فرنسا تصعّد ضد الإخوان: هل تصبح الجماعة إرهابية على مستوى الاتحاد الأوروبي؟

الخميس 22/يناير/2026 - 06:36 م
طباعة فرنسا تصعّد ضد الإخوان: علي رجب
 
اعتمدت الجمعية الوطنية الفرنسية، في جلسة علنية عقدت يوم الخميس، مشروع قرار يدعو الاتحاد الأوروبي إلى إدراج حركة «الإخوان المسلمين» على القائمة الموحدة للمنظمات الإرهابية التابعة للاتحاد الأوروبي. القرار جاء وفق أحكام الدستور الفرنسي، وعلى وجه التحديد المادة 88-4 التي تمنح البرلمان القدرة على اتخاذ إجراءات تتعلق بالسياسات الأوروبية والتعاون مع مؤسسات الاتحاد. 
ويبرز هذا القرار، الذي تقدمت به كتلة اليمين الجمهوري، محاولة رسم سياسة أوروبية موحدة تجاه تنظيم سياسي يحمل طابعا أيديولوجيا وعابرا للحدود، ويستند في رؤيته الفكرية إلى أسس دينية سياسية قد تتناقض مع القيم الديمقراطية والعلمانية الأوروبية.

يرى البرلمان الفرنسي أن الفكر الذي تتبناه جماعة الإخوان المسلمين ليس مجرد مذهب سياسي داخلي، بل يمثل تهديدا أيديولوجيا ذا طبيعة انفصالية، يمكن أن يؤدي إلى إقامة مؤسسات موازية تعمل خارج نطاق القوانين الوطنية الأوروبية.
 هذه المخاوف ليست مجرد افتراضات، إذ تعتمد على تقارير استخباراتية وأمنية فرنسية وأوروبية، أبرزها تقرير «الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا» الذي عرض على مجلس الدفاع والأمن القومي الفرنسي في مايو 2025، والذي أشار إلى دعم خارجي وتحركات تدريجية نحو ما وصفه التقرير بـ«أسلمة سياسية تدريجية» داخل أوروبا. 
التقارير تؤكد وجود شبكة منظمة قادرة على العمل عبر جمعيات تعليمية ودينية وخيرية، لتأسيس ما وصفه البرلمان بـ«مجتمعات موازية» تؤثر على البنية المؤسسية والاجتماعية للدول الأوروبية، ما يفسر التوجه الفرنسي نحو توسيع نطاق التصنيف القانوني للجماعة.

القرار الفرنسي يعتمد على أسس قانونية صلبة، وهو ما يعكس الحرص على أن تكون الخطوة متوافقة مع الإطار الدولي والقوانين الأوروبية. فمن جهة، يستند القرار إلى المادة 88-4 من الدستور الفرنسي، التي تمنح السلطة التشريعية القدرة على التأثير في السياسة الأوروبية.
 ومن جهة أخرى، يستند إلى مرجعيات دولية مثل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1373 لعام 2001 الخاص بمكافحة الإرهاب، ومعاهدات الاتحاد الأوروبي، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والموقف الأوروبي المشترك الصادر في ديسمبر 2001 بشأن مكافحة الإرهاب. 
هذه الإحالات القانونية تضمن أن أي تصنيف محتمل للإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية سيكون قابلا للتطبيق في جميع دول الاتحاد الأوروبي عند إقراره، ما يمنح القرار طابعا ملزما ويؤكد على وحدة السياسة الأوروبية تجاه التهديدات العابرة للحدود.

ويظهر القرار الفرنسي تأثير التجارب الدولية السابقة في صياغة السياسات المحلية والأوروبية. فقد فرضت مصر والإمارات والسعودية وروسيا حظرا إداريا أو قضائيا على فروع الإخوان المسلمين، بينما اتخذت دول أوروبية مثل النمسا منذ عام 2021 إجراءات قانونية لتقييد أنشطة تنظيمات مرتبطة بالإسلام السياسي. 
هذه التجارب عززت حجية القرار الفرنسي، حيث تظهر أن هناك نمطا عالميا من التعامل مع الجماعات السياسية ذات الخلفية الدينية التي ينظر إليها على أنها تهدد الأمن الداخلي والاستقرار السياسي والاجتماعي. 
ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار القرار الفرنسي جزءا من اتجاه أوسع لتوحيد المعايير القانونية والسياسات الأمنية بين الدول الديمقراطية تجاه ما يسمى بالإسلام السياسي أو الجماعات ذات الطابع الأيديولوجي العابر للحدود.

القرار الفرنسي يتجاوز الأبعاد القانونية ليحمل رسالة سياسية واضحة. فهو يرسل إشارة قوية إلى المجتمع الأوروبي مفادها أن حماية القيم الديمقراطية والعلمانية والمبادئ الأساسية لسيادة القانون هي أولوية استراتيجية، وأن أي نشاط سياسي أو ديني يحاول إقامة مؤسسات موازية أو التأثير على السياسات الوطنية سيخضع للرقابة والمحاسبة القانونية. 

وهذا يعكس مخاوف أوروبا من النفوذ الخارجي، سواء من خلال التمويل أو الدعم اللوجستي أو عبر النفوذ الأيديولوجي، ويضع حدا للتساهل مع نشاطات جماعات قد تشكل تهديدا طويل الأمد للتماسك الاجتماعي والمؤسساتي.

من الناحية السياسية، يعكس القرار الفرنسي تنامي القلق الأوروبي من تنامي جماعات مثل الإخوان المسلمين في مواجهة قيم الديمقراطية العلمانية، ويبرز صراعا أيديولوجيا يمتد إلى البنية الاجتماعية والثقافية داخل الدول الأوروبية. 
ويأتي ذلك في سياق مخاوف متزايدة من تحول النشاط السياسي الديني إلى نشاط أمني محتمل، يتطلب تنسيقا أوروبيا موحدا لإدارة المخاطر وحماية المواطنين والمؤسسات. 
وهنا، يظهر القرار الفرنسي كخطوة استباقية لإعادة تعريف سياسة مكافحة الإرهاب السياسي والديني داخل الاتحاد الأوروبي، مع التأكيد على أن حماية الديمقراطية والمجتمعات الأوروبية تتطلب إجراءات فعالة ضد الأنشطة العابرة للحدود.

إضافة إلى ذلك، فإن إحالة القرار الفرنسي بعد موافقة الجمعية الوطنية إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي لمناقشته وإقراره يعكس الدور القيادي لفرنسا في توجيه الأجندة الأمنية والسياسية داخل الاتحاد، ويبرز قدرتها على التأثير في صياغة السياسات الأوروبية المشتركة لمكافحة الإرهاب الأيديولوجي.

 وعند اعتماده، سيصبح القرار ملزما لجميع الدول الأعضاء، ما يعكس مستوى التنسيق الأوروبي المطلوب لمواجهة تهديدات تتعلق بالإسلام السياسي والشبكات العابرة للحدود، ويضع معايير موحدة للتصنيف والمحاسبة القانونية.

خلاصة التحليل تشير إلى أن القرار الفرنسي ليس مجرد إجراء تشريعي داخلي، بل هو خطوة استراتيجية متعددة الأبعاد: قانونية، سياسية، وأمنية، تهدف إلى حماية المجتمعات الأوروبية وقيمها الأساسية، مع الاستفادة من التجارب الدولية السابقة في مواجهة جماعات مماثلة.
 ويعكس القرار تحركا استباقيا لمواجهة تهديدات أيديولوجية عابرة للحدود، ويأتي ضمن جهود أوروبية أوسع لتوحيد مقاربة مكافحة الإرهاب السياسي والديني، وضمان أن تكون الإجراءات متوافقة مع القوانين الوطنية والدولية، بما في ذلك حقوق الإنسان والمعاهدات الأوروبية. 
كما يوضح القرار أن التعامل مع الإخوان المسلمين لا يقتصر على البعد الأمني، بل يمتد إلى حماية المجتمع المدني والتماسك الاجتماعي ضد محاولات التأثير الخارجي والمجتمعات الموازية، ما يعكس فهما عميقا للتحديات المعاصرة التي تواجه الديمقراطيات الأوروبية.

في النهاية، يمكن القول إن الخطوة الفرنسية تمثل نقطة تحول في السياسة الأوروبية تجاه الإخوان المسلمين، حيث تجمع بين التحليل القانوني الدقيق، التجارب الدولية، والاعتبارات الأمنية والسياسية والاجتماعية، بما يجعل القرار أداة قوية لمواجهة التحديات العابرة للحدود وحماية القيم الديمقراطية الأوروبية.
 القرار يعكس التزاما فرنسيا وأوروبيا مشتركا بضمان أن يكون النشاط السياسي والديني ضمن حدود القانون، وأن أي انحراف عن هذه القيم سيتعرض للمحاسبة القانونية والتنسيق الأوروبي الشامل.

شارك