استهداف شبكة النفط والسلاح الحوثية.. يعيد رسم معركة تجفيف الموارد

السبت 17/يناير/2026 - 12:19 م
طباعة استهداف شبكة النفط فاطمة عبدالغني
 
في خطوة جديدة تعكس تصعيداً أمريكياً متدرجاً في التعامل مع جماعة الحوثي، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض حزمة عقوبات واسعة استهدفت عشرات الأشخاص والكيانات المتورطة في تمويل الجماعة وتهريب النفط والأسلحة وتقديم خدمات مالية ولوجستية لها.
 ويأتي هذا الإجراء في سياق سياسة أمريكية تهدف إلى تجفيف منابع تمويل الحوثيين، والحد من قدرتهم على مواصلة هجماتهم في البحر الأحمر وأنشطتهم العسكرية داخل اليمن وخارجه، وسط اتهامات مباشرة لإيران باستخدام شبكات تجارية معقدة لتحويل عائدات النفط إلى دعم عسكري وأمني للجماعة.
ووفق البيان الصادر عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، شملت العقوبات 21 شخصاً وكياناً، إضافة إلى تحديد سفينة بحرية، ثبت تورطهم في نقل مشتقات نفطية وشراء أسلحة ومعدات مزدوجة الاستخدام وتسهيل تحويلات مالية تصب في مصلحة الحوثيين. وأوضحت وزارة الخزانة أن هذه الشبكات تعمل عبر دول عدة، أبرزها اليمن وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة، وتشكل العمود الفقري للاقتصاد غير المشروع الذي تعتمد عليه الجماعة في تمويل عملياتها.
ويُعد قطاع النفط أحد أهم مصادر دخل الحوثيين، إذ تشير التقديرات الأمريكية إلى أن الجماعة تحقق أكثر من ملياري دولار سنوياً من بيع الوقود بشكل غير قانوني، مستفيدة من شركات واجهة مرتبطة بإيران تتخذ من دبي مقراً لها. وتقوم هذه الشركات بتوريد شحنات نفط مدفوعة وأخرى مجانية شهرياً إلى مناطق سيطرة الحوثيين، فيما تُدار المدفوعات عبر شبكات صرافة في صنعاء والإمارات، في محاولة للتحايل على العقوبات الدولية.
كما كشفت الخزانة الأمريكية عن دور واسع لشركات لوجستية وشحن بري وبحري في تهريب الأسلحة من إيران وعُمان إلى اليمن، من بينها محاولات سابقة لتهريب صواريخ موجهة مضادة للدروع داخل معدات مدنية معدلة خصيصاً لإخفائها. وتستخدم الجماعة شركات صرافة محلية لتمويل هذه العمليات، حيث يتم تحويل أموال المودعين لشراء مكونات صاروخية وأنظمة تسليح متطورة عبر وسطاء إقليميين.
وفي تطور لافت، أشار البيان إلى سعي الحوثيين إلى إنشاء شركات طيران مدنية في صنعاء لشراء طائرات تُستخدم لاحقاً في نقل شحنات غير مشروعة أو تحقيق دخل إضافي من خلال رحلات تجارية، وهو ما اعتبرته واشنطن مؤشراً على محاولة الجماعة تنويع أدواتها الاقتصادية بعيداً عن القنوات التقليدية للتهريب.
كما شملت العقوبات شركات شحن وقباطنة سفن قاموا بتفريغ شحنات نفطية في موانئ خاضعة لسيطرة الحوثيين بعد انتهاء المهلة الإنسانية التي سمحت بها الولايات المتحدة مطلع عام 2025، وهو ما عدته واشنطن خرقاً مباشراً لتصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية.
ويرى مراقبون أن العقوبات الجديدة تمثل انتقالاً نوعياً في الاستراتيجية الأمريكية من التركيز على القيادات العسكرية والسياسية للحوثيين إلى استهداف البنية الاقتصادية والمالية العميقة التي تقوم عليها الجماعة. ويؤكد هؤلاء أن ضرب شبكات النفط والصرافة والشحن يوجّه رسالة مباشرة لإيران بأن واشنطن باتت أكثر استعداداً لتعطيل أدواتها غير المباشرة في تمويل حلفائها الإقليميين.
لكن في المقابل، يشكك بعض الخبراء في قدرة العقوبات وحدها على إحداث تحول جذري في سلوك الحوثيين، في ظل استمرار سيطرتهم على مناطق واسعة غنية بالكثافة السكانية ومنافذ بحرية حيوية، إضافة إلى خبرتهم الطويلة في الالتفاف على القيود الدولية عبر وسطاء جدد ومسارات تهريب بديلة. ويذهب هؤلاء إلى أن فعالية العقوبات ستظل مرهونة بتعاون دولي أكبر، خصوصاً من دول الإقليم التي تمر عبرها شبكات التجارة والتهريب، وبوجود رقابة صارمة على حركة السفن والتحويلات المالية في البحر الأحمر وخليج عدن.
وتعكس العقوبات الأمريكية الأخيرة توجهاً واضحاً نحو خوض معركة اقتصادية طويلة الأمد ضد جماعة الحوثي، باعتبارها إحدى أدوات الضغط الأساسية إلى جانب المسارات العسكرية والدبلوماسية. وبينما تسعى واشنطن إلى تجفيف منابع تمويل الجماعة وتقليص قدرتها على تهديد الملاحة الدولية، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان هذا الضغط الاقتصادي المتصاعد سيُترجم إلى تغيير فعلي في موازين القوة على الأرض، أم أنه سيضيف فصلاً جديداً إلى صراع معقّد تتشابك فيه الحسابات الإقليمية والدولية على حساب استقرار اليمن ومعاناة شعبه.

شارك