسها كحليف لهذه التحركات الشبابية تصطدم بوعي جيل يرفض أن يكون "وقوداً" لمعارك تنظيمية لا تخدم تطلعاته في بناء دولة مدنية حديثة تتجاوز صراعات الماضي بين التنظيم والدولة.
الخطاب الاقتصادي: "الحق الذي يُراد به باطل"
يتوسل صهيب عبد المقصود بالأوضاع الاقتصادية المتدهورة وأزمة الديون في مصر ليعزز خطاب "المظلومية"، محاولاً إثبات أن استبعاد الجماعة لم يكن حلاً للمشكلات الهيكلية للدولة. غير أن هذا الطرح يقع في فخ "الشماتة السياسية" أكثر من كونه تشخيصاً وطنياً؛ فالجماعة تكتفي برصد العثرات الاقتصادية وتضخمها لاستخدامها كأداة ضغط وتأليب، دون أن تقدم -وهي التي تدعي امتلاك مشروع "نهضة"- أي بدائل حقيقية أو حلولاً تقنية وعلمية تخرج البلاد من عثرتها، مما يجعل حديثها عن الاقتصاد مجرد "كلمة حق يُراد بها باطل" لغرض المناكفة لا الإصلاح.
يتناسى المتحدث في تحليله أن بذور الاستقطاب الحاد الذي أدى لاحقاً إلى حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي، قد غُرست في فترة حكم الجماعة. إن سياسات "التمكين" الإقصائية، والصدام مع مؤسسات الدولة، والعجز عن بناء توافق وطني خلال عام 2012-2013، هي التي مهدت الطريق للمشهد المأزوم الحالي. فالاقتصاد لا ينمو في بيئات الانقسام المجتمعي الذي كانت الجماعة طرفاً أصيلاً فيه، وبالتالي فإن محاولته تبرئة ساحة التنظيم من المآلات الحالية هي قراءة قاصرة تغفل أن الفشل في الإدارة السياسية حينها كان أحد المسببات الرئيسية لفقدان الثقة في المسار الديمقراطي والارتباك الاقتصادي الذي تبع ذلك.
يروج عبد المقصود لفكرة أن "فزاعة الإخوان" لم تعد تنطلي على الشارع المصري، لكنه يتغافل عن حقيقة أن الشارع ذاته لم يعد يرى في الجماعة "المنقذ" أو "البديل الاقتصادي". لقد سقطت هيبة "برنامج النهضة" الذي طالما تغنت به الجماعة عند أول اختبار حقيقي للسلطة، حيث اتسم أداؤها حينها بالعشوائية والاعتماد على الولاءات التنظيمية لا الكفاءات الوطنية. لذا، فإن مراهنة الجماعة على أن الأزمة الاقتصادية ستعيدها إلى قلوب المصريين هي مراهنة خاسرة؛ لأن الذاكرة الجمعية لا تزال تربط بين وجود الجماعة وبين حالة الفوضى والقطيعة مع مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل الشارع يرى في أزماته الحالية تحدياً وطنياً يتجاوز طموحات تنظيم يسعى للعودة للسلطة عبر بوابة "الأوجاع الاقتصادية".
الخاتمة:
إن استقراء حوار صهيب عبد المقصود يكشف بوضوح أن جماعة الإخوان المسلمين، وتحديداً "جبهة لندن"، لم تتعلم شيئاً من دروس التاريخ القريب، ولا تزال تعاني من "عماء سياسي" يحجب عنها رؤية واقعها المتشظي. فالرهان على استعادة الشرعية عبر بوابة الخارج أو استغلال الأوجاع المعيشية للمواطنين، هو رهان على سراب؛ إذ لا يمكن لكيان يرفض إجراء مراجعة فكرية شاملة لأدبيات العنف لديه، ولا يزال يعيش صراعاً مخزياً على "الأموال والشرعيات" بين لندن وإسطنبول، أن يقدم نفسه كبديل وطني أو شريك في مستقبل مصر.
خلاصة القول، إن خطاب عبد المقصود هو صرخة في وادٍ سحيق، ومحاولة "تجميلية" لواقع تنظيمي يلفظ أنفاسه الأخيرة أيديولوجياً وشعبياً. فالعالم اليوم لا يحاكم الجماعة على "نواياها" المعلنة، بل على تاريخها الموثق بالدم وتجربتها الفاشلة في الحكم، وعجزها البنيوي عن التحول من "تنظيم سري" مغلق إلى "حزب سياسي" مدني. ستبقى الجماعة تطارد فكرة "المظلومية" هرباً من استحقاق "المحاسبة"، لكن الحقائق التي حاول الحوار مواراتها تظل هي الشاهد الأكبر على أن "الإخوان" باتوا جزءاً من أزمات الماضي، لا حلول المستقبل.
