الرقة تحت وطأة الصراع: "قسد" والجيش السوري في مواجهة كسر العظم
الأحد 18/يناير/2026 - 02:05 ص
طباعة
حسام الحداد
اندلعت مواجهات عنيفة ليلة الأحد في ريف الرقة، حيث أعلنت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) خوض اشتباكات ضارية في بلدة المنصورة ضد من وصفتهم بـ"مسلحي دمشق"، مؤكدةً تصديها لمحاولات التقدم وحماية الأهالي، توازياً مع حملة اعتقالات في مدينة الطبقة لضبط ما وصفته بـ"زعزعة الأمن". في المقابل، أكدت هيئة العمليات في الجيش السوري إحكام قبضتها الميدانية، معلنةً السيطرة الكاملة على مطار الطبقة العسكري وسد المنصورة (البعث سابقاً)، بالإضافة إلى بلدتي رطلة والحمام، لتصبح القوات الحكومية على بعد أقل من 5 كيلومترات من البوابة الغربية لمدينة الرقة، وسط تقارير عن استسلام العشرات من مقاتلي "قسد" المحاصرين.
تعكس هذه التطورات الميدانية المتسارعة في ريف الرقة مرحلة جديدة من الصراع السوري، يمكن قراءتها من خلال عدة زوايا نقدية:
1. تآكل استراتيجية "الغموض" والتحالفات: لطالما استندت "قسد" في بقائها بشرق الفرات إلى التوازنات الدولية، لكن الاشتباك المباشر مع الجيش السوري في المنصورة والطبقة يشير إلى تصدع في تلك المظلة الدولية أو "ضوء أخضر" ضمني لتغيير خارطة السيطرة. استخدام "قسد" لمصطلح "مسلحي دمشق" بدلاً من "الجيش السوري" هو محاولة لنزع الشرعية عن التحركات الحكومية، وتصويرها كاعتداءات ميليشياوية، بينما يسعى الجيش السوري لفرض "سيادة الدولة" عبر استعادة المنشآت الحيوية (المطار والسدود).
2. الأهمية الجيوسياسية للمنشآت الحيوية: السيطرة على مطار الطبقة وسد المنصورة ليست مجرد نصر معنوي، بل هي "خنق" لموارد الطاقة وخطوط الإمداد التابعة للإدارة الذاتية. إن وصول الجيش السوري إلى مسافة 5 كيلومترات من مدينة الرقة يضع "قسد" أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانخراط في حرب استنزاف حضرية مكلفة، أو التفاوض على تسليم المدينة مقابل ضمانات سياسية، وهو ما يبدو مستبعداً في ظل الزخم الميداني الحالي لدمشق.
3. حرب الروايات والانهيار المعنوي: ثمة فجوة واضحة في الروايات؛ فبينما تتحدث "قسد" عن "حماية الأهالي" وإعادة الأمن للطبقة، تتحدث دمشق عن "استسلام جماعي" لـ 64 مقاتلاً. هذا التضارب يشير إلى حرب نفسية موازية. فإذا صحت أنباء الاستسلام، فإننا أمام انهيار في بنية التماسك الداخلي لـ "قسد" نتيجة الحصار الميداني، مما قد يدفع بمكونات عشائرية محلية داخل "قسد" إلى تغيير ولاءاتها بسرعة تماشياً مع القوى الصاعدة على الأرض.
4. مستقبل الرقة: هل تعود لـ "بيت الطاعة"؟ باتت مدينة الرقة الآن في "فلك النيران" الحكومية. إن التحرك نحو المدخل الغربي للمدينة يعني أن دمشق قررت إنهاء ملف شرق الفرات عسكرياً أو عبر "القضم التدريجي". هذا التصعيد يضع القوى الإقليمية، وخاصة واشنطن، أمام اختبار حقيقي: هل ستتدخل لحماية شريكها الميداني (قسد)، أم أن الرقة ستكون الثمن الجديد في تسوية كبرى تجري صياغتها خلف الكواليس؟
خاتمة
إن معركة المنصورة والطبقة ليست مجرد اشتباك حدودي بين قوى محلية، بل هي إعلان عن بدء فصل الختام في صراع النفوذ على ضفاف الفرات. ومع اقتراب الجيش السوري من أسوار الرقة، يبدو أن "قسد" تفقد تدريجياً أوراق قوتها الميدانية، مما يضع مستقبل مشروع "الإدارة الذاتية" في مهب الريح أمام إصرار دمشق على استعادة "كل شبر".
